الاقتصاد يهزم وعود ترامب.. ارتفاع الأسعار يقلب موازين انتخابات الكونجرس الأمريكي


الجريدة العقارية الاربعاء 04 نوفمبر 2026 | 05:12 مساءً
ترامب
ترامب
أحمد رجب

لم تكن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي مجرد منافسة سياسية بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، لكنها تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى رضا الناخبين عن أداء إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعدما أصبح الاقتصاد القضية الأكثر تأثيراً في اختياراتهم، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأسر الأمريكية.

وجاء الاقتصاد في مقدمة الملفات التي اهتم بها الناخبون بنسبة 39%، متقدماً على قضية الديمقراطية التي سجلت 32%، كما رأى 65% من المشاركين أن سياسات ترامب ساهمت في تراجع الأوضاع الاقتصادية للولايات المتحدة.

ومع عدم وجود انتخابات رئاسية ضمن هذا الاستحقاق، اتجه جزء كبير من غضب الناخبين إلى الحزب الجمهوري، باعتباره الحزب الحاكم، ليتحمل تبعات الاستياء الشعبي ويخسر أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ لصالح الديمقراطيين.

وتوضح نتائج الاستطلاع وجود اختلاف بين أداء بعض المؤشرات الاقتصادية والأسواق المالية خلال العامين الماضيين، وبين الصورة التي يراها المواطنون في حياتهم اليومية، حيث أكد 44% من المشاركين أن أوضاعهم المالية أصبحت أسوأ مقارنة بما كانت عليه قبل عامين، مع بداية ولاية ترامب.

ارتفاع الأسعار يضع شعبية ترامب تحت الضغط

لم تكن الضغوط الاقتصادية أمراً طارئاً ظهر مع اقتراب موعد الانتخابات، بل جاءت نتيجة تراكمات من ارتفاع الأسعار وزيادة نفقات المعيشة، وهو ما انعكس على تقييم المواطنين لسياسات ترامب، سواء المتعلقة بالتجارة أو التحركات العسكرية.

وأظهر الاستطلاع أن نحو 90% من المشاركين يشعرون بالقلق بسبب زيادة أسعار البنزين والمواد الغذائية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والخدمات المرتبطة بها.

وجاءت هذه المخاوف بالتزامن مع تجدد الضغوط التضخمية خلال الربع الثالث، بعدما سجل مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يتابعه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لقياس التضخم، ارتفاعاً بنسبة 0.5% خلال سبتمبر، وهي أكبر زيادة شهرية خلال 6 أشهر.

وأدت موجة ارتفاع الأسعار، التي امتدت آثارها منذ جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، إلى استمرار الضغط على ميزانيات الأسر الأمريكية، رغم أن ملف التضخم نفسه كان من أبرز القضايا التي اعتمد عليها ترامب في حملته الانتخابية أمام المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس.

وبالنسبة لعدد كبير من الناخبين، أصبحت انتخابات التجديد النصفي وسيلة للتعبير عن عدم رضاهم عن أداء الرئيس، إذ قال 43% من المشاركين إن معارضتهم لترامب كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء تصويتهم، وهي نسبة أعلى من المسجلة في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018 خلال ولايته الأولى.

وعود ترامب الاقتصادية تصطدم بواقع الأسواق

امتدت الضغوط الاقتصادية إلى السياسة النقدية، بعدما دفعت معدلات التضخم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة خلال العام، في خطوة جاءت عكس الوعود التي أطلقها ترامب بخفض تكلفة الاقتراض والسيطرة على ارتفاع الأسعار.

وفي الوقت نفسه، شهدت ثقة المستهلكين تراجعاً ملحوظاً مقارنة بمستوياتها قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وهو ما يعكس استمرار المخاوف بشأن القدرة الشرائية ومستقبل الأوضاع الاقتصادية.

كما واجهت الإدارة الأمريكية تساؤلات بشأن تعهداتها بإعادة تنشيط قطاع الصناعة وزيادة فرص العمل، خاصة مع تراجع عدد العاملين في قطاع التصنيع مقارنة بالمستويات المسجلة عند بداية الولاية الرئاسية الثانية لترامب، وفقاً للبيانات الواردة في التقرير.

الرسوم الجمركية تزيد تكلفة المعيشة وتضغط على المزارعين

اعتمد ترامب على الرسوم الجمركية باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لدعم الاقتصاد الأمريكي، وقدمها باعتبارها وسيلة لحماية المصانع المحلية وتشجيع الإنتاج داخل الولايات المتحدة، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة وتحقيق معدلات نمو أعلى.

لكن هذه السياسة أدت إلى زيادة تكلفة استيراد العديد من المنتجات، وهو ما انعكس على أسعار السلع داخل الأسواق الأمريكية. ولم تتوقف التداعيات عند المستهلكين، بل امتدت إلى قطاعات إنتاجية تعرضت لإجراءات تجارية مضادة من بعض الدول.

وكان المزارعون الأمريكيون من أكثر الفئات التي تأثرت بهذه التطورات، خاصة بعد فرض الصين رسوماً انتقامية على عدد من المنتجات الزراعية الأمريكية، وفي مقدمتها فول الصويا، رغم أن هذه الفئة تمثل قاعدة مهمة من مؤيدي ترامب، بحسب ما ذكرته بلومبرغ.

