بعد سنوات كان فيها البائعون أصحاب اليد العليا في سوق الإسكان الأمريكي، بدأ السوق يتحول تدريجياً لمصلحة المشترين، إلا أن كثيراً منهم لا يزال متردداً في اتخاذ خطوة الشراء.
وكشف موقع kion centralcoast التابع للقناة الإخبارية المحلية في كاليفورنيا، أنه على المستوى الوطني، يفوق عدد البائعين عدد المشترين بفارق كبير، وارتفع عدد البائعين على المشترين في الولايات المتحدة بنسبة 58% خلال أغسطس الماضي، وهي أوسع فجوة تسجلها شركة «ريدفين» منذ بدء رصد هذه البيانات في عام 2013.
وبوتيرة المبيعات الحالية، يمتلك السوق الأمريكي مخزوناً من المعروض يكفي لنحو 4.9 أشهر، وفق بيانات الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين "NAR"، وهو أعلى مستوى يسجله السوق منذ أكثر من عقد.
ويمثل ذلك تحولاً عن السنوات الخمس الماضية، عندما أدى الإقبال الكبير على شراء المنازل خلال جائحة كورونا إلى اشتداد المنافسة، في ظل محدودية المعروض. ورغم ارتفاع المخزون المتاح حالياً، تراجع إقبال المشترين خلال الأشهر القليلة الماضية.
الفائدة ترفع تكلفة شراء المنازل
وتقف عدة عوامل وراء عزوف المشترين، فقد ارتفعت معدلات الرهن العقاري منذ بداية الحرب الأمريكية مع إيران، مقتربة من 7%، لتسجل الأسبوع الماضي أعلى مستوياتها منذ الأسبوع الأول الكامل للرئيس دونالد ترامب في منصبه.
وأدى ارتفاع معدلات الرهن إلى زيادة الأقساط الشهرية، فيما قد يشكل وصول الفائدة إلى 7% حاجزاً نفسياً أمام بعض الراغبين في شراء المنازل، ما يزيد من الضغوط على الطلب.
في المقابل، واصلت أسعار المنازل على المستوى الوطني ارتفاعها، وإن بوتيرة أبطأ من التضخم.
وارتفع متوسط سعر بيع المنازل القائمة خلال أغسطس بنسبة 1.6% على أساس سنوي، مسجلاً الزيادة السنوية للشهر الـ38 على التوالي، بحسب بيانات الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين.
المشترون يحجمون عن الاقتراض
وانتقل إسحاق كيتشام إلى غراند جنكشن بولاية كولورادو قادماً من سانتا في بولاية نيو مكسيكو قبل عامين، وكان يخطط لشراء منزل، ورغم حصوله مؤخراً على موافقة للحصول على قرض عقاري، أدرك أنه غير مستعد لتحمل الديون والأقساط الشهرية المرتفعة في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد.
وقال كيتشام إنه زار عدة منازل وحضر عدداً من المعاينات المفتوحة، لكنه لا يشعر بضرورة الإسراع في الشراء في ظل الأسعار الحالية.
وتراجعت مبيعات المنازل قيد التعاقد، التي تقيس عدد المنازل الجديدة التي دخلت مرحلة التعاقد، بنسبة 4.7% خلال أغسطس مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وفقاً لـNAR.
كما انخفضت طلبات الحصول على قروض لشراء المنازل بنسبة 19% على أساس سنوي في وقت سابق من الشهر الجاري، بحسب بيانات جمعية مصرفيي الرهن العقاري.
وقال كيتشام إنه تابع ارتفاع أسعار المنازل، لكنه يخشى أن يؤدي الشراء إلى استنزاف ميزانيته، مفضلاً في الوقت الحالي الاحتفاظ بإيجاره البالغ 1500 دولار شهرياً.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والتأمين الصحي وغيرها من النفقات يجعل مضاعفة تكلفة السكن أمراً صعباً بالنسبة إليه.
أصحاب المنازل متمسكون بفوائدهم القديمة
ولا تزال معدلات الرهن العقاري أعلى بشكل مستمر من مستوى 6% منذ أن بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة بقوة في 2022 لمواجهة التضخم.
وللمرة الأولى منذ جائحة كورونا، أصبح عدد أصحاب المنازل الذين لديهم قروض عقارية بفائدة تتجاوز 6% أكبر من عدد من لديهم قروض بمعدلات تقل عن 3%، وفق تحليل أجرته «ريدفين» لبيانات الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان "FHFA".
لكن بالنسبة إلى أصحاب المنازل الذين ما زالوا يحتفظون بقروض منخفضة الفائدة، فإن التخلي عن معدلات تقل عن 4% والانتقال إلى قرض يتجاوز 6% أصبح أمراً صعباً في ظل ارتفاع أسعار المنازل والنفقات الشهرية الأخرى.
واشترت ترايس بوتر منزلها في عام 2017 بقرض عقاري تقل فائدته عن 4%، وكانت تتوقع أن يكون المنزل مرحلة مؤقتة قبل الانتقال إلى منزل أكبر.
لكن بعد نحو عقد، لا تزال تقيم فيه، فيما أصبحت المسافة التي تستغرق 30 دقيقة بالسيارة للوصول إلى مدرسة أطفالها في شاكر هايتس بولاية أوهايو أكثر إزعاجاً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الوقود.
وترغب بوتر في الانتقال إلى منزل أقرب إلى المدرسة، لكنها تقول إن الحسابات المالية لا تسمح بذلك.
وبعد أن أدت زيادات الفائدة التي أقرها الاحتياطي الفيدرالي قبل عدة أعوام إلى رفع معدلات الرهن العقاري، وجد أصحاب القروض منخفضة الفائدة أنفسهم أمام ما يعرف بـ«الأغلال الذهبية»، إذ أصبحوا مترددين في البيع لأن الانتقال إلى منزل جديد يعني تحمل فائدة أعلى بكثير.
وأدى هذا التأثير إلى تقييد المعروض من المنازل في أنحاء البلاد، ما ساهم في دفع أسعار البيع إلى مستويات أعلى.
ورفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مجدداً يوم الأربعاء للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وهو ما يرى خبراء أنه قد يعني أن انخفاض معدلات الرهن العقاري بشكل كبير سيحتاج إلى بعض الوقت.
ورغم متابعة بوتر باستمرار للعروض الجديدة في شاكر هايتس، فإنها تخشى أن يؤدي الانتقال إلى مضاعفة أو حتى ثلاثة أمثال تكلفة السكن الحالية، البالغة 1200 دولار شهرياً.
وتدرس بوتر بيع منزلها والعودة إلى الإيجار، أو شراء منزل أكبر بالشراكة مع والديها وتقاسم التكاليف.
سوق جديد لوكلاء العقارات
وألقى تباطؤ اهتمام المشترين بظلاله على قطاع العقارات.
وتراجعت جولات معاينة المنازل المعروضة للبيع بنسبة 3% منذ بداية العام حتى 10 سبتمبر، وفق بيانات «ريدفين» و«شووينج تايم».
وفي الفترة نفسها من العام الماضي، كانت حركة المعاينات قد ارتفعت بنسبة 26% مقارنة ببداية 2025.
وقال تايلر سميث، وهو وكيل عقاري في سينسيناتي، إن السوق في منطقته تحول بوضوح إلى سوق للمشترين، مع بقاء المنازل لفترات أطول في السوق، وبدء بعض البائعين في خفض الأسعار.
ومع ذلك، لا تزال العقارات المرغوبة بشدة، خصوصاً الواقعة ضمن مناطق تعليمية متميزة، قادرة على البيع بسرعة نسبية، وفقاً لسميث.
وأوضح أن تباطؤ السوق غيّر وتيرة عمله بشكل كبير، فخلال أعوام 2022 و2023 وحتى 2024، كان طرح منزل للبيع يؤدي إلى تلقي عشرات الاتصالات والعروض ورسائل البريد الإلكتروني، ووصل عدد العروض على أحد المنازل إلى 25 عرضاً، مع تجاوز بعضها السعر المطلوب بنسبة تتراوح بين 10% و20%.
أما الآن، فأصبح التسويق يلعب دوراً أكبر، مع اللجوء إلى خفض الأسعار وتنظيم أيام مفتوحة وزيادة الحملات التسويقية المباشرة، بعدما لم يعد مجرد طرح المنزل في السوق كافياً لإتمام البيع سريعاً.
المشترون يتكيفون مع ارتفاع الفائدة
ورغم ارتفاع معدلات الرهن العقاري، لم تنهَر مبيعات المنازل، إذ ظل معدل المبيعات هذا العام قريباً إلى حد كبير من مستوياته في العام الماضي، وفق بيانات NAR حتى أغسطس.
وقال براد كيس، كبير الاقتصاديين المتخصصين في قطاع الإسكان إن تأثير تمسك أصحاب المنازل بقروضهم منخفضة الفائدة بدأ يتراجع إلى حد ما على المستوى الوطني.
وأضاف أن مزيداً من أصحاب المنازل بدأوا خلال الأشهر الأخيرة في تقبل معدلات الرهن العقاري المرتفعة باعتبارها واقعاً جديداً، وأصبحوا أكثر استعداداً لطرح منازلهم للبيع، ما ساهم في زيادة المعروض الحالي.
كما أن أصحاب المنازل الراغبين في الانتقال قد يكونون أقل تأثراً بمعدلات الرهن إذا ساهم ارتفاع قيمة منازلهم في زيادة حقوق الملكية لديهم.
فالبيع بسعر أعلى يمنحهم سيولة أكبر يمكن استخدامها في شراء المنزل التالي، وربما خفض أو إلغاء تكلفة الرهن العقاري الشهرية.
ويواجه هؤلاء المشترون الذين يمتلكون سيولة أكبر منافسة أقل في السوق، مع تراجع المشترين الأكثر حساسية لارتفاع معدلات الفائدة.
وينطبق ذلك على روب إيتون، الموسيقي الذي استأجر شقة في مانهاتن السفلى لأكثر من 20 عاماً، بينما كان يمتلك منزلاً لقضاء العطلات في فيل بولاية كولورادو.
وفي سن 65 عاماً، يرغب إيتون في امتلاك منزل أكبر للإقامة الدائمة، ويفضل أن يكون في إحدى ضواحي مدينة نيويورك.
وطرح منزله في فيل للبيع مقابل 1.3 مليون دولار الشهر الماضي، ويأمل في توفير سيولة تمكنه من دفع مقدم لا يقل عن 50% من قيمة منزله المقبل، إذا تمكن من بيع منزله الحالي بحلول الربيع المقبل.
وقال إيتون لشبكة CNN إن الطلب من المشترين في فيل كان أبطأ مما توقع، لكنه لا يشعر بقلق كبير، إذ يراهن على انخفاض معدلات الرهن العقاري مستقبلاً.
كما يدرس الحصول على قرض عقاري متغير الفائدة، والذي يوفر عادةً معدلاً أقل في البداية قبل أن يتغير دورياً وفقاً لظروف السوق.
وقال إيتون: «أعتقد أنني في وضع جيد. لن أكون مقيداً برهن عقاري لمدة 30 عاماً».
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض