كيف تواجه مصر فاتورة الطاقة المرتفعة؟.. طارق الملا يجيب


الجريدة العقارية الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 | 05:27 مساءً
المهندس طارق الملا
المهندس طارق الملا
محمد فهمي

أكد المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب المصري، أن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا يفرض ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة للدولة، في ظل استمرار دعم أسعار الوقود والكهرباء، وزيادة الاستهلاك المحلي مع النمو السكاني والتوسع العمراني والاقتصادي.

وقال الملا، خلال مقابلة خاصة مع CNN الاقتصادية، إن أسعار النفط والغاز العالمية تؤثر في تكلفة الإمدادات التي تحصل عليها مصر من الشركات العالمية والشركاء الأجانب والإقليميين والمحليين، موضحًا أن ارتفاع الأسعار قد يشجع المستثمرين على ضخ استثمارات جديدة في أنشطة البحث والاستكشاف والإنتاج، مع استمرار الجدوى الاقتصادية للمشروعات حتى في حال تراجع الأسعار إلى مستويات أقل.

وأضاف أن ارتفاع الاستهلاك المحلي، بالتزامن مع زيادة عدد السكان والتوسع في المدن الجديدة والطرق والموانئ والمشروعات الاقتصادية، يرفع احتياجات الدولة من الطاقة، وهو ما يزيد الضغوط على الموازنة العامة، خاصة في ظل تحمل الدولة جانبًا من تكلفة الوقود والكهرباء.

دعم الطاقة يفرض ضغوطًا على الموازنة

وأوضح الملا أن أسعار البنزين والسولار والغاز الطبيعي والكهرباء لا تزال مدعومة، مشيرًا إلى أن استمرار الفجوة بين تكاليف توفير الطاقة والأسعار التي يتحملها المستهلك يضع أعباء إضافية على المالية العامة.

وأكد أن مصر حققت تقدمًا مهمًا في إصلاح منظومة دعم الطاقة وإعادة هيكلة الأسعار خلال عامي 2018 و2019، إلا أن الأزمات التي بدأت في عام 2020 وما تبعها من اضطرابات اقتصادية عالمية أعادت فرض تحديات على هذا المسار.

وأضاف أن التعامل مع ملف الدعم يتطلب مراعاة طبيعة الاقتصاد المصري واحتياجات المواطنين، مشددًا على أنه لا يمكن رفع الدعم عن جميع عناصر الطاقة دفعة واحدة، وأن المطلوب هو مواصلة الإصلاح بصورة تدريجية، بما يحد من الأعباء على الموازنة دون تحميل المواطنين ضغوطًا تفوق قدرتهم على التحمل.

وقال إن الهدف يتمثل في تقليل تكلفة الدعم قدر الإمكان، مع ضمان توافر الطاقة بأسعار يستطيع المواطن تحملها، وهو ما يتطلب العمل على أكثر من مسار في الوقت نفسه، بدلًا من الاعتماد على رفع الأسعار وحده.

ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الطاقة

وأشار الملا إلى أن ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة استخدام الطاقة يمثلان من أهم الأدوات التي يمكن أن تساعد مصر على تقليل فاتورة الطاقة، والحد من الضغوط المالية المرتبطة بالدعم.

وأوضح أن تحسين كفاءة الاستهلاك في المصانع والمنازل والمجمعات التجارية والمنشآت الحكومية يساهم في خفض الطلب على الوقود، ويتيح استخدام الموارد المتاحة بصورة أكثر كفاءة.

وشدد على أهمية تسريع تنفيذ مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، معتبرًا أن هذه المشروعات يمكن أن توفر مصادر إضافية للطاقة بتكلفة تنافسية، وتحد من الاعتماد المفرط على الوقود التقليدي.

وأضاف أن التوسع في الطاقة المتجددة يتطلب تطوير البنية التحتية لشبكات الكهرباء، وزيادة قدرات التخزين، وتوفير الأنظمة اللازمة للتعامل مع التغيرات في الإنتاج، بما يضمن استقرار الإمدادات واستمرار تلبية احتياجات المستهلكين.

وأكد كذلك ضرورة تشجيع إنشاء مصانع محلية لتصنيع مكونات الطاقة الجديدة والمتجددة، بما يدعم الصناعة الوطنية ويزيد فرص مشاركة الشركات المصرية في مشروعات الطاقة، إلى جانب تحفيز المصانع والمنازل والمجمعات التجارية والمنشآت الحكومية على استخدام هذه المصادر.

الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة المستهدف

ولفت رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب إلى أهمية تنويع مزيج الطاقة بين الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة والطاقة النووية، بهدف تعزيز أمن الإمدادات وتوفير الطاقة اللازمة لاستمرار النمو الاقتصادي.

