بعد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بحماية الأطفال والنشء من مخاطر وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، صدر قرار مشترك من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، يُلزم المنصات بضوابط لحماية الأطفال وفقًا لأعمارهم، من بينها منع إنشاء الحسابات الشخصية لمن هم دون 13 عامًا.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور هشام رامي، أستاذ الطب النفسي بكلية طب جامعة عين شمس، المخاطر النفسية والاجتماعية التي قد يتعرض لها الأطفال نتيجة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سن مبكرة.
وقال رامي خلال مداخلة ببرنامج «صباح الخير يا مصر»، إن الجهاز العصبي للأطفال يكون مرهفًا وقابلًا للتأثر بالمؤثرات الخارجية، مشيرًا إلى أن الدراسات وجدت أن التعرض لوسائل التواصل الاجتماعي والشاشات لفترات طويلة له بُعدان أساسيان، أولهما الوقت، فكلما قضى الطفل وقتًا طويلًا أمامها، تعرض جهازه العصبي لما وصفه بـ«الإنهاك» وعدم القدرة على تكوين الشبكات العصبية المهمة لنموه العقلي والاجتماعي والنفسي.
وأضاف أن البعد الثاني، وربما الأهم، يتمثل في المحتوى الذي يتعرض له الطفل خلال السنوات المبكرة، التي يسهل فيها التأثير عليه وتكوين ما وصفه بـ«برامج معرفية» تؤثر على رؤيته للحياة لاحقًا.
وأشار إلى أن بعض المحتويات قد تتضمن العنف والعدوان وعدم وجود القيم، إلى جانب التشتت وعدم القدرة على التركيز لفترات طويلة نتيجة اعتماد معظم المحتوى على المقاطع القصيرة والمركزة.
وأوضح أستاذ الطب النفسي أن الأطفال الذين يقضون فترات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي أو أمام الشاشات تفرز أجسامهم كميات كبيرة من مادة الدوبامين، لافتًا إلى أن الأنشطة الطبيعية، مثل مقابلة صديق أو ممارسة الرياضة، لا تفرز الكمية نفسها، ما قد يجعل الطفل وكأنه مجبر على مشاهدة وسائل التواصل الاجتماعي، ويؤثر على قدرته على تكوين العلاقات الاجتماعية والتعامل مع الحياة.
العزلة وتأثير العالم الافتراضي
وأكد رامي أن التعرض المستمر ولساعات طويلة للهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي يجعل الطفل محصورًا داخل دائرة العالم الافتراضي، بعيدًا عن المجتمع، وهو ما يؤثر على علاقاته الاجتماعية والأسرية.
وأضاف أن الدراسات وجدت ما وصفه بـ«العزلة والانعزالية»، بحيث يصبح الطفل وكأنه «عبد أو فريسة» لهذه الوسائل، مع عدم قدرته على تكوين شبكة اجتماعية، وهو أمر مهم جدًا للأطفال.
وأشار إلى أن هناك مادة كيميائية تُفرز لدى الأطفال عند حدوث تواصل اجتماعي مع الأسرة أو الأقران والأصدقاء، تُعرف باسم «الأوكسيتوسين»، موضحًا أن عدم إفراز هذه المادة يجعل الجهاز العصبي هشًا وقابلًا للتوتر والقلق، ثم الإصابة بالاكتئاب بعد ذلك.
ولفت إلى أن العالم الافتراضي قد يخلق صورة مشوهة ومزيفة عن الحياة، موضحًا أن بعض الأطفال قد يصلون إلى مرحلة لا يستطيعون فيها التعامل مع الحياة الواقعية، ويصبحون عالقين في العالم الافتراضي.
وأضاف أن العالم الافتراضي قد يخلق صورة مزيفة وكأنها هي الوضع الطبيعي، ما يؤدي إلى شعور الأطفال بالإحباط عند التعامل مع العالم الحقيقي، في ظل وجود حالة من التناقض بين الواقع وما يترسخ في أذهانهم.
وأوضح أن الأطفال في هذه السن لا يزالون في مرحلة لا يستطيع فيها التفكير التحليلي والنقدي التمييز بشكل كامل بين الخيال والواقع، وبالتالي قد يتحول الخيال إلى واقع بالنسبة لهم، بينما يصبح الواقع الحقيقي مصدرًا للإحباط.
تأثير التفاعل الرقمي على تقدير الذات
وفيما يتعلق بارتباط الأطفال في هذه السن بين التفاعل الرقمي وتقديرهم لأنفسهم وقيمتهم الذاتية، أوضح رامي أن هذه الظاهرة لها تأثير سيئ، مشيرًا إلى أن الطفل قد يربط قيمته بعدد الإعجابات والتعليقات والمتابعين على حساباته الشخصية.
وقال إن الطفل من المفترض طبيعيًا أن يحصل على الدعم النفسي من والديه وأجداده ومدرسته ومدرسيه، وليس من عدد الإعجابات التي لا يعرف مصدرها أو أسبابها.
وأضاف أن الطفل، مع العالم الافتراضي الرقمي، قد يصبح معتمدًا على عدد الإعجابات، ويتساءل عن عدد الإعجابات التي حصل عليها مقارنة بأصدقائه، في الوقت الذي يكون فيه جهازه العصبي لا يزال غير مكتمل النمو، ويتعرض لضغط انتظار الإعجابات.
وأكد أن اعتماد رؤية الطفل لنفسه على عدد الإعجابات أو غيرها من التفاعلات الرقمية قد يؤدي إلى تكوين صورة مزيفة أو مشوهة عن ذاته، بدلًا من تكوينها بشكل طبيعي من خلال الأسرة والمجتمع والمدرب والمدرس.
دور الأسرة في تنظيم استخدام السوشيال ميديا
وعن كيفية تعامل الآباء والأمهات مع أبنائهم الذين يقضون ساعات طويلة على الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، قال رامي إن من رحمة الله أن الجهاز العصبي للأطفال لا يزال أكثر شيء يحبه ويتأثر به هو الأب والأم.
وأوضح أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تخصيص وقت يومي للجلوس مع الأبناء والتحدث معهم، مؤكدًا أنه رغم جميع الإغراءات الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعي والمقاطع القصيرة، فإن الجهاز العصبي للأطفال يظل يفضل اهتمام الوالدين بهم، والاستماع إليهم والجلوس معهم.
وأضاف أن تشجيع الأبناء واحتضانهم والتواصل الجسدي معهم يمكن أن يجعل العلاقة الأسرية أكبر وأهم منافس للمنصات الافتراضية ووسائل التواصل الاجتماعي.
كما دعا إلى وضع نظام يومي يخصص وقتًا محدودًا لاستخدام هذه الوسائل، مع مشاركة الوالدين أبناءهم أثناء استخدامهم لها، حتى تكون هناك دائمًا عوامل تساعدهم على التفرقة بين ما هو جيد وما هو غير جيد.
وشدد رامي على أهمية تنوع الأنشطة التي يمارسها الأطفال، بحيث تتاح لهم فرصة ممارسة النشاط الرياضي والاجتماعي والتواصل مع آخرين، إلى جانب توفير مساحات للعب مع الأطفال في الحدائق أو الأندية أو مراكز الشباب أو أي مكان مناسب.
وأكد أن زيادة تنوع الأنشطة التي يمارسها الأطفال تسهم في تقليل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي عليهم.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض