أعلنت الهند عن إجراءات جديدة لدعم الروبية والحد من الضغوط التي تتعرض لها أمام الدولار الأمريكي، من خلال توجيه جزء من الطلب على العملة الأمريكية بعيدًا عن السوق الفورية، إلى جانب تشديد الضوابط المفروضة على معاملات التحوط من تقلبات أسعار الصرف.
وجاءت هذه الخطوات التي اتخذها بنك الاحتياطي الهندي يوم السبت 10 أكتوبر 2026، مع اقتراب الروبية من مستويات متدنية قياسية، بعدما فقدت أكثر من 7% من قيمتها منذ بداية العام، متأثرة بارتفاع أسعار النفط وعوائد السندات العالمية، وفقًا لوكالة رويترز.
وتستهدف الإجراءات الجديدة تخفيف الضغط على سوق الصرف الأجنبي وتقليل التقلبات، في وقت تواجه فيه الهند تحديات مرتبطة بتكلفة واردات الطاقة وتدفقات رؤوس الأموال.
نافذة خاصة لتوفير الدولار لشركات النفط الحكومية
قرر البنك المركزي الهندي إنشاء آلية خاصة لتلبية الاحتياجات اليومية من الدولار لثلاث شركات حكومية تعمل في تسويق النفط، وهي «إنديان أويل» و«هندوستان بتروليوم» و«بهارات بتروليوم»، على أن يبدأ العمل بها اعتبارًا من يوم الاثنين.
وبموجب الآلية الجديدة، سيتيح البنك المركزي للشركات الحصول على احتياجاتها من الدولار مباشرة من احتياطيات النقد الأجنبي، بدلًا من الاعتماد الكامل على شرائه من السوق الفورية.
ويستهدف هذا الإجراء تقليل الطلب المباشر على الدولار داخل السوق المحلية، خاصة أن شركات النفط تحتاج إلى كميات كبيرة من العملة الأمريكية لسداد قيمة الواردات.
وقال ديراج نيم، استراتيجي أسواق الصرف الأجنبي لدى بنك «إيه إن زد» في مومباي، إن توفير الدولار لشركات النفط عبر البنك المركزي قد يخفف أحد أبرز مصادر الطلب على العملة الأمريكية، ويساعد على الحد من تقلبات الروبية، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تراجع الاحتياطيات الأجنبية.
وعقب الإعلان عن التدابير الجديدة، ارتفعت الروبية بنحو 0.6% مقابل الدولار في سوق العقود الآجلة غير القابلة للتسليم، وسط تداولات محدودة.
قواعد أكثر صرامة للحد من المضاربات على الروبية
بالتوازي مع توفير الدولار لشركات النفط، اتجه البنك المركزي إلى تشديد القواعد المنظمة لمعاملات المشتقات المالية المرتبطة بأسعار الصرف، في محاولة للحد من الطلب المتزايد على أدوات التحوط من تراجع الروبية.
وشهدت الأشهر الماضية ارتفاعًا في إقبال المستوردين على شراء الدولار وتأمين أنفسهم ضد انخفاض العملة المحلية، في وقت لم يكن فيه المعروض من الدولار القادم من المصدرين كافيًا لمعادلة هذا الطلب.
وتهدف القواعد الجديدة إلى الحد من المعاملات التي قد تزيد اضطرابات سوق الصرف، والتحقق بصورة أدق من وجود احتياجات مالية حقيقية وراء عمليات التحوط، فضلًا عن منع التحايل على القيود من خلال تكرار المعاملات أو إعادة تسجيل العقود.
ووفقًا لمصدر مطلع نقلت عنه رويترز، يسعى البنك المركزي إلى ضبط الطلب على المشتقات المالية التي قد تزيد الضغوط على الروبية، مع التأكد من ارتباط هذه المعاملات بانكشافات مالية فعلية.
احتياطي بنسبة 20% يرفع تكلفة التحوط من تراجع العملة
ألزم بنك الاحتياطي الهندي متعاملي النقد الأجنبي بتخصيص احتياطي لمخاطر الصرف الأجنبي بنسبة 20% مقابل عقود المشتقات المستخدمة لشراء العملات الأجنبية بالروبية بهدف التحوط لمعاملات الحساب الجاري، عندما تتجاوز القيمة الاسمية للعقود مليوني دولار.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا الشرط إلى زيادة تكلفة التحوط ضد انخفاض الروبية، ما قد يدفع الشركات والمتعاملين إلى تقليص العمليات التي تتجاوز احتياجاتهم الفعلية.
وأوضح مصرفيان مطلعان على الإجراءات أن القواعد الجديدة قد تحد من الإفراط في شراء أدوات الحماية من تقلبات العملة، وفقًا لما نقلته رويترز.
وتأتي هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لتقليص المضاربات التي قد تزيد الضغوط على العملة الهندية، في ظل لجوء دول أخرى، مثل الصين، إلى استخدام أدوات مالية مماثلة للحد من الرهانات على انخفاض عملاتها.
خفض سقف معاملات المشتقات دون إثبات الاحتياجات الفعلية
شملت الإجراءات أيضًا تقليص الحد الأقصى لقيمة معاملات المشتقات التي يمكن للمتعاملين تنفيذها دون تقديم مستندات تثبت وجود انكشاف مالي فعلي، من 100 مليون دولار إلى 5 ملايين دولار.
وينطبق الحد الجديد على مختلف منتجات المشتقات المالية، بما فيها العقود الآجلة المتداولة في البورصة، وهو ما يوسع نطاق الرقابة على معاملات سوق الصرف الأجنبي.
ويستهدف هذا التعديل الحد من تنفيذ صفقات كبيرة لا تستند إلى احتياجات تجارية أو مالية واضحة، مع تعزيز قدرة البنك المركزي على متابعة مصادر الطلب على الدولار.
تدفقات مالية تتجاوز 140 مليار دولار لم تنهِ الضغوط
تأتي الإجراءات الهندية بعد تدفقات رأسمالية تجاوزت 140 مليار دولار، جرى جذبها من خلال تدابير استثنائية شملت تشجيع الودائع بالعملات الأجنبية القادمة من الخارج، وتسهيل الاقتراض الخارجي للشركات والبنوك المملوكة للدولة.
ورغم هذه التدفقات، إلى جانب تدخلات البنك المركزي ورفع أسعار الفائدة في وقت سابق من الأسبوع، لا تزال الروبية تواجه ضغوطًا نتيجة عوامل مرتبطة بالاقتصاد العالمي واحتياجات الهند من النقد الأجنبي.
ويظل ارتفاع أسعار النفط من أبرز مصادر الضغط، نظرًا إلى تأثيره في فاتورة الواردات وزيادة احتياجات الشركات الهندية إلى الدولار لتسوية المدفوعات الخارجية.
هل تنجح الإجراءات الجديدة في وقف تراجع الروبية؟
يرى محللون أن الإجراءات الجديدة يمكن أن تخفف الضغوط قصيرة الأجل على العملة الهندية، لكنها لن تكون كافية بمفردها لمعالجة جميع العوامل المؤثرة في سعر الصرف.
وقال ديراج نيم، المحلل لدى بنك «إيه إن زد»، إن القيود قد تساعد على تخفيف الضغط على الروبية، لكن العوامل الأساسية، وفي مقدمتها أسعار النفط وتدفقات رؤوس الأموال، لا تزال قائمة.
وأشار إلى أن تطورات سعر صرف الروبية وحجم الاحتياطيات الأجنبية خلال الأسبوع المقبل ستكون من المؤشرات المهمة لتقييم مدى فاعلية التدابير الجديدة.
وبذلك، تراهن الهند على مزيج من توفير الدولار بصورة مباشرة لشركات النفط وتشديد الرقابة على المشتقات المالية، في محاولة لاحتواء تراجع العملة وتقليل التقلبات، دون استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي بوتيرة قد تزيد التحديات الاقتصادية مستقبلًا.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض