لم تتحقق حتى الآن الآمال بعودة قوية لسوق معاملات العقارات الأوروبية خلال عام 2026، مع تراجع مخصصات الاستثمار العقاري ونقص السيولة، خصوصاً على مستوى الاستثمارات في الأسهم.
ووفقا لموقع financialinvestigator للخدمات المالية، أدت زيادة معدلات المقايضة إلى اتساع الفجوة بين توقعات المشترين والبائعين بشأن الأسعار، ما يرجح حاجة السوق إلى مزيد من الوقت للتكيف مع بيئة أسعار الفائدة المرتفعة.
ولا تعكس هذه التطورات دورة عقارية تقليدية فقط، إذ يحمل مسار إعادة التسعير أيضاً أبعاداً هيكلية، مع تحول أوضاع العديد من صناديق التقاعد الأوروبية والأنظمة المهنية للتقاعد من تدفقات نقدية داخلة إلى تدفقات خارجة، وزيادة حاجتها إلى إجراء توزيعات.
وفي المقابل، ظهرت فئات أصول جديدة تنافس العقارات على جذب رأس المال، ما يفرض على القطاع العقاري تحقيق عوائد أكثر جاذبية لاستعادة مكانته ضمن أولويات توزيع الاستثمارات.
«الخروج» يصبح محور الاستثمار
ويحتاج المستثمرون، وفق هذا التوجه، إلى تقييم العقار عبر سلسلة الاستثمار بأكملها، وليس التركيز فقط على سعر الشراء.
فإلى جانب الحصول على سعر دخول مناسب وآفاق جيدة لنمو الإيجارات، أصبح من الضروري وجود سوق خروج واضح، بحيث يعرف المستثمر منذ لحظة شراء الأصل من هم المشترون المحتملون لاحقاً ومدى قدرة العقار على الحفاظ على سيولته.
ويعد هذا النهج أساسيا لتحقيق عوائد تنافسية ومستدامة من الاستثمار العقاري.
وفي المقابل، قد يؤدي الانجذاب إلى الاتجاهات قصيرة الأجل إلى تحمل مستويات مرتفعة من المخاطر.
ويبرز مفهوم «الحياة اليومية» كأحد المحاور الأساسية للاستثمار، بما يشمل الأصول المرتبطة بالاحتياجات اليومية، والتي تتميز عادة بطلب مستقر وقدرة أكبر على الصمود أمام التقلبات، فضلاً عن محدودية المعروض في بعض الحالات، بما يفتح المجال أمام نمو الإيجارات.
السكن.. طلب مرتفع وقيود تنظيمية
يظل القطاع السكني أحد أهم قطاعات الاستثمار العقاري في أوروبا، لكن الاستثمار فيه أصبح أكثر تعقيداً نتيجة زيادة التنظيمات وصعوبة تطوير معروض سكني جديد.
وبالتالي، تتركز الفرص بصورة متزايدة في نماذج محددة، مثل مساكن الطلاب ومساكن كبار السن.
كما تبرز فرص لتحويل مباني المكاتب القديمة الواقعة في مواقع مركزية إلى وحدات «ميكرو ليفينج» أو مساكن صغيرة، في حين يمكن أن تمثل المنازل المؤجرة المتلاصقة المخصصة للعائلات في ضواحي المدن الألمانية الكبرى نموذجاً آخر يجمع بين توفير مساكن بأسعار معقولة وتحقيق عوائد استثمارية جذابة.
مراكز البيانات.. الكهرباء وحدها لا تكفي
مع تسارع التحول الرقمي، أصبحت مراكز البيانات أحد أبرز الاختناقات في البنية التحتية الرقمية، بينما لا تزال أوروبا بحاجة إلى سد فجوة في هذا المجال، بالتزامن مع تزايد أهمية سيادة البيانات.
وتختلف متطلبات المواقع بحسب نوع مركز البيانات. ففي مراكز تدريب الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق، قد يمثل توافر الطاقة العامل الأهم في اختيار الموقع، نظراً لإمكانية نقل أحمال الحوسبة بدرجة كبيرة إلى المناطق التي تتوافر فيها الطاقة اللازمة.
أما مراكز البيانات التي تعتمد على زمن استجابة منخفض، والمهيأة للحوسبة السحابية والموجهة للمستخدم النهائي، فتحتاج إلى البقاء بالقرب من التجمعات السكانية والاقتصادية الكبرى.
وبجانب توافر الأراضي المناسبة، تشمل المتطلبات الأساسية الحصول على الطاقة، والربط بشبكة الكهرباء، واستخراج التصاريح اللازمة، والحصول على قبول المجتمعات المحلية للمشروعات.
المكاتب.. أفضل المواقع في صدارة الاهتمام
يواجه قطاع المكاتب تحديات مختلفة، إذ راكم المستثمرون المؤسسيون مخصصات كبيرة للعقارات المكتبية على مدى عقود، لكن من المتوقع أن تتراجع هذه المخصصات على المدى الطويل وتتركز بصورة أكبر في أفضل العقارات والمواقع المركزية.
وتتمثل إحدى أبرز المشكلات في ضخامة حجم العديد من الاستثمارات المكتبية؛ إذ أصبحت الأصول المنفردة التي تتجاوز قيمتها 150 إلى 200 مليون يورو صعبة التسويق حالياً.
ورغم أن أبراج المكاتب الكبرى قد تكون جذابة للغاية بالنسبة للمستأجرين، فإنها تمثل في الوقت نفسه مخاطرة كبيرة للمستثمر بسبب تركّز رأس المال في أصل واحد.
ولا تغير الزيادة الحالية في الطلب على المساحات المكتبية من جانب بعض شركات الذكاء الاصطناعي التقييم الأساسي للقطاع، إذ تعكس هذه الزيادة في الوقت الحالي مرحلة توسع قوية.
أما على المدى الطويل، فيبقى السؤال الأهم هو مدى تأثير مكاسب الإنتاجية المتوقعة من الذكاء الاصطناعي على الطلب على المساحات المكتبية.
السياحة تتفوق على فنادق الأعمال
خارج القطاعات المرتبطة بالاحتياجات اليومية، يبرز قطاع الفنادق كأحد المجالات التي تشهد زخماً استثمارياً، لكن التباين بين أنواع الفنادق يظل مهماً.
وتبدو الوجهات السياحية، خصوصاً في جنوب أوروبا، من بين المستفيدين المحتملين، بفضل قوة الطلب الدولي وارتفاع أسعار الغرف نسبياً إلى جانب انخفاض التكاليف مقارنة ببعض الأسواق الأخرى.
في المقابل، تبدو التوقعات أكثر تحفظاً بالنسبة للفنادق التي تعتمد بصورة أكبر على سفر الأعمال في ألمانيا وأجزاء أخرى من الأسواق الأوروبية.
أما قطاع التجزئة، فلا توجد مؤشرات على عودة واسعة للأنماط التقليدية، إذ لا تزال مراكز التسوق وبعض متاجر وسط المدن تواجه تحديات.
لكن فرصاً استثمارية تظل قائمة في منافذ التجزئة التي ترتكز على متاجر الأغذية والسلع الأساسية، نظراً لارتباطها بالإنفاق اليومي للمستهلكين.
فرص أكثر تخصصاً في السوق الأوروبية
يتجه سوق العقارات الأوروبي بالتالي إلى مزيد من التخصص، ولم يعد اختيار فئة عقارية واسعة كافياً لاتخاذ قرار استثماري ناجح.
وبدلاً من ذلك، يحتاج المستثمر إلى البحث داخل كل قطاع عن استراتيجيات تتوافق فيها سعر الدخول والطلب ونمو الإيجارات وإمكانية التخارج.
ورغم صعوبة البيئة الحالية وتراجع السيولة، فإن هذا التحول نفسه يخلق فرصاً استثمارية في قطاعات محددة، خصوصاً عندما يستطيع المستثمر تحديد الأصول التي تجمع بين الطلب المستدام، وإمكانات نمو الدخل، وسوق خروج واضح.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض