لا شك أن ثورة "الذكاء الاصطناعي فائق الرخص" القادمة من الصين قد شكلت تهديدا لنماذج أعمال وادي السيليكون الهشة، لكن المعركة السعرية الضارية بدأت تنقلب سحرا على ساحر، محملةً قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني نفسه مخاطر غير مسبوقة على استدامته المالية.
قفزة الأسعار.. هل تنتهي حرب الخصومات؟
بعد سلسلة تحذيرات أطلقتها لعملائها بشأن زيادات مرتقبة، كشفت شركة "ديب سيك" (DeepSeek) عن هيكل تسعير جديد كلياً لأحدث نموذجيها "V4-Pro" و"V4-Flash".
وبحسب بلومبرج، النظام الجديد يعتمد على تقسيم الأوقات بين الذروة وخارجها، مسجلاً قفزات حادة تجعل بعض الرسوم أعلى بعدة مرات من مستوياتها السابقة.
وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تُعد إشارة إيجابية نحو محاولة تصحيح المسار، إلا أنها لن توقف حرب الأسعار؛ فحجم المنافسة في السوق الصيني شرس للغاية، ويضم نحو 1000 نموذج لغوي كبير يتسابق جميعها على تقديم الخدمات بأسعار زهيدة تمنع الشركات من بناء ميزات تنافسية حقيقية ومستدامة.
فخ الربحية وبدائل العملاء
تظل أسعار "ديب سيك" منخفضة بالمعايير العالمية رغم الزيادة؛ إذ تتقاضى الشركة في ساعات خارج الذروة نحو 0.22 دولار لكل مليون رمز إدخال و0.66 دولار للإخراج لنموذج "V4 Flash"، وتتضاعف في أوقات الذروة.
لكن هذا يقابله فارق هائل مع عمالقة الغرب مثل "أنثروبيك" التي تتقاضى أضعاف ذلك بكثير.
لكن المشكلة الأكبر تكمن في أن كثرة الإصدارات الحديثة تمنح العملاء بدائل فورية جاهزة للهروب إليها بمجرد شعورهم بأن الأسعار ارتفعت عن الحد المقبول، مما يجعل محاولات تحقيق الربحية مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ابتكارات هروباً من الخسائر: "تقاسم الإيرادات"
في ظل صعوبة رفع الأسعار بالطرق التقليدية دون طرد المستخدمين، تتجه الشركات الصينية لحلول مبتكرة؛ فقد استقطبت شركة "مونشوت" (Moonshot) اهتماماً عالمياً بشروط ترخيص نموذجها "Kimi K3"، حيث تفرض على الشركات التي تتجاوز إيراداتها 20 مليون دولار سنوياً إبرام اتفاقيات "تقاسم إيرادات"، وتدرس "علي بابا" تطبيق نهج مشابه لنموذجها "Qwen 3.8 Max".
رغم ذكاء هذه الحلول، إلا أن تطبيقها عملياً يظل بالغ الصعوبة وقد يتسبب في هجرة المطورين نحو منصات أخرى أبسط وأقل تعقيدا.
أين تذهب القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي؟
يطرح هذا المشهد تساؤلاً جوهرياً حول مكانة القيمة الفعلية: هل هي في النماذج الأساسية ذاتها، أم فيما يُبنى فوقها؟ إذا واصلت النماذج القوية انتشارها وتحولت الرموز إلى سلع قابلة للاستبدال الكامل، فإن القيمة ستتخندق حتماً في أماكن أخرى كالرقائق، والأجهزة، والحوسبة السحابية، وعلاقات العملاء.
ومع دخول عمالقة التقنية العالميين مثل "أوبن إيه آي" و"إنفيديا" و"ميتا" على خط خفض الأسعار ودعم البدائل المفتوحة رخيصة التكلفة، تزداد الضغوط على الشركات الصينية.
وفي النهاية، قد يكون من يتحمل الكلفة الباهظة لهذه الحرب الضروس بشكل غير مباشر هم الفئات التي تتأثر أولاً بتوغل الذكاء الاصطناعي في قطاعات العمل كالبرمجة وغيرها.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض