أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.. هل تنجح الإمدادات الروسية والاحتياطيات الطارئة في تهدئة الأسواق؟


الجريدة العقارية الجمعة 16 أكتوبر 2026 | 07:09 مساءً
النفط
النفط
محمد فهمي

تواصل أسواق الطاقة العالمية مواجهة حالة من الترقب وعدم اليقين، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع تحركات أمريكية للحد من ارتفاع أسعار الوقود، ومساعٍ روسية لاستئناف تصدير الديزل إلى الأسواق العالمية خلال الأسابيع المقبلة.

وفي هذا السياق، أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك استعداد شركات النفط الروسية لبدء تصدير وقود الديزل إلى الأسواق العالمية خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، مشيرًا إلى أن موسكو تجري مفاوضات بشأن عقود لتوريد الوقود إلى الولايات المتحدة وأسواق دولية أخرى.

في المقابل، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من المخاطر السياسية المرتبطة بإبرام اتفاقات لتجارة الديزل بين واشنطن وموسكو، معتبرًا أن التعاون التجاري في قطاع الطاقة بين البلدين يواجه تحديات كبيرة في ظل الحرب الدائرة في أوروبا.

أسعار النفط تترقب تطورات مضيق هرمز

وعلى صعيد التداولات، تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات اليوم، قبل أن تحد من خسائرها المسجلة في بداية الجلسة، مع بقاء خام برنت بالقرب من مستوى 105 دولارات للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 0.4% إلى مستويات تقارب 97 دولارًا للبرميل، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

ورغم التراجعات، يتجه الخامان إلى تسجيل مكاسب أسبوعية محدودة للأسبوع الثاني على التوالي، في ظل موازنة المستثمرين بين مخاطر تعطل الإمدادات النفطية نتيجة التطورات في الشرق الأوسط، والتحركات الرامية إلى زيادة المعروض وتخفيف الضغوط على الأسواق.

وتشمل هذه التحركات تعهد الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بالإفراج عن نحو 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية، ضمن إجراءات مرتبطة بالتدخل السابق الذي أُعلن عنه في مارس الماضي، بحسب ما ورد في التقرير.

وتأتي هذه الخطوات بالتزامن مع مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحد من ارتفاع أسعار البنزين قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، في وقت لا تزال فيه المخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات الأسعار.

محلل طاقة: أسعار النفط والديزل مرشحة للبقاء مرتفعة

من جانبه، قال إحسان الحق، المحلل الأول لقطاع الطاقة في «بتروليوم إيكونوميست»، إن الولايات المتحدة تحاول تحريك أكبر قدر ممكن من كميات النفط إلى الأسواق، في حين تتزايد المخاوف المرتبطة بالهجمات على السفن التي تنقل النفط عبر مضيق هرمز.

وأضاف، خلال مداخلة من فيينا، أن التحركات الأمريكية الرامية إلى خفض أسعار الطاقة تشمل البحث في زيادة الإمدادات الروسية، إلى جانب دراسة تخفيف القيود المفروضة على سفن ما يُعرف باسم «أسطول الظل» الروسي.

وأوضح أن هذه الإجراءات قد تسهم في تخفيف بعض الضغوط على السوق، لكنها لا تبدو كافية، وفق تقديره، لإحداث انخفاض كبير ومستدام في الأسعار، خاصة فيما يتعلق بالمشتقات النفطية، وعلى رأسها الديزل، الذي لا تزال أسعاره مرتفعة وتلقي بتأثيراتها على الاقتصاد العالمي.

وأشار الحق إلى أن أسعار النفط قد تظل أعلى من مستوى 100 دولار للبرميل في ظل استمرار التوترات، لافتًا إلى أن التهديدات الأمريكية المتكررة لإيران تزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.

وأضاف أن تصريحات ترامب وتحركاته السياسية تجعل من الصعب التنبؤ بمسار القرارات الأمريكية المقبلة، وهو ما يبقي المستثمرين في حالة ترقب بشأن تطورات الإمدادات ومستقبل الأسعار.

هل تمنع التهديدات العسكرية تراجع أسعار النفط؟

وفي رده على سؤال بشأن تأثير الحديث عن خيارات عسكرية أمريكية واسعة بعد انتخابات التجديد النصفي، قال الحق إن التهديدات الموجهة إلى إيران لا تساعد على خفض أسعار النفط، موضحًا أن تراجع الأسعار يتطلب قدرًا أكبر من الاستقرار والوضوح بشأن مستقبل الصراع.

واعتبر أن استمرار التوترات قد يدفع الأسعار إلى البقاء عند مستويات مرتفعة، مع استمرار الضغوط بصورة أكبر على سوق الديزل، الذي أشار إلى ارتفاع أسعاره مقارنة بخام برنت.

وتعكس هذه التطورات حساسية أسواق الطاقة تجاه التصريحات السياسية والعسكرية، إذ لا تتوقف حركة الأسعار على حجم المعروض الفعلي فقط، بل تتأثر أيضًا بتوقعات المتعاملين بشأن المخاطر المحتملة على الإنتاج والنقل والتأمين.

100 مليون برميل من الاحتياطيات.. هل تكفي لخفض الأسعار؟

وحول تعهد الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بالإفراج عن نحو 100 مليون برميل من الاحتياطيات، شكك الحق في قدرة هذه الكميات على تعويض أي اضطراب واسع في إمدادات الخليج، خاصة في سوق المشتقات النفطية.

وأوضح أن هذه الكمية أُعلن عنها في بداية أزمة مضيق هرمز، كما أنها تشمل النفط الخام والديزل، وبالتالي فإن تأثيرها في السوق قد يكون محدودًا مقارنة بحجم الطلب العالمي والاحتياجات الفعلية للمصافي.

وأضاف أن الإفراج عن الاحتياطيات قد يؤدي إلى انخفاض مؤقت في أسعار بعض المنتجات النفطية، ولا سيما الديزل، لكنه لا يضمن تراجعًا مستدامًا في أسعار الخام إذا استمرت اضطرابات الإمدادات.

وتبرز أهمية هذه النقطة في أن الاحتياطيات الطارئة تُستخدم عادة للتعامل مع الاختلالات المؤقتة في السوق، بينما يعتمد استقرار الأسعار على استمرار تدفق النفط وتوافر كميات كافية لتلبية الطلب.

النفط الأمريكي ينافس خامات الشرق الأوسط في الأسواق الآسيوية

وتطرق الحوار إلى تأثير تراجع تكاليف شحن الخام الأمريكي في الفارق السعري بين خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، وما إذا كانت هذه التطورات قد تفتح المجال أمام زيادة صادرات النفط الأمريكي إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية على حساب خامات الشرق الأوسط.

وقال الحق إن الأمر يرتبط بقدرة دول الخليج على إيصال نفطها إلى المصافي الآسيوية، موضحًا أن تعطل التدفقات القادمة من الشرق الأوسط سيدفع الدول المستهلكة إلى البحث عن مصادر بديلة للخام.

وأضاف أن الأسواق الآسيوية قد تتجه في هذه الحالة إلى زيادة مشترياتها من مناطق أخرى، بما فيها مناطق البلقان، بحسب ما ذكره خلال المقابلة، إلا أن توفير كميات إضافية كافية يظل تحديًا قائمًا.

وأشار إلى أن استمرار وصول النفط الخليجي إلى المصافي الآسيوية قد يحد من التحول إلى البدائل، لكنه لفت إلى أن الكميات المتاحة قد لا تكون كافية لتلبية جميع احتياجات السوق إذا استمرت الاضطرابات.

وبذلك، تظل قدرة المنتجين على تأمين الإمدادات وتوفير بدائل مناسبة أحد العوامل الرئيسية التي تحدد اتجاهات المنافسة بين النفط الأمريكي وخامات الشرق الأوسط.

تخفيف العقوبات عن أسطول الظل الروسي وتكاليف التأمين

وفيما يتعلق بالإشارات المتضاربة التي يتلقاها مشترو النفط، بين احتمالات تخفيف العقوبات الأمريكية عن سفن أسطول الظل الروسي واستمرار التهديدات العسكرية، قال الحق إن تخفيف القيود قد يساعد على خفض تكاليف الشحن.

وأوضح أن انخفاض تكاليف النقل قد ينعكس إيجابًا على حركة الشحنات النفطية القادمة من الشرق الأوسط أيضًا، لكن ارتفاع تكاليف التأمين يظل عاملًا ضاغطًا على التجارة النفطية، خاصة الشحنات المتجهة من المنطقة إلى الأسواق الآسيوية.

وأضاف أن ارتفاع أقساط التأمين على السفن والشحنات قد يبدد جانبًا من الفوائد الناتجة عن انخفاض تكاليف الشحن، وهو ما يفسر استمرار التضارب في المؤشرات التي يعتمد عليها المستثمرون والمشترون لتحديد قراراتهم.

وتشير هذه المعطيات إلى أن تكلفة النفط النهائية لا ترتبط بسعر الخام وحده، وإنما تتأثر كذلك بتكاليف النقل والتأمين والمخاطر الأمنية التي تواجه السفن أثناء عبورها الممرات البحرية الحيوية.

مستقبل أسعار النفط مرهون بأمن الإمدادات

وتكشف التطورات الحالية عن معادلة معقدة تواجه أسواق الطاقة العالمية؛ فمن ناحية، تسعى الولايات المتحدة إلى زيادة المعروض والحد من ارتفاع أسعار الوقود، سواء عبر الاحتياطيات الطارئة أو البحث في إتاحة مزيد من الإمدادات الروسية، ومن ناحية أخرى، تستمر المخاطر الجيوسياسية واضطرابات الملاحة في فرض ضغوط على الأسعار.

وفي ظل هذه المعادلة، يرى محلل الطاقة إحسان الحق أن الإجراءات الحالية قد تخفف بعض الضغوط مؤقتًا، لكنها لا تضمن تراجعًا مستدامًا للأسعار ما دامت المخاطر المتعلقة بمضيق هرمز وتكاليف التأمين واستقرار الإمدادات قائمة.

وبين احتمالات زيادة المعروض واستمرار التوترات، ستظل حركة النفط وأسعار الديزل مرتبطة بتطورات الصراع والقرارات السياسية ومدى قدرة الأسواق على تأمين تدفقات مستقرة من الخام والمنتجات النفطية خلال الفترة المقبلة. 

لمشاهدة الفيديو اضغط هنا