بعد اختراق بينانس.. كيف يحمي المستثمر الصغير أمواله من سرقة العملات المشفرة؟


الجريدة العقارية الاحد 01 نوفمبر 2026 | 09:45 مساءً
اختراق
اختراق
أحمد رجب

أعادت واقعة اختراق منصة بينانس (Binance) وتسريب أصول تقدر بنحو 6.3 مليار دولار تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه المستثمرين في سوق العملات المشفرة، رغم تعهد المنصة بتحمل الخسائر من خلال صندوق التأمين والموارد المالية الخاصة بها، دون تحميل العملاء تكلفة الواقعة حتى الآن.

لكن الأزمات الكبرى لا تقتصر مخاطرها على الاختراق نفسه، إذ يستغل المحتالون حالة القلق التي تصيب المستخدمين لإطلاق حملات احتيالية تستهدف سرقة بيانات الدخول والاستيلاء على المحافظ الرقمية، ولهذا حذر مؤسس بينانس، تشانغبينغ تشاو، المستخدمين من التعامل مع الروابط المشبوهة التي تصل عبر البريد الإلكتروني.

وتوضح الإحصائيات حجم التهديد الذي يواجه المستثمرين، حيث سجل الأميركيون خسائر بلغت 11.36 مليار دولار نتيجة عمليات الاحتيال المرتبطة بالعملات المشفرة خلال عام 2025، بزيادة وصلت إلى 22% مقارنة بالعام السابق، وفقًا لتقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، واستحوذت عمليات الاحتيال الاستثماري على نحو 7.2 مليار دولار من إجمالي هذه الخسائر.

اختراق المنصات أم سرقة الحسابات.. ما المخاطر التي تواجه المستثمر؟

تختلف التهديدات التي يتعرض لها مستثمرو العملات الرقمية، ويمكن تقسيمها إلى نوعين أساسيين، لكل منهما طريقة مختلفة في التعامل والحماية.

يتمثل النوع الأول في اختراق منصة التداول نفسها، وهو خطر لا يستطيع المستخدم منعه بشكل مباشر، لأن الهجوم يستهدف الأنظمة والبنية التقنية للمنصة، ويكون دور المستثمر هنا هو تقليل حجم الأموال المعرضة للخطر.

أما النوع الثاني فيرتبط بالحساب الشخصي أو المحفظة الرقمية للمستثمر، حيث يعتمد المحتالون على سرقة كلمات المرور أو استخدام البرامج الضارة ورسائل التصيد للوصول إلى الأصول الرقمية، ويمنح هذا النوع المستثمر فرصة أكبر لحماية نفسه من خلال اتباع إجراءات الأمان المناسبة.

وبحسب بيانات شركة تشيناليسيس (Chainalysis)، شهد عام 2025 نحو 158 ألف واقعة اختراق للمحافظ الشخصية، تسببت في خسائر قدرت بنحو 713 مليون دولار، وطالت ما لا يقل عن 80 ألف ضحية، كما رصدت الشركة ارتفاعًا ملحوظًا في سرقات المحافظ داخل أوروبا الشرقية ومناطق من الشرق الأوسط.

توزيع الأموال بين المنصات يقلل مخاطر الخسائر

من أهم الخطوات التي يمكن للمستثمر الصغير اتباعها عدم الاحتفاظ بجميع أمواله داخل منصة تداول واحدة، لأن تعرض المنصة لأي أزمة تقنية أو مالية قد يضع جزءًا كبيرًا من استثماراته في دائرة الخطر.

ويمكن تقليل هذه المخاطر من خلال توزيع الأصول على أكثر من منصة موثوقة، مع الاحتفاظ بجزء من العملات الرقمية في محفظة خاصة، بما يحد من الاعتماد الكامل على جهة واحدة.

كما يجب عدم التعامل مع صناديق التأمين التي تعلن عنها منصات التداول باعتبارها ضمانًا حكوميًا لاسترداد الأموال، فهي تختلف عن أنظمة حماية الودائع المصرفية، ويظل التعويض مرتبطًا بقدرة المنصة على الوفاء بالتزاماتها.

وتبرز تجربة انهيار منصة إف تي إكس (FTX) عام 2022 أهمية عدم الاعتماد الكامل على وعود شركات التداول، خاصة أن عملاء المنصة تعرضوا لخسائر كبيرة بعد انهيارها.

