خبير اقتصادي: مضيق هرمز يمثل نقطة ضغط رئيسية على إمدادات الطاقة العالمية


الجريدة العقارية السبت 31 أكتوبر 2026 | 05:53 مساءً
مضيق هرمز
مضيق هرمز
محمد فهمي

أكد الدكتور محمد الشوادفي، أستاذ الإدارة والاستثمار، أن تداعيات الأزمة الأمريكية الإيرانية تجاوزت حدود المواجهة العسكرية، لتتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية امتدت آثارها إلى مختلف الاقتصادات، من الشرق إلى الغرب، مشيراً إلى أن طبيعة المنطقة التي تشهد الصراع، باعتبارها مركزاً رئيسياً للطاقة والإمدادات والخدمات اللوجستية، جعلت تأثيرات الحرب تتجاوز أطرافها المباشرين.

وقال الشوادفي، خلال مداخلة هاتفية مع قناة «إكسترا نيوز»، إن الأزمة الأمريكية الإيرانية جاءت لتضاعف من الأعباء التي كان يعاني منها الاقتصاد العالمي نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، موضحاً أن ارتباط الصراع بملفات الطاقة والإمداد واللوجستيات والمضايق البحرية ينعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة العالمية ومعدلات النمو والتضخم.

وأضاف أن معدل نمو الاقتصاد العالمي تراجع إلى ما دون 3%، مسجلاً نحو 2.9%، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 4% و5%، فضلاً عن انخفاض القوة الشرائية وتراجع قيمة العملات داخل الاقتصادات الناشئة بصفة عامة، والاقتصادات الأوروبية بصفة خاصة.

وأوضح أن هذه التداعيات انعكست على الأوضاع المعيشية داخل الدول المتقدمة، مشيراً إلى ما تشهده ألمانيا وفرنسا وإيطاليا من تحركات شعبية ومطالبات بتحسين مستويات المعيشة، في ظل صعوبة الحصول على المنتجات وارتفاع التضخم وانخفاض القوة الشرائية.

وأشار إلى أن تأثيرات الأزمة قد تكون أكثر وضوحاً في الاقتصادات الناشئة التي تعتمد على الواردات من الدول الأخرى، خاصة الدول الأوروبية المصدرة إليها، لافتاً إلى أن ارتفاع تكاليف الإمداد والخدمات اللوجستية والشحن والتأمين ينعكس في النهاية على أسعار السلع والمنتجات التي تصل إلى المستهلكين.

ولفت الشوادفي إلى أن اتجاه البنك الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية الأوروبية نحو زيادة أسعار الفائدة يمثل عاملاً إضافياً يؤثر على سلوكيات المعيشة والقدرة الشرائية، مؤكداً أن هذه العوامل مجتمعة أثرت سلباً على الناتج العالمي ومعدلات التضخم والاقتصادات المتقدمة والناشئة.

الخليج وأوروبا في مقدمة المناطق المتأثرة بالأزمة

وحول أكثر التكتلات الاقتصادية تأثراً بتداعيات الأزمة، أوضح أستاذ الإدارة والاستثمار أن دول الخليج تأتي في مقدمة المناطق المتضررة، في ظل تراجع أو توقف جانب كبير من صادرات النفط، باعتبارها دولاً تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات الطاقة.

وأضاف أن هذه التطورات انعكست على الصناديق السيادية وصناديق الاستثمار وحركة الاستثمارات داخل المنطقة، كما أثارت مخاوف بشأن عدم إقامة مشروعات جديدة أو تراجع معدلات نمو المشروعات الجاري التخطيط لها، مشيراً إلى أن منطقة الخليج تمثل أحد مراكز النفوذ المالي المهمة على مستوى العالم.

وأوضح أن أوروبا تأتي ضمن المناطق الأكثر تأثراً، باعتبارها أحد مراكز الاستقرار الاقتصادي العالمي، إلى جانب استمرار تداعيات التوترات في روسيا وأوكرانيا ومناطق أخرى.

وأكد أن العالم أصبح أمام حالة من تداخل الأزمات، حيث تتواصل تداعيات الصراعات المختلفة وتؤثر في بعضها البعض، وهو ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بصورة عامة.

العولمة زادت ترابط الاقتصادات وجعلت الأزمات تنتقل بين الدول

وفيما يتعلق بأسباب تأثر الاقتصاد العالمي السريع بالتطورات الجيوسياسية، أوضح الشوادفي أن الأمر لا يرتبط بالضرورة بزيادة هشاشة النظام الاقتصادي العالمي، وإنما بطبيعة التحولات التي فرضتها العولمة، والتي أنهت إلى حد كبير سياسات الاكتفاء الذاتي والانكفاء والاعتماد الكامل على الموارد المحلية.

وأشار إلى أن الاقتصادات أصبحت مترابطة وتعتمد على بعضها البعض، وبالتالي فإن حدوث اضطراب في أحد أجزاء المنظومة الاقتصادية يؤدي إلى تأثر بقية الأجزاء.

وضرب مثالاً بالحرب الروسية الأوكرانية، التي انعكست على أسواق الطاقة والغذاء والقمح، موضحاً أن الأزمة الحالية وسعت نطاق التأثير ليشمل الطاقة والغذاء والمواد الخام والخدمات اللوجستية.

وأضاف أن منطقة الخليج تمثل مصدراً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية، بينما يمثل مضيق هرمز ممراً حيوياً لنحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إلى جانب أهمية مضيق باب المندب في حركة التجارة والملاحة الدولية.

وأوضح أن وصول إمدادات الطاقة إلى أوروبا أصبح يتطلب المرور عبر مسارات ملاحية أطول في ظل اضطراب الممرات البحرية، وهو ما يرفع تكاليف النقل ويزيد الأعباء على الاقتصاد العالمي.

اضطرابات الممرات البحرية تهدد الاستثمارات ومعدلات النمو

وأشار الشوادفي إلى أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على التجارة والطاقة، بل امتدت إلى حركة الاستثمارات، موضحاً أن رؤوس الأموال تبحث عن البيئات المستقرة، وأن تصاعد التوترات في مناطق كانت تمثل مراكز جذب استثماري، مثل شرق آسيا ودول الخليج والدول العربية، يؤثر على قرارات المستثمرين وإقامة المشروعات الجديدة.

وأضاف أن استمرار هذه الأوضاع ينعكس على معدلات النمو الاقتصادي، ويزيد مخاطر دخول الاقتصادات في مرحلة من الركود التضخمي، التي تتزامن فيها معدلات النمو الضعيفة أو المتراجعة مع ارتفاع الأسعار.

وأكد أن خطورة هذه المرحلة تكمن في تراجع الإنتاج بالتزامن مع زيادة التضخم، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة على سلوك المستهلكين وموازنات الدول، سواء فيما يتعلق بالإيرادات أو المصروفات، وينعكس في النهاية على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية.

وتوقع الشوادفي أن استمرار هذه التطورات قد يؤدي إلى ضغوط على عدد من الحكومات خلال عام 2027، داعياً الاتحاد الأوروبي والدول الكبرى إلى اتخاذ إجراءات لوقف التدهور الاقتصادي.

كما أشار إلى أن الاستخدام غير الرشيد للقوة في الصراعات الدولية أدى إلى دخول العالم في أزمات متتالية، محذراً من انعكاس استمرار ارتفاع الأسعار على الأوضاع الاجتماعية داخل أوروبا، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، وتوقع أن تشهد القارة تحركات شعبية خلال شهري ديسمبر ويناير المقبلين نتيجة الضغوط المعيشية.

استمرار اضطراب مضيق هرمز قد يمتد إلى الشتاء المقبل

وفيما يتعلق بتأثير استمرار تعطل الملاحة أو تهديد حركة السفن عبر مضيق هرمز على إمدادات النفط والغاز وأسعار الطاقة، طرح الشوادفي قراءة للسيناريوهات السياسية المحتملة، مشيراً إلى أن تقدير مستقبل المضيق يرتبط بطبيعة المفاوضات والمواقف السياسية للأطراف المتصارعة.

وقال إن تقديراته تشير إلى أن إيران قد لا تقدم تنازلات بشأن المطالب التي يطرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الأزمة وتفاقم تداعياتها.

وأضاف أن استمرار الوضع الحالي في مضيق هرمز خلال الشتاء المقبل، وحتى نهاية ديسمبر أو منتصف يناير أو فبراير، يظل أحد السيناريوهات المحتملة من وجهة نظره، ما لم تحدث تطورات كبيرة تؤدي إلى إنهاء الأزمة.

وأوضح أن إيران، وفقاً لتحليله، تتعامل مع عامل الوقت باعتباره أحد عناصر إدارة الصراع، مشيراً إلى أن استمرار الأزمة قد يضع ضغوطاً اقتصادية ومعيشية على الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكاليف المعيشة.

ولفت إلى أن استمرار اضطراب حركة الملاحة قد يؤدي إلى تراجع صادرات الطاقة من المنطقة، وزيادة الأسعار والإنفاق العام، فضلاً عن الضغط على موازنات الدول وميزان المدفوعات، وهو ما قد يدفع الناخبين الأوروبيين إلى المطالبة بتدخل حكوماتهم لإنهاء الأزمة.

وأكد أن استمرار الصراع قد يحقق لإيران مكاسب سياسية واستراتيجية وفقاً لتقديره، حتى مع تحملها خسائر اقتصادية، موضحاً أن حسابات الأطراف لا تقتصر على التكلفة الاقتصادية المباشرة، وإنما تشمل الأهداف السياسية والاستراتيجية المرتبطة بالصراع.

90 دولاراً للبرميل بداية الضغوط.. و120 دولاراً مستوى احتدام الأزمة

وفيما يتعلق بأسباب ارتفاع أسعار النفط، وما إذا كانت ترتبط فقط بمخاوف نقص الإمدادات أم تشمل علاوة المخاطر الجيوسياسية، أوضح الشوادفي أن هناك ثلاثة مستويات سعرية رئيسية يرى أنها تمثل نقاط تحول في تأثير أسعار البترول على الاقتصاد العالمي.

وقال إن وصول سعر برميل النفط إلى 90 دولاراً يبدأ معه العالم الدخول في أزمة، بينما يؤدي تجاوزه مستوى 120 دولاراً إلى الدخول في مرحلة احتدام، أما وصوله إلى 150 دولاراً فيعني، وفقاً لتحليله، دخول العالم في مرحلة من الصراع الاقتصادي الكبير والعنيف.

وأضاف أن تقديره يشير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يحاول إدارة الأزمة عند مستويات تتراوح بين 120 و121 دولاراً للبرميل، باعتبارها مستوى شديد الحساسية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي والاقتصادات الأوروبية.

وأوضح أنه إذا وصل النفط إلى مستوى 120 دولاراً دون حدوث تجاوب من الجانب الإيراني، فقد يتجه ترامب إلى التراجع ومحاولة الوصول إلى حل للأزمة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا لن تتمكنا من تحمل تكاليف المعيشة إذا تجاوزت أسعار النفط هذه المستويات لفترة ممتدة.

وأكد الشوادفي أن وصول أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 135 و140 دولاراً للبرميل قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية شديدة الصعوبة، معتبراً أن استمرار الأسعار عند هذه المستويات يمثل خطراً على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن الفترة التالية ليوم 4 نوفمبر قد تشهد، بحسب تقديره، مزيداً من التهديدات والتحركات السياسية والعسكرية، في محاولة للتأثير على مسار الأزمة وأسعار النفط.

واستشهد بما حدث عندما وصل سعر برميل النفط إلى نحو 118 دولاراً في نهاية مارس الماضي، قبل أن يتراجع عقب صدور تهديدات وتحركات سياسية، معتبراً أن الأسواق تظل شديدة التأثر بالتصريحات والتطورات المرتبطة بالصراع.

واختتم الشوادفي حديثه بالإشارة إلى أن الأسبوع التالي سيشهد ترقباً لردود الفعل والتطورات المرتبطة بالأزمة، مؤكداً أن مضيق هرمز سيظل نقطة محورية في المشهد، في ظل صعوبة فتحه بسهولة من جانب الولايات المتحدة، وكذلك صعوبة إغلاقه بصورة كاملة من جانب إيران، بما يجعل مستقبل الملاحة فيه أحد أهم محددات مسار الأزمة الاقتصادية العالمية.