وأشار إلى أن محطة الضبعة النووية من المقرر أن تبدأ دخول الخدمة وفق الجدول الذي ذكره خلال المقابلة في عامي 2028 و2029، مضيفًا أن هناك توجهات مطروحة بشأن التوسع مستقبلًا في المحطات أو المفاعلات النووية الأصغر.

وأوضح أن استمرار النمو الاقتصادي والتوسع في التنمية العمرانية والصناعية سيبقي الطلب على الطاقة مرتفعًا، ما يتطلب تنويع مصادر الإنتاج، وتحقيق التوازن بين التكلفة الاقتصادية للإمدادات وقدرة المواطنين على تحمل أسعارها.

وأكد أن تسريع مشروعات الطاقة المتجددة والنووية، إلى جانب تحسين كفاءة الاستهلاك وتطوير الشبكات، من شأنه أن يدعم استقرار منظومة الطاقة ويخفف الضغوط على الموازنة العامة.

زيادة الاستكشاف لتعزيز الإنتاج المحلي

وشدد الملا على ضرورة تسريع عمليات البحث والاستكشاف عن النفط والغاز الطبيعي، باعتبارها أحد المسارات الرئيسية لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل فجوات الإمدادات.

وأوضح أن نتائج الاستكشاف لا يمكن ضمانها مسبقًا، إلا أن زيادة أعمال الحفر وتكثيف التعاون مع الشركات الأجنبية والإقليمية والعالمية يرفع فرص الوصول إلى اكتشافات جديدة.

وأشار إلى أن التطور التكنولوجي يتيح كذلك تحسين معدلات استخراج الموارد من باطن الأرض، وزيادة إنتاجية الحقول المتقادمة، بما يعزز الاستفادة من الأصول القائمة ويطيل قدرتها على الإنتاج.

وأضاف أن استمرار الاستثمار في الاستكشاف والإنتاج، بالتوازي مع تنويع مزيج الطاقة وتحسين كفاءة الاستخدام، يمكن أن يساعد الدولة على تقليل الضغوط الناتجة عن دعم المحروقات، مع مراعاة أن بعض صور الدعم لا يستفيد منها جميع المواطنين بالقدر نفسه.

وأكد أن التعامل مع ملف الطاقة يتطلب تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين استدامة الإمدادات، وخفض الأعباء المالية، وتوفير الطاقة اللازمة للنمو الاقتصادي، دون تحميل المواطن زيادات سعرية مرهقة.

أسعار الطاقة العالمية تحفز الاستثمارات الجديدة

وفيما يتعلق بفرص الاستثمار، قال الملا إن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا يشجع الشركات على ضخ استثمارات في البحث والاستكشاف والإنتاج، نظرًا لتحسن العائد المتوقع من المشروعات الجديدة.

وأضاف أن الاستثمار في الطاقة قد يظل مجديًا حتى في حال تراجع الأسعار عن مستوياتها المرتفعة خلال الأزمات، ما دام العائد الاقتصادي يغطي تكاليف الإنتاج ويوفر هامشًا مناسبًا للمستثمرين.

وأشار إلى أن دولًا عديدة ستسعى خلال السنوات المقبلة إلى تعزيز إنتاجها المحلي وتقليل تعرضها لمخاطر انقطاع الإمدادات، وهو ما قد يفتح المجال أمام زيادة الاستثمارات في مختلف مناطق العالم، بما فيها مصر وشرق البحر المتوسط.

وأوضح أن زيادة الإنتاج المحلي لا تعني الاستغناء بالضرورة عن الاستيراد، إذ يمكن للدولة أن تنتج بعض أنواع الطاقة وتستورد أنواعًا أو منتجات أخرى وفقًا لاحتياجاتها، مؤكدًا أن كفاءة إدارة المنظومة هي العامل الأهم في تحقيق الاستدامة الاقتصادية.

الخبرة التنفيذية تدعم الدور التشريعي والرقابي

وفي حديثه عن انتقاله من العمل التنفيذي إلى الدور التشريعي والرقابي في مجلس النواب، أوضح الملا أن الخبرة العملية السابقة تمنحه قدرة على فهم التحديات التي تواجه الجهات التنفيذية عند تطبيق القوانين والسياسات على أرض الواقع.

وأشار إلى أن هذه الخبرة تساعد في مناقشة مشروعات القوانين وطلبات الإحاطة بصورة أكثر ارتباطًا بالمشكلات الفعلية، وتتيح البحث عن حلول تراعي احتياجات المواطنين ومتطلبات القطاعات الاقتصادية.

وأضاف أن التعامل المباشر مع التحديات التنفيذية يساهم في تقييم التشريعات المقترحة بصورة أفضل، وفهم العقبات التي قد تواجه تطبيقها، بما يدعم دور مجلس النواب في الرقابة والتشريع.

واختتم الملا تصريحاته بالتأكيد على أهمية تكامل السياسات المالية والطاقة والاستثمار، بما يضمن زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتسريع التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وقدرة الدولة على تحمل أعباء الدعم.