كشف الدكتور ديرك دورينك، خبير أول معادن قطاع الصلب والتعدين بشركة «ماكنزي آند كومباني» (McKinsey & Company) العالمية، أن مصانع الحديد والصلب تمتلك فرصاً حقيقية لخفض تكاليف التصنيع وتحقيق وفورات تشغيلية تتراوح بين 15 إلى 40 دولاراً لكل طن منتج، وذلك من خلال رفع كفاءة العمليات الإدارية والممارسات التشغيلية، بعيداً عن تقلبات أسعار المواد الخام أو عقود التوريد التجاري.
وأوضح د. دورينك، خلال مشاركته في مؤتمر لصناعة الصلب بالقاهرة، أنه بالنظر إلى مصنع ينتج قرابة 3 ملايين طن سنوياً، فإن هذا التميز التشغيلي يترجم إلى وفر مالي سنوي يتراوح بين 50 و150 مليون دولار؛ لافتاً إلى أنه على الرغم من حاجة نصف هذه الإمكانات إلى استثمارات تقنية، فإن النصف الآخر يعتمد بالكامل على "طريقة إدارة المصنع، والتنظيم الداخلي، والاستثمار في كفاءة الكوادر البشرية".
خمسة أسئلة حاسمة أمام قادة الشركات
وأشار خبير «ماكنزي» إلى أن خبرته الممتدة لأكثر من 18 عاماً وتشخيصه لنحو 150 مصنع صلب حول العالم تبيّن أن هناك خمسة تساؤلات جوهرية تواجه الرؤساء التنفيذيين ومديري التشغيل:
ما حجم الفرصة المتاحة؟ (وقد ثبت أنها تصل إلى 40 دولاراً/طن).
أين يقف المصنع مقارنة بالمنافسين؟
ما أسباب الفجوة وما الذي يميز المصانع الأفضل؟
ما الذي يمكن تنفيذه بشكل مغاير؟
ما هي الخطوات الفورية التالية للتنفيذ؟
وأكد دورينك أن دراسات المقارنة المعيارية (Benchmarking) تُظهر أن الفارق في الإنتاجية بين المصانع ذات الأداء المتوسط وأفضل 10% من المصانع عالمياً يتجاوز 10% باستخدام نفس المعدات تقريباً، مشدداً على أنه لم يسبق له رؤية "مصنع مثالي بنسبة 100%"؛ إذ تظل لدى كافة المصانع مساحات شاسعة للتحسين والتطوير.
الهدف من المقارنة المعيارية: الوصول إلى جذر المشكلة
ودعا د. دورينك قادة الصناعة إلى عدم التعامل مع مؤشرات المقارنة المعيارية كأداة لترتيب الشركات والتباهي بالأرقام، بل كوسيلة لتفكيك الفجوات حتى الوصول إلى الممارسة الفنية المسؤولة عنها في أرض المصنع.
وضرب مثالاً على ذلك بنسب الفاقد في أفران التسخين الناتجة عن تراكم القشور (Scale)، مبيناً أن الفارق بين المصانع الرائدة والمتوسطة في هذا الجانب وحده قد يعادل 1% من الهدر، وهو رقم كفيل بإحداث فارق مالي ضخم؛ حيث أثبتت التجربة أن معالجة هذا الخلل بتركيب حساسات دقيقة لضبط نسب الأكسجين والاحتراق تؤتي ثمارها وتسترد تكلفتها الاستثمارية خلال أسابيع معدودة.
كيف تنقل القيادة طموحاتها إلى العمال في الميدان؟
ورداً على استفسار حول كيفية تحويل رؤية الإدارة العليا وأهدافها إلى مسؤولية جماعية يتبناها العاملون في الورش والمصانع، لخص د. دورينك استراتيجية التغيير في أربعة محاور رئيسية:
شرح مبررات التغيير (The Why): توضيح أهمية التطوير للجميع، وانعكاسه المباشر على حماية استقرارهم الوظيفي ومستقبل المنشأة.
مواءمة الحوافز: تأسيس نظام مكافآت وتقدير مجزٍ ومباشر لكل من يسهم في تحقيق مستهدفات التطوير.
تخصيص الموارد البشرية الكافية: عدم الاكتفاء بإطلاق المبادرات دون إسنادها لمهندسين وكوادر متفرغة لقيادتها وتنفيذها.
القدوة والنزول إلى الميدان (Role Modeling): انخراط القادة التنفيذيين شخصياً في النقاشات الفنية والبحث المشترك عن حلول للتحديات.
الذكاء الاصطناعي.. أداة تسريع لا تلغي الفيزياء
وحول أثر الذكاء الاصطناعي (AI) على مستقبل المقارنة المعيارية في قطاع الصلب، صرح د. دورينك بأن الذكاء الاصطناعي يسهم بلا شك في إحداث ثورة في آليات العمل، خاصة في مجالات التخطيط الدقيق للإنتاج، وجدولة التدفق وعمليات الصب.
واختتم خبير «ماكنزي» حديثه بالقول: «رغم هذا التقدم، تكشف بيانات الـ 25 عاماً الماضية أن مستويات الأداء القصوى للصلب محكومة بحدود فيزيائية ثابتة لا يمكن تجاوزها بسهولة، كمعدلات استهلاك الطاقة والوقود في الأفران؛ ولذا فإن القيمة الكبرى للذكاء الاصطناعي لا تكمن في كسر هذه الحدود الفيزيائية، بل في تسريع نقل أفضل الممارسات التشغيلية ومساعدة المصانع المتوسطة على الاقتراب بسرعة من مستويات النخبة العالمية».
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض