تتجه دول الخليج إلى تعزيز أمن إمدادات الطاقة عبر البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز، في ظل الاضطرابات الجيوسياسية والمخاوف المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، يتناول تقرير لقناة الشرق بلومبرج، مذكرة تفاهم أُعلن عنها بين السعودية وقطر لإنشاء خطوط أنابيب جديدة لتصدير النفط والغاز، بهدف توفير مسارات إضافية لنقل الإمدادات وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، بما قد يعزز قدرة المنتجين الخليجيين على الوصول إلى الأسواق العالمية خلال فترات التوتر.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية للطاقة، تشمل تطوير حقل الجافورة السعودي للغاز، إلى جانب خطط لتعزيز قدرات التصدير عبر موانئ ومسارات بديلة، وسط تساؤلات بشأن التكلفة والجدوى الاقتصادية والمدة الزمنية اللازمة لتنفيذ هذه المشروعات.
خطوط أنابيب جديدة بين السعودية وقطر لتأمين صادرات الطاقة
تستهدف مشروعات خطوط الأنابيب البديلة، وفق الطرح الوارد في التقرير، الحد من مخاطر تعطل صادرات النفط والغاز نتيجة الاضطرابات التي قد تؤثر على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتكمن أهمية هذه المشروعات في أن قدرة الدول المنتجة على إيصال شحناتها إلى الأسواق لا تقل أهمية عن حجم إنتاجها، إذ قد ترتفع قيمة الإمدادات التي يمكن نقلها بصورة موثوقة في أوقات الأزمات، بينما تتعرض الشحنات التي تعتمد على مسارات بحرية مضطربة لمخاطر إضافية تتعلق بالنقل والتأمين والتأخير.
وفي هذا الإطار، أشار جوليان ماتونيرا، المحلل الاقتصادي لأسواق النفط في «إنرجي إنتليجنس»، إلى أن أزمة الشرق الأوسط كشفت عن أهمية الوصول إلى الأسواق، وليس مجرد امتلاك النفط أو الغاز.
وقال ماتونيرا، خلال مداخلة من لندن، إن القيمة في سوق الطاقة أصبحت مرتبطة بقدرة المنتجين على إيصال الإمدادات إلى المستهلكين، موضحًا أن السعودية والإمارات اتخذتا خطوات لتعزيز خيارات تصدير النفط بعيدًا عن الاعتماد الكامل على مضيق هرمز.
خط شرق غرب السعودي وميناء الفجيرة يعززان بدائل التصدير
وأوضح ماتونيرا أن السعودية استفادت من خط أنابيب شرق غرب في نقل النفط إلى البحر الأحمر، بما أتاح لها مواصلة تصدير جزء كبير من إمداداتها بعيدًا عن مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن هذا المسار يمثل مثالًا على أهمية وجود بنية تحتية بديلة في أوقات الأزمات.
وأضاف أن الإمارات تمتلك بدورها ميناء الفجيرة، الذي يتيح تصدير النفط من خارج مضيق هرمز، لافتًا إلى وجود خطط لتعزيز قدرات التصدير عبر الميناء خلال السنوات المقبلة.
واعتبر أن تطوير خطوط الأنابيب والموانئ يمثل خيارًا استراتيجيًا لدول الخليج، وقد يكون أكثر فاعلية على المدى الطويل من الاعتماد على زيادة أعداد ناقلات النفط وحدها، لأن البنية التحتية الجديدة توفر مسارات إضافية لنقل الإمدادات.
وأشار إلى أن هذه التحركات لا تخدم المنتجين فقط، بل تساعد أيضًا على ضمان وصول النفط إلى الأسواق المستهلكة، وهو عامل تزداد أهميته كلما ارتفعت المخاطر الجيوسياسية.
25 مليار دولار لنقل الغاز القطري.. هل الاستثمار مجدٍ اقتصاديًا؟
وفيما يتعلق بإمكانية نقل الغاز القطري عبر خطوط جديدة إلى مرافق في الفجيرة أو سلطنة عمان، تناول التقرير تقديرات تشير إلى أن تكلفة المشروع قد تقترب من 25 مليار دولار.
وطرح المذيع تساؤلًا بشأن الجدوى الاقتصادية لهذا الاستثمار الضخم، وما إذا كان سيظل منطقيًا بعد عام أو عامين، في حال استقرت الأوضاع الأمنية في مضيق هرمز وعادت حركة الملاحة إلى طبيعتها.
ورد ماتونيرا بأن التكلفة تبدو كبيرة، حتى بالنسبة إلى الدول المنتجة الغنية، موضحًا أن الإنفاق على البنية التحتية سينعكس في نهاية المطاف على تكاليف سلسلة الإمدادات، وقد يتحمل المستهلكون جزءًا من هذه التكلفة.
لكنه أشار إلى أن الأسواق تمنح قيمة إضافية للمنتجين القادرين على إيصال النفط والغاز إلى المشترين في أوقات الأزمات، لأن وجود خيارات بديلة يقلل من مخاطر توقف الصادرات بالكامل.
وأضاف أن خطوط الأنابيب لا تضمن الحماية المطلقة من المخاطر الأمنية، إذ يمكن أن تتعرض هي الأخرى لأضرار أو تعطيلات، لكنها تتيح خيارات جديدة أمام المنتجين، بدلًا من الاعتماد على مسار واحد.
وأكد أن عودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها قد تخفف الضغوط، لكن احتمال تجدد الاضطرابات يبقي الحاجة إلى بدائل تصدير قائمة، خاصة بالنسبة إلى قطر التي تعتمد على تصدير الغاز، ولا تتوافر أمامها خيارات عديدة لتغيير مسارات الإمداد بسهولة.
وأوضح أن تنويع طرق التصدير يمنح المشترين قدرًا أكبر من المرونة، وهو ما قد يزيد من القيمة الاقتصادية للمشروعات الجديدة حتى إذا لم تُستخدم جميع طاقاتها بصورة مستمرة.
حقل الجافورة.. استثمارات سعودية لتعزيز إنتاج الغاز
وتطرق الحوار إلى استثمارات شركة أرامكو السعودية في حقل الجافورة، التي ورد في التقرير أنها تتجاوز 100 مليار دولار، مع استهداف رفع إنتاج الغاز بنحو 80% بحلول عام 2030.
وتأتي هذه الاستثمارات في إطار التوسع في إنتاج الغاز وتعزيز قدرة المملكة على تلبية احتياجات السوق، إلى جانب دعم خطط تطوير قطاع الطاقة وتنويع مصادر الإمداد.
وحول ما إذا كانت هذه المشروعات ستجعل السعودية منافسًا مباشرًا لقطر في سوق الغاز، قال ماتونيرا إن العلاقة بين الدولتين يمكن أن تقوم على التكامل أكثر من المنافسة، خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير البنية التحتية الإقليمية وتوفير مسارات متعددة لنقل الطاقة.
وأضاف أن نجاح هذه المشروعات لا يتوقف على حجم الاستثمارات وحده، بل يرتبط بقدرة الدول الخليجية على تنسيق خططها، وزيادة الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب والموانئ، وضمان وصول الإمدادات إلى الأسواق المستهدفة.
وأشار إلى أن تطوير مسارات إضافية عبر السعودية، وربطها بموانئ التصدير، يتطلب تنسيقًا بين الدول المعنية، حتى تتمكن من الاستفادة من القدرات الجديدة دون أن تتحول المشروعات إلى استثمارات منفصلة لا تحقق أقصى استفادة ممكنة.
هل تصبح السعودية مركزًا إقليميًا لنقل النفط الخليجي؟
وأكد ماتونيرا أن تعزيز دور السعودية في نقل النفط الخليجي يتطلب زيادة القدرات المتاحة عبر خطوط الأنابيب، إلى جانب تطوير البنية التحتية في موانئ التصدير، بما فيها ميناء الفجيرة في الإمارات.
وأوضح أن أي خطط لزيادة تدفقات النفط عبر مسارات بديلة تحتاج إلى اتفاقات وتعاون بين دول الخليج، خاصة إذا كانت هذه المسارات ستُستخدم لنقل كميات من النفط المنتج في دول أخرى.
وشدد على أن التكامل الإقليمي يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح هذه المشروعات، موضحًا أن زيادة قدرة دولة واحدة على التصدير لن تكون كافية إذا لم تتوافر شبكات نقل وموانئ قادرة على استيعاب الكميات الإضافية.
وبحسب طرحه، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد اهتمامًا أكبر بتطوير البنية التحتية المشتركة، في ظل سعي المنتجين إلى الحد من مخاطر الاعتماد على ممرات بحرية محدودة.
هل يمكن الاستغناء عن مضيق هرمز بالكامل؟
وفي ختام الحوار، سُئل ماتونيرا عما إذا كان من الممكن تجاوز مضيق هرمز بالكامل مستقبلًا من خلال التوسع في خطوط الأنابيب البرية.
وقال إن خطوط الأنابيب تعد وسيلة منخفضة التكلفة نسبيًا لنقل النفط، ويمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تقليل الاعتماد على المضيق، لكنه استبعد أن يعني ذلك الاستغناء الكامل عنه.
وأوضح أن دول الخليج قد تتمكن من نقل كميات أكبر من النفط عبر مسارات بديلة، إلا أن جزءًا من الإمدادات سيظل بحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز، بما يجعل استمرار تطوير البدائل أمرًا مهمًا دون أن يلغي الدور الاستراتيجي للمضيق.
وتعكس هذه الرؤية أن مستقبل أمن الطاقة الخليجي لن يعتمد على مشروع واحد، بل على مزيج من خطوط الأنابيب والموانئ والقدرات الإنتاجية والتنسيق بين الدول، بما يتيح استمرار الصادرات عند حدوث اضطرابات في أحد المسارات.
تأثير خطوط الأنابيب الجديدة على أسعار النفط والغاز عالميًا
من المتوقع، من حيث المبدأ، أن يسهم تنويع مسارات التصدير في تقليل مخاطر انقطاع الإمدادات، وهو ما قد يحد من بعض الضغوط السعرية المرتبطة بالمخاوف الجيوسياسية.
لكن تأثير هذه المشروعات على الأسعار سيعتمد على حجم الطاقة الاستيعابية التي ستضيفها، والمدة اللازمة لتنفيذها، وتكاليف النقل والتشغيل، ومدى استمرار الاضطرابات التي دفعت إلى التفكير في مسارات بديلة.
فإذا نجحت الدول المنتجة في نقل كميات أكبر من النفط والغاز عبر خطوط وموانئ خارج مضيق هرمز، فقد تتراجع حساسية الأسواق لأي تعطل في حركة الملاحة، بينما ستظل الأسعار معرضة للتأثر بعوامل أخرى، مثل مستويات الطلب العالمي والإنتاج وتكاليف الشحن والتأمين والتطورات السياسية.
وبين الاستثمارات الضخمة والحاجة إلى تأمين الإمدادات، تبدو خطوط الأنابيب البديلة جزءًا من استراتيجية طويلة الأجل لتعزيز مرونة قطاع الطاقة الخليجي، مع استمرار مضيق هرمز في الاحتفاظ بأهميته في تجارة النفط والغاز العالمية.
لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض