كشف بيتر غريشين، نائب رئيس مجلس إدارة بنك التنمية الأوراسي، عن تنامي الاستثمارات والتبادل التجاري بين دول الخليج وآسيا الوسطى، مشيرًا إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التراكمية القادمة من دول الخليج إلى المنطقة تقترب حاليًا من 30 مليار دولار، مقارنة بنحو 20 مليار دولار في عام 2020، فيما اقترب حجم التجارة بين الجانبين من 4 مليارات دولار خلال عام 2025، مقابل أقل من مليار دولار في عام 2020.
وأوضح غريشين، خلال مقابلة خاصة مع «CNN الاقتصادية»، أن دول آسيا الوسطى الخمس، وهي كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 650 مليار دولار، بعدما كان أقل من 50 مليار دولار في عام 2000، لافتًا إلى أن هذه الأرقام تعكس النمو السريع الذي تشهده اقتصادات المنطقة.
وأضاف أن الإمارات تتصدر قائمة المستثمرين الخليجيين في آسيا الوسطى، باستثمارات تبلغ نحو 20 مليار دولار من إجمالي الاستثمارات الخليجية المقدرة بنحو 30 مليار دولار، موضحًا أن هذا التقدم يرجع إلى وجود علاقات استثمارية قديمة نسبيًا، من بينها العلاقة بين شركة «أدنوك» وتركمانستان من خلال مشروع «دراغون أويل»، الذي يمثل الجزء الأكبر من الاستثمارات الإماراتية في المنطقة.
وأشار إلى أن الانفتاح الذي تتمتع به الإمارات، وخاصة دبي وأبوظبي في قطاع الطاقة، أسهم في دخولها المبكر إلى أسواق آسيا الوسطى وتنفيذ مشروعات بها، مؤكدًا أن ذلك لا يعني أنها الدولة الوحيدة النشطة في المنطقة.
وفي هذا السياق، تحدث غريشين عن التحركات الاستثمارية لسلطنة عُمان، مشيرًا إلى زيارة رسمية عُمانية إلى كازاخستان شهدت توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة، من بينها اتفاق مع بنك التنمية الأوراسي ينظم شروط وجود البنك في السلطنة ويسمح بافتتاح مكتب متكامل هناك، كما يعزز عضوية عُمان في البنك لتصبح المساهم الثامن فيه.
مشروعات النقل تفتح فرصًا جديدة أمام المستثمرين الخليجيين
وتطرق نائب رئيس مجلس إدارة بنك التنمية الأوراسي إلى مشروعات النقل في المنطقة، موضحًا أن الفرص المتاحة أمام دول الخليج تختلف وفقًا لطبيعة النشاط، سواء تعلق الأمر بالتجارة المباشرة أو بالاستثمار في مشروعات تتيح الوصول إلى أسواق ومناطق أخرى.
وضرب مثالًا بمشروع شركة «موانئ دبي العالمية» في طشقند، عاصمة أوزبكستان، موضحًا أنه يتضمن إنشاء ميناء جاف أو محطة للحاويات بطاقة استيعابية تبلغ 150 ألف حاوية نمطية سنويًا، وهو ما يمثل مشروعًا كبيرًا وفقًا للمقاييس الأوزبكية.
وأضاف أن المشروع سيخدم خلال المستقبل المنظور حركة التجارة الممتدة من الشرق إلى الغرب، من الصين إلى أوروبا، كما يتيح خيارات مستقبلية متعددة إذا تحسنت الأوضاع في الدول الواقعة بين الخليج وآسيا الوسطى، مثل إيران وأفغانستان وباكستان.
وأشار إلى وجود عدد من المشروعات المقترحة في هذا المجال، موضحًا أن خط السكك الحديدية عبر إيران يعمل بالفعل، لكنه يواجه تحديات أمنية واضحة، إلى جانب مشروعين آخرين يمران عبر باكستان وصولًا إلى الموانئ الباكستانية، وقد تكون هذه المشروعات مهمة لدبي وسلطنة عُمان أيضًا.
وأكد غريشين أن هذه الفرص لا تزال أبعد نسبيًا من حيث التحقق، موضحًا أن المستثمرين الخليجيين يستطيعون في الوقت الحالي الاستثمار في مشروعات مجدية اقتصاديًا وقادرة على تحقيق الأرباح، حتى لو لم تؤدِّ بالضرورة إلى زيادة التجارة المباشرة مع الخليج، على أن يأتي التوسع في التبادل التجاري المباشر بين المنطقتين في مرحلة لاحقة.
أكثر من 150 مليار دولار احتياجات الاستثمار في قطاع الكهرباء
وفيما يتعلق بالطاقة المتجددة، أكد غريشين أن هذا القطاع يمثل أحد أبرز مجالات الاستثمار في آسيا الوسطى، في ظل النمو الاقتصادي السريع الذي تشهده المنطقة والزيادة المتوقعة في الطلب على الكهرباء.
وأوضح أن تقديرات البنك تشير إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء بنسبة 30% خلال السنوات الخمس المقبلة، مع الحاجة إلى إضافة قدرات جديدة لتوليد الكهرباء تتجاوز 60 غيغاواط.
وأضاف أن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية للكهرباء في المنطقة أُنشئ خلال الحقبة الاشتراكية، وهو ما يجعلها بحاجة إلى إعادة تأهيل وتحديث شاملين، بسبب ارتفاع الفاقد في الشبكات، وعدم كفاية استقرار الإمدادات، وضعف الربط الكهربائي بين دول المنطقة.
وأشار إلى أن الاحتياجات الاستثمارية في قطاع الكهرباء وحده تتجاوز 150 مليار دولار، لافتًا إلى أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب تقنيات تخزين الكهرباء باستخدام البطاريات، تأتي في مقدمة الفرص الاستثمارية المتاحة.
وتحدث غريشين عن اهتمام عدد من الشركات الخليجية بالاستثمار في هذا القطاع، من بينها «طاقة» و«أكوا باور» و«أيميا باور»، إلى جانب شركات أخرى، موضحًا أن هذا الاهتمام يرتبط بمعدلات النمو الاقتصادي التي تتراوح بين 6% و7% سنويًا في دول المنطقة، فضلًا عن طبيعتها السكانية الشابة، حيث يقل العمر الوسيط عن 30 عامًا.
وأوضح أن هذه التركيبة السكانية تمثل ميزة لاقتصادات آسيا الوسطى، لأن الشباب يزيدون الطلب على السلع والخدمات التي تحتاج إلى الكهرباء، بما في ذلك السفر والهواتف الحديثة والتقنيات المختلفة، وهو ما يعزز الحاجة إلى زيادة إنتاج الطاقة خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن المنطقة مرشحة لاستقطاب استثمارات كبيرة خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة، وربما العشرين المقبلة، مشيرًا إلى أن الأطر التنظيمية أصبحت أكثر بساطة في دول المنطقة، وأن البيئة الاستثمارية باتت أكثر ملاءمة للمستثمرين.
ولفت إلى أن كازاخستان وأوزبكستان تمثلان أكبر سوقين في قطاع الطاقة المتجددة، في حين تتمتع الدول الأخرى بخصائص مختلفة في مزيج إنتاج الكهرباء نتيجة مواقعها الجغرافية، خاصة قيرغيزستان وطاجيكستان، حيث تواجه الاستثمارات في الطاقة الكهرومائية صعوبات وتعقيدات أكبر، مؤكدًا أن البنك يحاول مساعدة هذه الدول كلما أمكن.
وشدد على أن الفرص الأكثر جاهزية للمستثمرين التجاريين، بما في ذلك الشركات وصناديق الثروة السيادية الخليجية، تتركز في مشروعات الطاقة المتجددة، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير الذي يحظى به هذا القطاع.
سرعة التغيرات الاقتصادية أبرز تحديات المستثمرين الأجانب
وعن أكبر التحديات التي تواجه المستثمرين الأجانب في آسيا الوسطى، قال غريشين إن التحدي الأساسي يتمثل في سرعة التغيير وكثافته، موضحًا أن دول المنطقة تختلف في مساراتها التاريخية والاقتصادية، وفي الطريقة التي وصلت بها إلى أوضاعها الحالية.
وأشار إلى أن أوزبكستان بدأت الانفتاح على العالم الخارجي والتحول إلى اقتصاد مفتوح قبل نحو عشر سنوات فقط، في الوقت الذي كانت فيه كازاخستان قد أمضت نحو ربع قرن في تنفيذ الإصلاحات.
وأضاف أن هذه التحولات تظهر بوضوح عند زيارة العاصمة الأوزبكية طشقند، التي وصفها بأنها مدينة شديدة النشاط والحيوية وسريعة التغير، موضحًا أن سرعة التحولات وكثافتها قد تؤديان إلى وقوع أخطاء من جانب الحكومات أو المستثمرين، حتى مع توافر الكفاءة وحسن النوايا.
وأكد أن التعامل مع هذا التحدي يتطلب الاستعانة بشريك محلي يمتلك معرفة جيدة بكيفية عمل المؤسسات الحكومية وآليات تعديل القوانين والأنظمة، ويستطيع توضيح المجالات التي تحتاج إلى تغييرات تنظيمية لجعل البيئة الاستثمارية أكثر جاذبية.
بنك التنمية الأوراسي يستهدف زيادة محفظة مشروعاته 13.5 مليار دولار
وفيما يتعلق بخطط البنك خلال السنوات المقبلة، كشف غريشين عن إقرار استراتيجية طموحة للسنوات الخمس المقبلة، تستهدف زيادة محفظة مشروعات البنك بمقدار 13.5 مليار دولار خلال هذه الفترة.
وأوضح أن الاستراتيجية حددت عددًا من القطاعات ذات الأولوية، تشمل المياه والطاقة والأمن الغذائي والنقل، وهي قطاعات تحتاج إلى استثمارات كثيفة وتواجه تحديات تنظيمية كبيرة.
وأضاف أن البنك يسعى إلى تحقيق فوائد تكاملية بين دول المنطقة من خلال المشروعات التي يمولها، وهو ما يفرض متطلبات إضافية عند اختيار المشروعات، إلى جانب العمل على استقطاب المستثمرين الراغبين في دخول أسواق آسيا الوسطى عبر فرص استثمارية أكثر مباشرة وبساطة.
وأشار إلى أن المكتب الجديد الذي يعتزم البنك افتتاحه قريبًا في أبوظبي سيكون له دور أساسي في تعزيز التعاون مع المستثمرين الخليجيين، سواء من خلال المشاركة في تنفيذ مشروعات محددة أو عبر تأسيس صناديق تستثمر محليًا، بما يتيح للمستثمرين الخليجيين المشاركة فيها والحصول على فرص استثمارية في المنطقة.
وأكد غريشين أن التحدي الأكبر الذي تواجهه بنوك التنمية يتمثل في ضرورة جذب المزيد من رؤوس الأموال الخاصة، موضحًا أن الحكومات في مختلف أنحاء العالم لم تعد تمتلك الحيز المالي نفسه الذي كان متاحًا في الماضي للإنفاق على احتياجات التنمية.
وأضاف أن البنك يعمل على توزيع المخاطر في المشروعات المختلفة بطريقة تجعلها مقبولة وجاذبة لمستثمري القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن هذا الدور سيكون من المهام الأساسية لفريق البنك في أبوظبي.
غريشين: التأثير المالي للتوترات العالمية على آسيا الوسطى أكثر وضوحًا
وتناول نائب رئيس مجلس إدارة بنك التنمية الأوراسي تأثير إغلاق مضيق هرمز على دول آسيا الوسطى، مثل أوزبكستان وكازاخستان، موضحًا أن التأثير الإجمالي كان حتى الآن إيجابيًا بالنسبة إلى الدول المنتجة والمصدرة للطاقة، كما كان متوقعًا.
وأشار إلى أن المنطقة كانت محصنة نسبيًا ضد الاضطرابات المباشرة في تدفقات السلع، في ظل كون الصين الشريك التجاري الأكبر لدولها، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الطرق البرية لنقل البضائع الصينية عبر ممرات النقل الإقليمية.
وأضاف أن القناة الرئيسية لانتقال التأثيرات كانت القناة المالية، من خلال صدمات التضخم العالمية والتغيرات في أسعار الفائدة والتطورات في أسواق السندات الدولية.
وأوضح أن ذلك شمل موجة البيع الحادة التي شهدتها سندات الخزانة الأمريكية وانعكاساتها على الأسواق المحلية، في حين كان تأثير هذه التطورات على الاقتصاد الحقيقي أقل وضوحًا.
واختتم غريشين حديثه بالإشارة إلى أن النمو الاقتصادي القوي في دول المنطقة يمنحها قدرة على امتصاص قدر كبير من التقلبات الخارجية قبل ظهور آثارها بصورة مباشرة داخل اقتصاداتها المحلية، موضحًا أن تحقيق معدل نمو يبلغ 7% يوفر لهذه الاقتصادات مساحة للتعامل مع الصدمات القادمة من الخارج.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض