خزائن الذهب العالمية تقترب من الامتلاء مع اندفاع الأثرياء نحو السبائك المادية


الجريدة العقارية الاحد 08 نوفمبر 2026 | 12:17 مساءً
الذهب
الذهب
محمد عاطف

تزايد إقبال المستثمرين الأثرياء على امتلاك الذهب المادي خلال 2026، إلى درجة بدأت معها خزائن التخزين الخاصة في مراكز مالية عالمية تواجه ضغوطاً على طاقتها الاستيعابية، رغم التصحيح الذي شهدته أسعار المعدن النفيس خلال النصف الأول من العام.

ولم يؤدِ تراجع الأسعار إلى انحسار الطلب، بل دفع موجة جديدة من المستثمرين إلى شراء السبائك والاحتفاظ بها فعلياً، ما اضطر شركات التخزين إلى البحث عن مساحات إضافية وتوسيع منشآتها لاستيعاب التدفقات المتزايدة.

وبحسب تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز»، يعكس هذا الاتجاه تحولاً لدى أصحاب الثروات من الاستثمار في الأدوات المالية المرتبطة بالذهب إلى امتلاك المعدن مباشرة، باعتباره أصلاً مستقلاً عن المؤسسات والأنظمة المالية التقليدية.

شركات التخزين توسع منشآتها لمواكبة الطلب

بدأت شركة «شاربس بيكلي» (Sharps Pixley) البريطانية البحث عن منشأة جديدة لزيادة قدراتها التخزينية، مع ارتفاع اهتمام العملاء بحيازة الذهب المادي.

كما تعمل شركة «سويس غولد سيف» (Swiss Gold Safe) السويسرية على توسيع مواقع التخزين الستة التابعة لها، وفقاً لمسؤوليها التنفيذيين.

وتعتزم شركة «إم كيه إس بامب» (MKS Pamp) إنشاء خزينة كبيرة مخصصة لكبار العملاء، مع تقديم خدمات خاصة للمستثمرين الذين تتجاوز قيمة حيازاتهم من الذهب 50 مليون دولار.

وتسارعت هذه التحركات خلال الأشهر الـ12 إلى الـ18 الماضية، في مؤشر على تحول يتجاوز زيادة الطلب على المعدن، ليشمل تفضيل الملكية المباشرة للأصول بدلاً من الاستثمار غير المباشر عبر المنتجات المالية.

الابتعاد عن مخاطر المؤسسات المالية

يوضح مزودو خدمات التخزين أن العملاء باتوا يفضلون الذهب «المخصص والمنفصل»، أي السبائك المسجلة بأرقام محددة والمملوكة مباشرة لصاحبها، بدلاً من الاحتفاظ بها ضمن مجمعات أصول مشتركة.

ويأتي هذا التوجه مدفوعاً بمخاوف مخاطر الطرف المقابل، إذ يرى مستثمرون أن الاحتفاظ بالذهب خارج النظام المصرفي يوفر طبقة إضافية من الحماية خلال الاضطرابات المالية.

كما عززت المخاوف المرتبطة بالاعتماد على الأنظمة الرقمية جاذبية السبائك الفعلية، باعتبارها أصلاً لا يتطلب الاتصال بشبكة إلكترونية أو الاعتماد على مؤسسة وسيطة لإثبات ملكيته.

استطلاعات تكشف ارتفاع شهية الأثرياء للذهب

تعكس استطلاعات مؤسسات مالية عالمية اتساع الإقبال على الذهب بين أصحاب الثروات.

وأظهر استطلاع «إتش إس بي سي» (HSBC)، الذي شمل نحو 10 آلاف مستثمر من ذوي الملاءة المالية المرتفعة في 10 أسواق عالمية، أن 52% منهم يخططون لزيادة استثماراتهم في الذهب خلال 2026.

كما كشف استطلاع «يو بي إس» (UBS)، الذي شمل 307 مكاتب استثمارية عائلية بمتوسط ثروة يبلغ 2.7 مليار دولار للعائلة الواحدة، عن ارتفاع متوسط الحصة المستهدفة للذهب في المحافظ الاستثمارية من 2% في 2025 إلى 3% في 2026، بزيادة نسبتها 50%.

وفي السياق ذاته، أعلن بنك «بنك أوف سنغافورة» (Bank of Singapore) ارتفاع حيازات عملائه من الذهب المادي بأكثر من 40% مقارنة بنهاية 2025، مع استحواذ أصحاب الثروات الفائقة على الجزء الأكبر من الزيادة.

سنغافورة تضم أكثر من 800 طن من الذهب الخاص

بحسب تقديرات شركة «جيه روتبارت آند كو» (J. Rotbart & Co.) المتخصصة في تجارة المعادن الثمينة، ارتفعت حيازات الذهب الخاصة المخزنة في سنغافورة بنحو 16 ضعفاً منذ 2014، لتتجاوز 800 طن بحلول 2025، مع توقع استمرار النمو خلال 2026 و2027.

وتعادل هذه الكمية، وفق أسعار الذهب الحالية الواردة في التقرير، أكثر من 100 مليار دولار من المعدن النفيس المخزن داخل الدولة الآسيوية.

وتشير مؤسسات إدارة الثروات إلى أن جانباً كبيراً من التدفقات الجديدة جاء من أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط، مع سعي المستثمرين إلى توزيع أصولهم جغرافياً والابتعاد عن مخاطر التركيز في منطقة واحدة.

الطلب يمتد إلى المستثمرين الأفراد

لم تعد موجة شراء الذهب المادي مقتصرة على أصحاب المليارات ومكاتب إدارة الثروات العائلية، بل امتدت إلى شرائح أوسع من المستثمرين حول العالم.

وأظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن الاستثمارات في السبائك والعملات الذهبية بلغت 784 طناً خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 21% على أساس سنوي، لتسجل أحد أقوى مستويات الطلب خلال النصف الأول من العام في تاريخ السوق.

وفي الولايات المتحدة، ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية بنسبة 28% خلال الربع الثاني مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما يعكس اتساع قاعدة المستثمرين المقبلين على حيازة المعدن فعلياً.

خزائن سنغافورة تواجه ضغوطاً استيعابية

لم يقتصر تأثير الطلب المتزايد على أسعار الذهب، بل امتد إلى البنية التحتية المخصصة لتخزينه.

وأعلنت شركة «لو فريبورت» (Le Freeport)، التي تدير أحد أكبر مجمعات تخزين المعادن الثمينة في سنغافورة، أن معظم خزائنها تحت الأرض أصبحت شبه ممتلئة نتيجة ارتفاع الطلب.

كما تضاعف حجم الحيازات المخزنة أو ارتفع عدة مرات لدى مشغلين آخرين، فيما تعمل شركات التخزين في لندن وسويسرا وسنغافورة على توسيع طاقاتها الاستيعابية لمواكبة زيادة الطلب على السبائك الفعلية.

لماذا أصبحت سنغافورة وجهة مفضلة لتخزين الذهب؟

تستمد سنغافورة جاذبيتها لدى المستثمرين من مجموعة عوامل، تشمل الاستقرار السياسي والقانوني، وحماية حقوق الملكية الخاصة، إلى جانب تبني سياسة خارجية متوازنة نسبياً، وعدم مواجهتها تحديات مالية وسيادية بالحجم الذي تعانيه بعض الاقتصادات الغربية المثقلة بالديون.

وقال مؤسس شركة «ذا ريزيرف» (The Reserve)، غريغور غريغرسن، إن المستثمرين الذين يخططون للاحتفاظ بالذهب لمدة تتراوح بين 30 و40 عاماً يبحثون عن دولة مستقرة وقادرة على حماية أصولهم على المدى الطويل، وهو ما يعزز جاذبية سنغافورة.

البنوك تدخل سوق شراء وتخزين السبائك

امتد التنافس على جذب حائزي الذهب إلى المؤسسات المصرفية، إذ أطلق بنك «أو سي بي سي» (OCBC Bank) خلال 2026 خدمات لشراء الذهب المادي وتخزينه لعملاء الخدمات المصرفية الخاصة وأصحاب الثروات الفائقة.

وجاءت الخطوة بعدما أشار البنك إلى ارتفاع حيازات الذهب لدى هذه الفئة بأكثر من 40% مقارنة بنهاية 2025.

وتتيح الخدمة للعملاء امتلاك سبائك محددة بأرقامها التسلسلية، مع تخزينها داخل سنغافورة بدلاً من الاحتفاظ بها لدى جهات خارجية.

المخاطر الجيوسياسية والمالية تعيد رسم خريطة الذهب

تقف وراء زيادة الطلب مجموعة من المخاوف، تشمل ارتفاع الديون الحكومية عالمياً، وتصاعد الصراعات الجيوسياسية، والعقوبات الاقتصادية، وعدم اليقين السياسي، واحتمالات تعرض الأنظمة المالية التقليدية لاضطرابات.

وأصبحت مواقع تخزين الذهب جزءاً من استراتيجية إدارة المخاطر لدى أصحاب الثروات، إذ بدأت مكاتب استثمارية عائلية في الخليج ومناطق أخرى توزيع احتياطياتها بين مراكز مالية متعددة، من بينها دبي وسنغافورة وهونغ كونغ، لتقليل الاعتماد على ولاية قضائية واحدة.

ويشير هذا التحول إلى أن المستثمرين لم يعودوا يركزون فقط على شراء الذهب، بل باتوا يهتمون أيضاً بمكان تخزينه وطبيعة ملكيته والجهة التي تتولى حمايته، لتصبح البنية التحتية للتخزين جزءاً أساسياً من مفهوم الملاذ الآمن.