أستاذ إدارة أعمال: مصر قادرة على تحويل اضطرابات التجارة العالمية إلى فرص لجذب الاستثمارات الإنتاجية


الجريدة العقارية السبت 31 أكتوبر 2026 | 04:44 مساءً
التجارة العالمية
التجارة العالمية
محمد فهمي

حذر الدكتور أيمن غنيم، أستاذ إدارة الأعمال، من التداعيات الاقتصادية لاستمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مؤكداً أن التصعيد العسكري واضطراب الملاحة في مضيق هرمز يضعان الاقتصاد العالمي أمام تحديات كبيرة، في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، بما يهدد بعودة موجة تضخمية عالمية قد تمتد آثارها إلى قطاعات الصناعة والزراعة والنقل والغذاء.

وقال غنيم، خلال لقائه مع قناة «إكسترا نيوز»، إن الحرب الحالية في الشرق الأوسط، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية، أثبتتا أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، وأن البترول والغاز الطبيعي من السلع التي تتحدد أسعارها بدرجة كبيرة وفقاً للأوضاع السياسية والتطورات الجيوسياسية، قبل أن تنعكس تحركاتها بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي.

ارتفاع أسعار النفط والغاز يضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة وقود جديدة

وأوضح أن العالم يشهد حالياً أزمة وقود تكاد تشبه الأزمة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، مشيراً إلى أن خام برنت، الذي يمثل المؤشر الرئيسي لقياس أسعار النفط عالمياً، ارتفع من نحو 72 دولاراً للبرميل في 28 فبراير 2026، قبل بداية الحرب، إلى نحو 115 دولاراً للبرميل خلال ذروة التصعيد في مارس.

وأضاف أن أسعار النفط تراجعت لاحقاً إلى نحو 72 دولاراً للبرميل في النصف الثاني من يونيو 2026، عقب توقيع مذكرة تفاهم مبدئية، إلا أن تعثر المفاوضات أدى إلى عودة الارتفاعات مجدداً، ليصل سعر البرميل إلى نحو 111 دولاراً.

وأشار إلى أن مؤشر أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا شهد بدوره ارتفاعاً كبيراً، حيث صعد من نحو 29 يورو للميجاوات/ساعة في بداية يناير 2026 إلى ما يتراوح بين 103 و104 يورو، بما يزيد على ثلاثة أضعاف مستوياته السابقة.

ولفت إلى أن اقتراب فصل الشتاء في أوروبا يزيد من أهمية هذه التطورات، نظراً لارتفاع معدلات استهلاك الطاقة خلال هذه الفترة، وهو ما يضع الاقتصادات الأوروبية أمام تحديات إضافية، خاصة في ظل اعتماد قطاعاتها الصناعية على إمدادات الطاقة.

البنك الدولي يحذر من ارتفاع النفط إلى 116 دولاراً

وأكد غنيم أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، مشيراً إلى تحذيرات مؤسسات مالية دولية وبيوت خبرة، من بينها جولدمان ساكس والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بشأن التداعيات المحتملة لاستمرار اضطرابات أسواق الطاقة.

وأوضح أن البنك الدولي أشار إلى إمكانية وصول متوسط سعر برميل النفط إلى نحو 116 دولاراً في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، محذراً من احتمالات حدوث موجة تضخمية عالمية نتيجة ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج.

وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط تتحكم في نحو ربع إلى ثلث إمدادات الطاقة العالمية، سواء من النفط أو الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يجعل أي اضطراب في الممرات الملاحية أو إمدادات الطاقة بالمنطقة ذا تأثير واسع على الأسواق الدولية.

علاوة المخاطر ترفع أسعار النفط وتزيد تكلفة التجارة الدولية

وفيما يتعلق بتأثير استمرار إغلاق مضيق هرمز واحتمالات تأثر مضيق باب المندب، أوضح أستاذ إدارة الأعمال أن أسعار النفط لا تتأثر فقط بحجم المعروض الفعلي، وإنما تتضمن ما يعرف اقتصادياً بـ«علاوة المخاطر»، وهي الزيادة التي تضيفها الأسواق إلى سعر البرميل تحسباً لاحتمالات توقف الإمدادات أو تعطل سلاسل الشحن أو ارتفاع مستويات المخاطر المرتبطة بحركة التجارة.

وأشار إلى أن هذه التطورات لا تقتصر آثارها على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى تكاليف النقل والتأمين والشحن، وتؤثر في حركة التجارة الدولية وأسعار السلع والمنتجات في مختلف الأسواق.

ارتفاع أسعار السلع والأسمدة يهدد الأمن الغذائي العالمي

وحذر غنيم من أن استمرار الحرب حتى نهاية العام قد يؤدي إلى ارتفاع متوسط أسعار السلع عالمياً بنحو 16%، وفقاً لتقديرات أشار إليها البنك الدولي، إلى جانب احتمالات زيادة أسعار الأسمدة بأكثر من 30%، نتيجة الارتباط الوثيق بين إنتاج الأسمدة والغاز الطبيعي باعتباره أحد أهم مدخلات الإنتاج.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الأسمدة، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي والغذائي، مؤكداً أن الطاقة والغذاء يرتبطان ببعضهما بصورة وثيقة.

وأضاف أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى احتمالات دخول أكثر من 45 مليون شخص حول العالم إلى دائرة الجوع نتيجة هذه التطورات، في حال استمرار تداعيات الأزمة.

خطر الركود التضخمي يفرض تحديات جديدة أمام البنوك المركزية

وشرح غنيم الفرق بين نوعين من التضخم، موضحاً أن النوع الأول يرتبط بزيادة الدخول وارتفاع الطلب على السلع والخدمات، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع، لكنه في الوقت نفسه يشجع المنتجين على زيادة الإنتاج للاستفادة من ارتفاع الطلب والعوائد.

وأشار إلى أن هذا النوع من التضخم يمكن للبنوك المركزية التعامل معه من خلال رفع أسعار الفائدة بمعدلات محدودة، بما يؤدي إلى زيادة تكلفة الاقتراض الاستهلاكي، وتشجيع الأفراد على الادخار وتقليل الاستهلاك، ومن ثم خفض الطلب واحتواء الضغوط السعرية.

أما النوع الثاني، الذي وصفه بأنه الأكثر خطورة، فيرتبط بارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، وهو ما يدفع المنتجين إلى زيادة أسعار منتجاتهم دون حدوث زيادة مماثلة في دخول المستهلكين، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وانخفاض حجم المبيعات.

وأكد أن هذا النوع من التضخم قد يقود إلى الركود التضخمي، وهو السيناريو الذي يخشاه الاقتصاد العالمي، خاصة إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة.

وأوضح أن البنوك المركزية قد تضطر في هذه الحالة إلى رفع أسعار الفائدة بمعدلات كبيرة للحد من الطلب، رغم أن الطلب يكون قد تراجع بالفعل نتيجة ارتفاع الأسعار، وهو ما يزيد من صعوبة تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم والحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي.

تجربة الحرب الروسية الأوكرانية تكشف حجم المخاطر

واستشهد غنيم بتجربة الحرب الروسية الأوكرانية، موضحاً أن معدل التضخم في الولايات المتحدة وصل إلى 9.1% في يونيو 2022، وهو أعلى مستوى خلال نحو 40 عاماً، بينما بلغ التضخم في الاتحاد الأوروبي 10.6% في أكتوبر من العام نفسه، مقارنة بمستهدف يبلغ 2%.

وأضاف أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة بنحو 5.5%، بينما رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة بإجمالي يقارب 4.25%، في إطار مواجهة موجة التضخم التي أعقبت ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.

وأشار إلى أن البنوك المركزية لم تتمكن بعد ذلك من خفض أسعار الفائدة بالمعدلات نفسها التي رفعتها بها، نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها أزمة الدين السيادي العالمي، الذي اقترب من 120 تريليون دولار.

وأوضح أن الولايات المتحدة تتحمل أكثر من 40 تريليون دولار من هذا الدين، بينما يبلغ الدين في الاتحاد الأوروبي نحو 16 تريليون دولار، والصين أكثر من 15 تريليون دولار، بما يجعل هذه الاقتصادات الثلاثة تستحوذ على نسبة كبيرة من إجمالي الدين السيادي العالمي.

ولفت إلى أن ارتفاع مستويات الدين يحد من قدرة البنوك المركزية على التوسع في التيسير النقدي، حتى مع تراجع معدلات التضخم، بسبب تأثير أعباء الدين على السيولة والأسواق المالية.

التضخم في أمريكا وأوروبا يرتفع مجدداً وسط مخاوف من استمرار الحرب

وأشار أستاذ إدارة الأعمال إلى أن دورة التيسير النقدي انتهت في ديسمبر 2025، مع تحركات جديدة لأسعار الفائدة من جانب البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، موضحاً أن التضخم في الولايات المتحدة ارتفع من نحو 2% في يناير 2026 إلى 3.7% في سبتمبر، بينما ارتفع في الاتحاد الأوروبي من 1.7% إلى 3.8% خلال الفترة نفسها.

وأكد أن هذه المعدلات لا تزال أقل من المستويات القياسية التي سجلتها الاقتصادات الغربية خلال الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية مجدداً.

وأوضح أن قرارات أسعار الفائدة لا ترتبط فقط بمعدلات التضخم الحالية، وإنما تعتمد أيضاً على توقعات التضخم المستقبلية، وهو ما يدفع البنوك المركزية إلى اتخاذ إجراءات استباقية لمنع انتقال الصدمات الخارجية إلى اقتصاداتها.

رفع الفائدة في مصر إجراء استباقي لمواجهة التضخم المستورد

وفيما يتعلق بالاقتصاد المصري، أوضح غنيم أن قرار البنك المركزي المصري، بقيادة المحافظ حسن عبد الله، برفع أسعار الفائدة بنسبة 1% يأتي في إطار التحرك الاستباقي لمواجهة احتمالات انتقال موجة التضخم العالمية إلى السوق المحلية.

وأشار إلى أن معدلات التضخم في مصر تراجعت من نحو 39% في سبتمبر 2023 إلى 14.5% في أغسطس الماضي، ثم إلى 13.9% في سبتمبر، وهو ما قد يجعل الاتجاه التقليدي في الظروف العادية يميل إلى خفض أسعار الفائدة، إلا أن توقعات ارتفاع التضخم العالمي تفرض ضرورة التعامل مع المخاطر المحتملة قبل انتقالها إلى الاقتصاد المحلي.

وأكد أن الهدف من هذه الإجراءات هو الحد من الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب دعم الثقة في العملة المحلية والحد من احتمالات خروج الاستثمارات قصيرة الأجل بصورة تؤثر على سوق النقد الأجنبي.

غنيم: إدارة النقد الأجنبي في مصر شهدت تطوراً كبيراً

وفيما يتعلق بخروج الأموال الساخنة واحتمالات زيادة الطلب على الدولار والذهب، قال غنيم إن ملف إدارة النقد الأجنبي في مصر شهد تطورات إيجابية خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى إشادات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات التصنيف الائتماني بالسياسات الاقتصادية والنقدية المصرية.

وأوضح أن وكالة موديز رفعت التصنيف الائتماني لمصر من Caa1 إلى B3 مع نظرة مستقبلية إيجابية، وهو ما يعني وجود إمكانية لتحسن التصنيف خلال الفترة المقبلة، بينما منحت فيتش وستاندرد آند بورز مصر تصنيف B مع نظرة مستقبلية مستقرة.

وأشار إلى أن السياسة النقدية المصرية تعتمد على مرونة سعر الصرف، وترك تحديد قيمة العملة لقوى العرض والطلب، وهو ما ظهر خلال أزمة خروج بعض استثمارات المحافظ المالية في مارس، عندما شهدت الأسواق خروجاً للأموال الساخنة المستثمرة في أذون وسندات الخزانة.

وأوضح أن البنك المركزي كان يتدخل في فترات سابقة لضمان خروج هذه الأموال بالسعر نفسه الذي دخلت به، وهو ما كان يضع ضغوطاً على الاحتياطي النقدي، وقد يؤدي إلى تراجع الاحتياطيات وارتفاع سعر الدولار بصورة غير مبررة وظهور السوق الموازية.

وأضاف أن التعامل مع الأزمة الأخيرة اختلف، حيث جرى السماح بخروج المستثمرين وفقاً لسعر الصرف الذي تحدده قوى العرض والطلب في السوق، بدلاً من تحميل الاحتياطي النقدي أعباء دعم خروج الاستثمارات.

وأكد أن هذا النهج كان من العوامل التي ساهمت في زيادة الاحتياطيات الدولية إلى أكثر من 57 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي إلى نحو 31 مليار دولار، منها نحو 18 مليار دولار لدى البنك المركزي ونحو 12 مليار دولار لدى البنوك التجارية، وفقاً للأرقام التي أشار إليها خلال اللقاء.

وشدد على أن هذه المؤشرات تعزز الثقة في الاقتصاد المصري، وتدعم قدرة المستثمرين الحاليين على الاستمرار، كما تشجع المستثمرين الذين خرجوا في فترات سابقة على دراسة العودة إلى السوق المصرية.

الاقتصاد المصري يستهدف نمواً 5.1% خلال 2026

وفي تقييمه لتأثير الأزمة العالمية على معدلات النمو، قال غنيم إن الاقتصاد المصري يمتلك فرصاً للحفاظ على معدلات نمو جيدة، مشيراً إلى أن توقعات النمو لمصر خلال عام 2026 تبلغ نحو 5.1%، مقارنة بمعدل نمو عالمي متوقع يبلغ 3.1%.

وأوضح أن الاقتصادات النامية تستطيع في كثير من الأحيان تحقيق معدلات نمو أعلى من المتوسط العالمي، نظراً لوجود فرص أكبر للتوسع في الإنتاج والاستثمار والأسواق، مقارنة بالاقتصادات الكبيرة التي وصلت قطاعات عديدة فيها إلى مستويات مرتفعة من التشبع.

وأضاف أن مصر عملت خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية على تطوير البنية التحتية وتيسير الاستثمار وتحسين البنية التشريعية، بما يساعد على الاستفادة من المميزات التنافسية للاقتصاد المصري.

وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يدخل المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي، بعد أن ركزت المرحلة الأولى على تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وخفض معدلات التضخم وتقليص عجز الموازنة العامة للدولة، وهي الإجراءات التي حظيت بإشادات من مؤسسات التمويل الدولية.

وأوضح أن المرحلة الثانية تستهدف تحقيق نقلة نوعية في هيكل الاقتصاد المصري، من خلال التحول من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الأنشطة الريعية إلى اقتصاد إنتاجي وخدمي، يقوم على التصنيع والتصدير والخدمات اللوجستية، مع تعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النشاط الاقتصادي.

أوروبا تواجه تباطؤ النمو مع استمرار اضطرابات الطاقة

وتطرق الحوار إلى أداء الاقتصادات الأوروبية، في ظل بيانات يوروستات التي أظهرت تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي في دول منطقة اليورو إلى 0.4% خلال الربع الثالث من العام الجاري، مع تباين أداء الاقتصادات الكبرى، حيث سجلت ألمانيا وإسبانيا نمواً، بينما استقر الاقتصاد الإيطالي دون نمو، وانكمش الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.1%.

وأكد غنيم أن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج يمثلان تحدياً أمام الاقتصادات الأوروبية، خاصة مع اعتماد قطاعاتها الصناعية على إمدادات الطاقة، وتزايد المخاوف بشأن استمرار ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وأشار إلى أن استمرار الأزمة قد يحد من قدرة هذه الاقتصادات على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، ويزيد من صعوبة قرارات البنوك المركزية بشأن خفض أسعار الفائدة وتحفيز النشاط الاقتصادي.

المصالح الاقتصادية للصين تدفعها للبحث عن خفض تكاليف الإنتاج

وفيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية للقوى الدولية في استمرار الحرب أو إنهائها، أوضح غنيم أن الصين من أكثر الاقتصادات تأثراً بارتفاع أسعار النفط، باعتبارها مستورداً صافياً للطاقة، وهو ما يجعلها معنية بانخفاض أسعار البترول وتقليل تكاليف الإنتاج.

وأشار إلى أن الصين تعد أكبر اقتصاد تصديري في العالم، وأن فائضها التجاري يقترب من تريليون دولار، في حين يصل العجز التجاري الأمريكي إلى مستويات كبيرة، ويتركز جزء مهم منه في التعاملات التجارية مع الصين.

وأوضح أن الصادرات الصينية ارتفعت من نحو 3.5 تريليون دولار في 2024 إلى 3.77 تريليون دولار في 2025، بينما ارتفعت الصادرات الأمريكية من نحو 3 تريليونات دولار إلى 3.1 تريليون دولار خلال الفترة نفسها.

وأضاف أن الصين تسعى إلى نقل جزء من طاقاتها الإنتاجية إلى خارج حدودها لتفادي الرسوم الجمركية الأمريكية والاستفادة من المميزات التنافسية المتاحة في الدول الأخرى، مشيراً إلى أن مصر مرشحة لاستقبال جانب من هذه الطاقات الإنتاجية.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس فرصة لجذب الاستثمارات الصينية

وأكد غنيم أن منطقة تيدا بالعين السخنة والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثلان نموذجاً للتعاون مع الاستثمارات الصينية، مشيراً إلى أن افتتاح المرحلة الثالثة من المنطقة في سبتمبر الماضي كان مؤشراً على فرص التوسع في جذب الاستثمارات الصناعية الصينية إلى مصر.

وأوضح أن مصر تمتلك مجموعة من المميزات التي يمكن أن تجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي، والاستقرار، والبنية التحتية، والاتفاقيات الدولية، والعلاقات الاستراتيجية مع القوى الاقتصادية الكبرى.

وأشار إلى أهمية علاقات مصر مع الاتحاد الأوروبي، سواء على مستوى الاتحاد أو الدول الأعضاء، إلى جانب عضويتها في مجموعة بريكس وعلاقاتها مع الاقتصادات الغربية.

وأضاف أن الاستقرار السياسي والأمني والموقع الاستراتيجي يمثلان من العوامل التي يضعها المستثمر الأجنبي في حساباته عند اتخاذ قرار الاستثمار، إلى جانب توافر البنية الأساسية والقدرة على النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

مصر تستطيع تحويل اضطرابات التجارة العالمية إلى فرصة استثمارية

وأكد أستاذ إدارة الأعمال أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري واضطراب الممرات التجارية قد يمثلان فرصة أمام الدول التي تتمتع بموقع جغرافي متوسط مثل مصر، إذا نجحت في استغلال المميزات التنافسية التي تمتلكها.

وأوضح أن المنتجات القادمة من جنوب شرق آسيا تتحمل تكاليف نقل ومخاطر إضافية، نتيجة مرورها عبر المحيط الهندي وبحر العرب ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، ثم قناة السويس، وصولاً إلى الموانئ والأسواق في جنوب أوروبا وأمريكا الشمالية.

وأشار إلى أن هذه التكاليف والمخاطر تدخل ضمن حسابات المستثمرين والشركات عند اختيار مواقع الإنتاج والتصدير، وهو ما يمنح مصر فرصة لتعزيز قدرتها التنافسية باعتبارها مركزاً للإنتاج والتصدير إلى الأسواق القريبة.

وأضاف أن انخفاض قيمة الجنيه المصري، رغم ما يترتب عليه من ارتفاع تكلفة الواردات، يمكن أن يمثل ميزة تنافسية للإنتاج المحلي إذا جرى استغلاله بصورة صحيحة، نظراً لأنه يجعل بعض عناصر الإنتاج، مثل العمالة والأراضي والمواد الخام، أقل تكلفة بالنسبة للمستثمر الأجنبي.

وشدد على أن الاستفادة من هذه الميزة تتطلب العمل على زيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة وتعزيز القدرات التصديرية، بدلاً من الاعتماد على انخفاض العملة وحده باعتباره عاملاً كافياً لجذب الاستثمار.

إنهاء الحرب يعيد أسعار النفط إلى مستويات ما قبل التصعيد

وحول إمكانية تحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية، قال غنيم إن التجربة السابقة أظهرت أن الأسواق تستجيب بصورة إيجابية للمبادرات السياسية والحلول السلمية، مستشهداً بتراجع أسعار النفط من نحو 115 دولاراً للبرميل خلال ذروة التصعيد في مارس إلى نحو 72 دولاراً في النصف الثاني من يونيو، بعد توقيع مذكرة تفاهم مبدئية.

وأوضح أن هذا التراجع يؤكد أهمية الحل السياسي في خفض علاوة المخاطر، واستعادة الثقة في الأسواق، وتحسين حركة الإمدادات وسلاسل الشحن والتجارة الدولية.

وأكد أن إنهاء الحرب من خلال حل سلمي دائم من شأنه تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة، وإتاحة الفرصة أمام الاقتصادات العالمية لاستعادة قدر أكبر من الاستقرار، مشدداً على أن الإجابة الاقتصادية عن الأزمة الحالية أصبحت مرتبطة بصورة أساسية بالحل السياسي.

قطاعات متضررة وأخرى مستفيدة من استمرار الحرب

وفيما يتعلق بانتقال صدمة أسعار الطاقة إلى القطاعات الاقتصادية المختلفة، أوضح غنيم أن التأثيرات التضخمية لم تصل حتى الآن إلى مستويات كبيرة مقارنة بالتوقعات السابقة، إلا أن استمرار الحرب أو تصعيدها وارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة قد يقلص قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب التكاليف الإضافية.

وأشار إلى أن القطاعات الأكثر تعرضاً للضرر تشمل النقل والتأمين والصناعات التحويلية والصناعات الغذائية والزراعة، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والأسمدة ومدخلات الإنتاج.

وفي المقابل، لفت إلى وجود قطاعات قد تستفيد من استمرار التوترات، من بينها شركات البترول، والشركات العاملة في التكنولوجيا المرتبطة بالصناعات الدفاعية، إلى جانب قطاع الذكاء الاصطناعي الذي يشهد نمواً باعتباره أحد القطاعات الرئيسية المرتبطة بصناعات المستقبل.

الطاقة المتجددة والاكتشافات الجديدة بدائل لمواجهة أزمة الإمدادات

وأكد غنيم أن التعامل مع أزمة الطاقة يتطلب التحرك عبر أكثر من محور، يبدأ بمحاولة استيعاب الزيادات الحالية في الأسعار، ويشمل زيادة الاستكشافات والبحث عن اكتشافات جديدة للبترول والغاز الطبيعي، إلى جانب التوسع في مصادر الطاقة المتجددة على المديين المتوسط والطويل.

وأشار إلى أن مصر اتخذت خطوات لدعم قطاع البترول والغاز، من بينها تسوية مستحقات الشركاء الأجانب التي بلغت نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024، حتى وصلت إلى صفر وفقاً لما ذكره خلال اللقاء، إلى جانب زيادة جهود الاستكشاف والحفر والتنقيب.

وأوضح أن التوسع في الطاقة المتجددة أصبح ضرورة استراتيجية لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، مشيراً إلى أن ألمانيا تستهدف أن تتجاوز مساهمة الطاقة المتجددة 80% من إنتاج الكهرباء قبل عام 2030، وهولندا تستهدف 70%، بينما تستهدف إسبانيا والبرتغال نحو 80%، والدنمارك الوصول إلى 100%.

وأضاف أن مصر تستهدف بدورها أن تتجاوز نسبة الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة 50% قبل عام 2030.

تثبيت أسعار المحروقات يعكس محاولة الحد من الأعباء على المواطنين

وفيما يتعلق بقرار تثبيت أسعار المحروقات في مصر، أوضح غنيم أن الدولة تحاول تقليل الأعباء التضخمية المستوردة على المواطنين، خاصة في ظل الارتفاعات التي تشهدها أسواق الوقود العالمية، إلا أن ذلك يجب أن يتم بالتوازي مع الحفاظ على الانضباط المالي العام.

وأشار إلى أن الدولة المصرية تستهدف خفض عجز الموازنة العامة من 13.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013 إلى نحو 4.9% في العام المالي 2026/2027، مع تحقيق فائض أولي مستهدف يبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأوضح أن الفائض الأولي يعني تجاوز الإيرادات للمصروفات دون احتساب فوائد الدين، وهو مؤشر على قدرة الموازنة على تحقيق توازن مالي أفضل.

وأضاف أن مخصصات الحماية الاجتماعية ارتفعت إلى نحو 832 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2026/2027، بزيادة 12% مقارنة بالموازنة السابقة، مؤكداً أن الدولة تحاول تحقيق التوازن بين زيادة الإنفاق الاجتماعي والحفاظ على الاستدامة المالية.

وشدد على أن زيادة الإيرادات العامة، وتحسين معدلات الإنتاج والناتج المحلي، وتعزيز كفاءة تحصيل الضرائب، وترشيد الإنفاق، تمثل عناصر مهمة لتوفير الموارد اللازمة للحماية الاجتماعية.

وأوضح أن ترشيد الدعم لا يعني بالضرورة تقليصه، وإنما ضمان وصوله إلى المستحقين الحقيقيين، بما يحقق أكبر عائد اجتماعي ممكن من الموارد المتاحة ويحد من الهدر.

غنيم: مشروعات البنية التحتية كانت ضرورة وليست رفاهية

وفي دفاعه عن أهمية مشروعات البنية التحتية والمشروعات القومية، قال غنيم إن برنامج المشروعات القومية الذي بدأ منذ عام 2014 لم يكن رفاهية، وإنما كان ضرورة لمواجهة التحديات المتراكمة في البنية الأساسية والزيادة السكانية والاختناقات المرورية.

واستشهد بدراسة لمجموعة البنك الدولي حول تكلفة الازدحام المروري في القاهرة الكبرى عام 2010، موضحاً أنها قدرت تكلفة الازدحام بنحو 8 مليارات دولار سنوياً، وكانت مرشحة للارتفاع إلى 18 مليار دولار في عام 2030.

وأشار إلى أن الدراسة شملت القاهرة وحلوان والجيزة والقليوبية ومدينة 6 أكتوبر، بما يعكس حجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن ضعف كفاءة شبكة الطرق والنقل والازدحام.

وأضاف أن عدد السكان في مصر ارتفع من نحو 78 مليون نسمة عام 2010 إلى نحو 109 ملايين نسمة، وفق الأرقام التي ذكرها خلال اللقاء، إلى جانب الزيادة في أعداد المقيمين واللاجئين، وهو ما يعكس حجم الضغط المتزايد على البنية التحتية والخدمات.

وأكد أن هذه الزيادة السكانية تعادل إضافة كتلة سكانية كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، مشدداً على أن تنفيذ مشروعات الطرق والمرافق والبنية الأساسية كان ضرورياً حتى تتمكن الدولة من استيعاب هذه الزيادة ومواصلة النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

وأوضح أن أهمية هذه المشروعات لا تقتصر على تحسين الخدمات، وإنما تمتد إلى تهيئة البيئة اللازمة للتحول نحو اقتصاد إنتاجي وخدمي وتصديري، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

أزمة الديون العالمية تحد من قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة

وفيما يتعلق بمستقبل أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا، قال غنيم إن البنوك المركزية لم تستطع خلال دورة التيسير النقدي الأخيرة خفض أسعار الفائدة بالمعدلات نفسها التي رفعتها بها خلال موجة التضخم السابقة.

وأوضح أن أزمة الدين السيادي العالمي، الذي يقترب من 120 تريليون دولار، تمثل أحد أهم العوامل التي تحد من قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة وتحفيز النشاط الاقتصادي.

وأشار إلى أن الدين السيادي الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار، بينما يتجاوز الدين الصيني 15 تريليون دولار، ويبلغ الدين في الاتحاد الأوروبي أكثر من 16 تريليون دولار، لتصل ديون هذه الاقتصادات الثلاثة إلى نحو 71 تريليون دولار، بما يعادل قرابة 63% من إجمالي الدين السيادي العالمي.

وأضاف أن ارتفاع حجم الديون يؤدي إلى استحواذ جزء كبير من الموارد المالية على تمويل الالتزامات السيادية، وهو ما يحد من قدرة السياسات النقدية على تحقيق التأثير المطلوب حتى في حالة خفض أسعار الفائدة.

وشدد على أن أحد الحلول المطروحة لدعم النمو الاقتصادي العالمي يتمثل في توفير فرص تمويل أكبر للدول النامية، باعتبارها تمتلك أسواقاً واعدة ومستويات تشبع أقل في العديد من المنتجات والخدمات.

وأوضح أن توفير التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية في هذه الدول يمكن أن يخلق طلباً جديداً على السلع والخدمات، ويدعم الإنتاج والاستثمار والتجارة الدولية، بما يساهم في تحريك الاقتصاد العالمي.