طارق الملا: إغلاق مضيق هرمز سيعيد رسم خريطة الطاقة عالميًا.. والغاز الطبيعي أمام عصر ذهبي


الجريدة العقارية الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 | 05:22 مساءً
المهندس طارق الملا
المهندس طارق الملا
محمد فهمي

أكد المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، أن تداعيات الحرب الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز ستؤدي إلى تغييرات جوهرية في خريطة أسواق الطاقة العالمية وتوازناتها خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى أن مرحلة عدم اليقين التي تشهدها الأسواق قد تستمر لأسابيع أو أشهر، في ظل صعوبة التنبؤ بمسار التطورات الجيوسياسية.

وقال الملا، خلال مقابلة خاصة مع CNN الاقتصادية، إن أسواق الطاقة تأثرت بصورة كبيرة بالحرب وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، موضحًا أن المرحلة التالية لإعادة فتح المضيق لن تكون كما كانت قبل الأزمة، وأن العالم سيشهد تغيرات في خريطة إنتاج النفط والغاز وعمليات البحث والاستكشاف، إلى جانب إعادة ترتيب أولويات تأمين إمدادات الطاقة.

وأضاف أن الأزمة أكدت للدول ضرورة تعزيز أمن الطاقة وعدم الاعتماد على مصادر محدودة أو مسارات إمداد بعينها، وهو ما سيدفع إلى زيادة الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والحفر، والتوسع في البحث عن موارد جديدة خارج المناطق التقليدية المنتجة.

مناطق جديدة على خريطة الاستكشاف العالمي

وأوضح رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب أن الفترة المقبلة قد تشهد نشاطًا متزايدًا في عمليات البحث والتنقيب في مناطق متعددة، من بينها شرق البحر المتوسط، والأرجنتين في أمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، وبحر الشمال، فضلًا عن مناطق في جنوب القارة الأفريقية.

وأشار إلى أن بعض المناطق التي تراجعت فيها أنشطة الوقود الأحفوري خلال السنوات الماضية قد تعود إلى واجهة الاستثمار والإنتاج، في ضوء ارتفاع أهمية أمن الطاقة واستمرار الطلب العالمي على النفط والغاز.

ولفت الملا إلى أن ذلك لا يعني تراجع الاهتمام بالتحول الطاقي، مؤكدًا استمرار العمل على تطوير تكنولوجيات الطاقة الجديدة والمتجددة والبطاريات وحلول تخزين الكهرباء، بالتوازي مع عودة الاهتمام بعمليات الحفر والاستكشاف وإنتاج الوقود الأحفوري بوتيرة أكبر.

وأضاف: «أنا بالعكس متفائل لما بعد الحرب، لأنه هيحصل نهضة كبيرة على مستوى العالم فيما يتعلق بالبحث والاستكشاف للموارد الأحفورية الهيدروكربونية التقليدية».

الغاز الطبيعي المسال مرشح لعصر ذهبي

وأكد الملا أن الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال سيؤديان دورًا محوريًا في أسواق الطاقة خلال السنوات المقبلة، مدفوعين بقدرتهما على تلبية احتياجات الطاقة والصناعة، إلى جانب انخفاض انبعاثاتهما الكربونية مقارنة بالعديد من أنواع الوقود الأخرى.

وأوضح أن الغاز الطبيعي يُنظر إليه باعتباره وقودًا انتقاليًا في مسار التحول الطاقي، فضلًا عن التطور التكنولوجي الذي ساهم في تسهيل استخراجه وتوسيع استخداماته في الصناعات المختلفة، سواء من خلال تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة أو ضغطه أو تسييله.

وأشار إلى أن عددًا من اكتشافات الغاز التي لم تكن مجدية اقتصاديًا في السابق قد تصبح قابلة للتطوير والإنتاج في ظل المتغيرات الجديدة، وارتفاع أهمية تأمين الإمدادات، والتقدم في تكنولوجيات الاستخراج والمعالجة والنقل.

وأضاف أن تطوير وحدات الإنتاج والتخزين والتسييل العائمة يتيح استغلال اكتشافات الغاز في المياه العميقة، خاصة في الدول التي لا تمتلك بنية تحتية كافية لاستقبال الغاز ومعالجته على اليابسة، بما يساهم في التغلب على تحديات إنشاء المنشآت البرية مرتفعة التكلفة.

وتابع أن المنصات البحرية والسفن المجهزة لمعالجة الغاز وتخزينه وتسييله توفر حلولًا فنية جديدة، تسمح بتطوير موارد كانت تواجه صعوبات في الوصول إلى الأسواق، وهو ما يعزز فرص التوسع في مشروعات الغاز الطبيعي المسال عالميًا.

أسعار الغاز تدعم جدوى المشروعات

وفيما يتعلق بالأسعار، قال الملا إن أسعار الغاز الطبيعي المسال ارتفعت خلال الأزمة إلى نحو 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مع توقعه إمكانية تراجعها إلى نحو 15 دولارًا بعد انحسار الأزمة، معتبرًا أن هذه المستويات قد تظل داعمة للجدوى الاقتصادية لعدد كبير من المشروعات.

وأكد أن ارتفاع أهمية الغاز الطبيعي في معادلة أمن الطاقة، إلى جانب التطور التكنولوجي وتوسع استخداماته الصناعية، يهيئ الظروف لزيادة الاستثمارات في اكتشافاته وإنتاجه وتسييله ونقله.

وشدد على أن المرحلة المقبلة ستشهد، بحسب تقديره، توسعًا في استثمارات الطاقة التقليدية بالتوازي مع استمرار تطوير الطاقة المتجددة، في ظل سعي الدول إلى بناء مزيج طاقة أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة الصدمات.

الأسواق أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات

واستعرض الملا تطور استجابة أسواق الطاقة للأزمات خلال العقدين الماضيين، مشيرًا إلى الأزمات التي بدأت بالأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم اضطرابات عام 2011، وأزمة جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الحرب الإيرانية وتداعيات إغلاق مضيق هرمز.

وأوضح أن الأسواق استطاعت، على مدار هذه الأزمات، تطوير آليات للتكيف مع الصدمات، من بينها استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، والتوسع في مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وتطوير تكنولوجيات التخزين، وتحسين كفاءة الاستهلاك، إلى جانب تطور استخدامات الطاقة النووية.

وأضاف أن هذه العوامل ساهمت في تعزيز قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات، مشيرًا إلى أن الأسعار شهدت، وفقًا لتقييمه، تحركات أقل حدة مقارنة ببعض القفزات التي سجلتها الأسواق في أزمات سابقة، رغم اتساع نطاق المخاطر الجيوسياسية.

وتابع أن استمرار الأزمات يظل له حدود في ظل تراجع الاحتياطيات المتاحة وتزايد الضغوط على الإمدادات، لكنه أعرب عن اعتقاده بأن التوصل إلى تسوية سلمية مستدامة من شأنه أن يفتح المجال أمام انخفاض أسعار الطاقة مجددًا.

تنويع مصادر الإمداد يتصدر أولويات الدول

وشدد الملا على أن الدرس الأهم من أزمة هرمز يتمثل في ضرورة إعادة بناء استراتيجيات أمن الطاقة، بحيث لا تعتمد الدول على نوع واحد من الوقود أو مصدر واحد للإمدادات، بل تعمل على تنويع مصادر النفط والغاز والمنتجات البترولية، وتوسيع قدرات التخزين والتكرير.

وأشار إلى أن تأمين الطاقة لا يقتصر على الوقود الأحفوري، وإنما يشمل أيضًا الكهرباء، بما يعزز أهمية الربط الكهربائي بين الدول، وتنويع مصادر توليد الكهرباء بين الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية.

وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد، وفق تقديره، توسعًا في التعاون الإقليمي والتحالفات بين الدول المتجاورة، بهدف تعزيز أمن الإمدادات وتبادل الطاقة، والاستفادة من البنية التحتية المتاحة في كل دولة.

واختتم الملا تصريحاته بالتأكيد على أن التطورات الحالية قد تعيد تشكيل سياسات الطاقة العالمية خلال السنوات القليلة المقبلة، مع زيادة الاستثمارات في الاستكشاف والإنتاج والتخزين، إلى جانب استمرار التقدم التكنولوجي في مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة.