«البحار الثلاثة» تعيد رسم خريطة أمن الطاقة العالمي.. ماذا يحدث في الأسواق؟


الجريدة العقارية الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 | 04:12 مساءً
النفط
النفط
محمد فهمي

أكد خبير اقتصادات الطاقة أنس الحجي أن أمن الطاقة فرض نفسه بقوة على مناقشات مؤتمر البترول العالمي، في ظل التطورات الجيوسياسية المتلاحقة وتأثيراتها على أسواق الطاقة، مشيرًا إلى أن الأوضاع الحالية تختلف عن الأزمات السابقة، مع اتساع نطاق التحديات لتشمل مناطق الخليج والبحر الأحمر والبحر الأسود.

وأوضح الحجي في مداخلة مع العربية بيزنس، أن مفهوم أمن الطاقة موجود منذ أكثر من 50 عامًا، وتحديدًا منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت القضية ذات تأثير عالمي، بعدما امتدت تداعياتها إلى مختلف الدول والأسواق، وهو ما دفع المشاركين في المؤتمر إلى إيلاء اهتمام كبير لهذا الملف.

وأشار إلى أن الحديث عن إعادة تشغيل المصافي القديمة في ألمانيا يعكس تحولًا جوهريًا في أولويات سياسات الطاقة، موضحًا أن استقلال الطاقة وأمن الإمدادات أصبحا أكثر أهمية في ظل الظروف الحالية، حتى مع تعارض بعض هذه التوجهات مع السياسات المرتبطة بالتغير المناخي.

وأضاف أن هذه التطورات دفعت الدول إلى التفكير في مسارين رئيسيين، أولهما إنشاء بنية تحتية مزدوجة ومتعددة الاستخدامات، والثاني تنويع مصادر الطاقة والواردات، بما يعزز القدرة على التعامل مع الأزمات المحتملة.

استثمارات جديدة تحسبًا لاستمرار اضطرابات الطاقة

ولفت الحجي إلى أن الاستثمارات المعلنة في إنشاء مسارات جديدة لخطوط الأنابيب، إلى جانب التوسع في القدرات التخزينية خارج مناطق الإنتاج وبالقرب من الأسواق الكبرى، تشير إلى وجود قناعة بأن أسواق الطاقة لن تعود بالضرورة إلى أوضاعها السابقة.

وأوضح أن هذه التحركات تعكس توجهًا نحو الاستعداد لمرحلة جديدة قد تتكرر خلالها الاضطرابات، بدلًا من التعامل معها باعتبارها أزمات مؤقتة تنتهي بعودة الأوضاع إلى طبيعتها.

وأشار إلى أن مضيق هرمز أصبح يمثل أحد أبرز عناصر الضغط في معادلة أمن الطاقة، بعدما أدركت الأسواق أهمية المضيق وإمكانية استخدامه ورقة ضغط في الصراعات الإقليمية والدولية.

وأكد أن هناك قناعة متزايدة بأن أي أزمة مرتبطة بالمضيق قد تنتهي ثم تتجدد مستقبلًا، وهو ما يدفع الدول إلى البحث عن حلول استباقية، مستشهدًا بخط أنابيب شرق-غرب السعودي الذي أُنشئ لتوفير مسار بديل لنقل النفط، إلى جانب التوجه نحو تعزيز قدرات التخزين واتخاذ احتياطات إضافية لضمان استمرار الإمدادات.

روسيا قادرة على زيادة صادرات الديزل.. ولكن بكميات محدودة

وفيما يتعلق بإمكانية زيادة روسيا صادراتها من الديزل إلى الأسواق العالمية، في ضوء الحديث عن تفاهمات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن سوق الديزل، قال الحجي إن روسيا قادرة على توفير كميات إضافية، لكن ليس بالحجم الذي تداولته بعض التقارير الإعلامية، ومنها تقارير لوكالتي بلومبرغ ورويترز.

وأوضح أن انتهاء الموسم الزراعي والحصاد في روسيا يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك المحلي للديزل، الذي يُستخدم بكميات كبيرة خلال الأنشطة الزراعية، مشيرًا إلى أن الاستهلاك يتراجع عادة خلال شهر نوفمبر وحتى نهاية فصل الشتاء.

وأضاف أن هذا الانخفاض الموسمي يتيح توفير كميات إضافية للتصدير، بصرف النظر عن قدرة المصافي الإنتاجية، موضحًا أن مواصفات الديزل المستخدم في الشتاء تختلف عن تلك المستخدمة في الصيف، وهو ما يؤثر على كيفية الاستفادة من الكميات المتاحة.

وشدد الحجي على أن الكميات التي يمكن لروسيا توفيرها تظل محدودة، وأن زيادة الصادرات لن تكون كافية وحدها لحل أزمة الديزل في الأسواق العالمية.

الحجي: الهدف من التحرك الأمريكي ليس خفض أسعار الديزل فقط

وفي تحليله للتحركات الأمريكية المتعلقة بسوق الديزل، أوضح الحجي أن الهدف من تحرك ترامب، وفق تقديره، لا يقتصر على خفض الأسعار، وإنما يشمل أيضًا تخفيف الضغوط الشعبية والسياسية التي يواجهها الرئيس الأمريكي وحزبه قبيل انتخابات التجديد النصفي.

وأشار إلى أن تجاوز سعر الديزل 6 دولارات للجالون في السوق الأمريكية زاد من الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الوقود، في ظل تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وأضاف أن ترامب يسعى، بحسب تحليل الحجي، إلى تحميل أطراف أخرى مسؤولية أزمة الوقود، ومن بينها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بدلًا من تحمل المسؤولية السياسية عن ارتفاع الأسعار.

واختتم الحجي تحليله بالتأكيد على أن التحولات الحالية في أسواق الطاقة تدفع الدول إلى إعادة النظر في استراتيجيات أمن الإمدادات، من خلال تنويع مصادر الاستيراد، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التخزين، والاستعداد لاحتمالات استمرار الاضطرابات الجيوسياسية مستقبلًا.