وفي المقابل، دافع الرئيس الأمريكي عن قراراته التجارية، ونفى أن تكون الرسوم الجمركية وراء ارتفاع تكاليف المعيشة أو زيادة التضخم. وخلال خطاب له في ولاية ميسيسيبي، قال إن هذه الإجراءات تدعم النمو الاقتصادي وتساعد على توفير فرص العمل، وليست سبباً في ارتفاع الأسعار.

لكن تقديرات مؤسسة «بادجت لاب» التابعة لجامعة ييل، والصادرة في أغسطس، أشارت إلى أن الرسوم المفروضة على السلع الأجنبية قد تكلف الأسرة الأمريكية الواحدة نحو 1100 دولار سنوياً.

ولم يقتصر تأثير هذه الرسوم على المنتجات المستوردة، بل امتد أيضاً إلى السلع المصنعة محلياً. وأوضح تقرير صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خلال سبتمبر أن الشركات الأمريكية قد تستغل ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة لزيادة هوامش أرباحها، مستفيدة من تراجع المنافسة الأجنبية.

وبالتالي، لا يتحمل المستهلك الأمريكي فقط الزيادة المباشرة في أسعار السلع المستوردة، بل قد يواجه أيضاً ارتفاعاً في أسعار المنتجات المحلية، نتيجة تراجع المنافسة داخل الأسواق.

حرب إيران تزيد أعباء الوقود على الأسر الأمريكية

لم تكن الرسوم الجمركية العامل الوحيد وراء زيادة الضغوط على ميزانيات الأسر الأمريكية، إذ ساهمت الحرب التي تخوضها إدارة ترامب ضد إيران في رفع تكاليف الطاقة، مع زيادة أسعار البنزين والديزل نتيجة الاضطرابات التي شهدتها أسواق النفط.

وبحسب تقديرات مؤشر تكاليف الطاقة التابع لجامعة براون، تجاوزت الأعباء الإضافية الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود على الأسرة الأمريكية الواحدة 1120 دولاراً حتى الآن، بينما ارتفعت أسعار البنزين بنحو 39%، في ظل تراجع التأييد الشعبي للحرب.

وأظهر تحليل أجرته شبكة «سي إن إن» لبيانات جمعية السيارات الأمريكية أن متوسط سعر جالون البنزين العادي وصل إلى 4.15 دولار على مستوى الولايات المتحدة، وهو أعلى سعر يتم تسجيله في يوم انتخابات أمريكية منذ بدء البيانات التي شملها التحليل عام 2000، حتى بعد احتساب تأثير التضخم.

وتجاوزت الأسعار بذلك الرقم القياسي السابق البالغ 3.80 دولار للجالون، والذي سُجل خلال انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، عندما وصلت معدلات التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها خلال 4 عقود، في عهد الرئيس السابق جو بايدن.

ويضع هذا الارتفاع ترامب أمام موقف صعب، خاصة أنه اعتمد خلال حملته الانتخابية على انتقاد الإدارة السابقة بسبب ارتفاع أسعار الوقود والتضخم، وقدم نفسه باعتباره القادر على تحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين.

فاتورة الحرب الأمريكية مرشحة للزيادة

لا تقتصر التكلفة الاقتصادية للحرب مع إيران على ارتفاع أسعار البنزين والديزل، بل تمتد أيضاً إلى النفقات العسكرية المباشرة التي تتحملها الموازنة الأمريكية.

وبحسب تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية التي نقلتها بلومبرغ، وصلت تكلفة الحرب إلى ما لا يقل عن 47.1 مليار دولار منذ اندلاعها في فبراير الماضي، مع احتمالات بزيادة هذه النفقات إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة أطول.

وكان مكتب الميزانية في الكونجرس قد قدر خلال سبتمبر أن استمرار الحرب قد يكلف الولايات المتحدة ما بين ملياري و3 مليارات دولار شهرياً، وهو ما يضيف أعباء جديدة على الإنفاق الحكومي.

وفي السياق نفسه، أشار بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، ضمن تقييمه للاقتصاد خلال الشهر ذاته، إلى استمرار تأثير الصراع في الشرق الأوسط على أسعار الوقود والمنتجات البتروكيماوية والأسمدة وتكاليف النقل، مع بقاء هذه الأسعار أعلى من مستوياتها قبل اندلاع الأزمة.

انتهاء الانتخابات لا يعني انتهاء الأعباء الاقتصادية

لن تتوقف التكلفة المالية للحرب بمجرد انتهاء العمليات العسكرية، إذ ستحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة بناء مخزوناتها من الأسلحة والنفط التي استُهلكت خلال الصراع، وهي عملية قد تتطلب إنفاق مليارات الدولارات خلال الفترة المقبلة.

ومن المتوقع أن يتحمل دافعو الضرائب جانباً من هذه النفقات من خلال الموازنة العامة، وهو ما يعني أن التداعيات الاقتصادية للحرب قد تستمر حتى بعد توقف المواجهات العسكرية.

وفي ظل تداخل عوامل ارتفاع الأسعار وتكاليف الاقتراض والرسوم الجمركية والإنفاق العسكري، أصبح الاقتصاد أحد أهم الملفات التي حددت موقف الناخبين من إدارة ترامب.

وتعكس نتائج الانتخابات أن استمرار الضغوط على دخل المواطنين وقدرتهم على تحمل نفقات الحياة اليومية يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على شعبية الحزب الحاكم، حتى مع وجود مؤشرات إيجابية في بعض قطاعات الاقتصاد والأسواق المالية.