ومن الضروري أيضًا متابعة التقارير الدورية التي تكشف حجم الاحتياطيات المالية للمنصة، ومدى قدرتها على تغطية أرصدة العملاء، مع الحذر من الشركات التي لا تقدم معلومات واضحة بشأن أصولها والتزاماتها.

خطوات مهمة لتأمين حسابك على منصات العملات المشفرة

لا يحتاج تأمين حساب التداول إلى إجراءات معقدة، لكن الالتزام بمجموعة من التدابير الأساسية يمكن أن يقلل فرص وصول المحتالين إلى الأموال.

ويأتي تفعيل المصادقة الثنائية في مقدمة هذه الإجراءات، حيث تضيف وسيلة تحقق أخرى إلى جانب كلمة المرور، ويُفضل استخدام تطبيقات المصادقة المتخصصة بدلًا من الاعتماد على الرسائل النصية، التي قد تتعرض للاختراق من خلال الاستيلاء على رقم الهاتف أو تبديل شريحة الاتصال.

ومن وسائل الحماية المهمة أيضًا تفعيل خاصية عناوين السحب الموثوقة، والتي تسمح للمستخدم بتحديد المحافظ التي يمكن تحويل الأموال إليها مسبقًا، ما يضيف حاجزًا إضافيًا أمام عمليات السحب غير المصرح بها.

كذلك يمكن الاستفادة من خاصية مكافحة التصيد، التي تعتمد على رمز شخصي يظهر داخل رسائل البريد الإلكتروني الرسمية الصادرة عن المنصة، ويساعد المستخدم على التمييز بين المراسلات الحقيقية والرسائل المزيفة.

ويجب اختيار كلمة مرور قوية ومختلفة لكل حساب، مع تجنب استخدام بيانات الدخول نفسها في البريد الإلكتروني ومنصة التداول، حتى لا يؤدي اختراق أحد الحسابات إلى تهديد الحسابات الأخرى.

المحفظة الساخنة والباردة.. أيهما أكثر أمانًا لأموالك؟

تعتبر عبارة الاسترداد من أهم عناصر حماية المحافظ الرقمية، فهي تتكون عادة من 12 أو 24 كلمة، وتمنح من يمتلكها القدرة على الوصول إلى الأموال والتحكم فيها.

ولهذا ينبغي الاحتفاظ بها في مكان آمن بعيدًا عن الأجهزة المتصلة بالإنترنت، وعدم إرسالها عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات المحادثات، أو تصويرها وتخزينها على الهاتف.

ومن الضروري أن يعرف المستثمر الفرق بين المحافظ الساخنة والمحافظ الباردة قبل اختيار الوسيلة المناسبة لحفظ أصوله الرقمية.

المحافظ الساخنة: تتصل بالإنترنت، وتوفر سهولة في إجراء المعاملات اليومية، لكنها تكون أكثر عرضة لمحاولات الاختراق والبرمجيات الخبيثة.

المحافظ الباردة: تحتفظ بالمفاتيح الرقمية بعيدًا عن الاتصال المباشر بالإنترنت، وتشمل أجهزة مادية مخصصة لحفظ العملات المشفرة، وتناسب بشكل أكبر المستثمرين الذين يرغبون في الاحتفاظ بأصولهم لفترات طويلة.

ويعتمد الاختيار بين النوعين على طبيعة استخدام المستثمر وحجم الأموال التي يحتفظ بها، مع ضرورة الالتزام بإجراءات الحماية في جميع الأحوال.

رسائل احتيالية تستغل اختراق بينانس.. كيف تتجنب الوقوع في الفخ؟

تتحول الأزمات المرتبطة بمنصات العملات الرقمية إلى فرصة للمحتالين لاستهداف المستخدمين، حيث يرسلون رسائل تبدو وكأنها صادرة عن الجهات الرسمية، بهدف إثارة الخوف ودفع الضحايا إلى اتخاذ قرارات متسرعة، ومن أبرز الأساليب التي يجب الانتباه إليها:- 

- التحذير من إغلاق الحساب: يتلقى المستخدم رسالة تزعم وجود خطر على حسابه، وتطالبه بتحويل أمواله إلى محفظة أخرى لحمايتها، وهي حيلة تهدف إلى الاستيلاء على الأصول.

- روابط التحقق المزيفة: تنتشر رسائل نصية تطلب تحديث بيانات الحساب أو تأكيد الهوية من خلال روابط مختصرة، وقد حذرت بينانس في سبتمبر من رسائل مزيفة تدعي اكتشاف نشاط غير معتاد.

- حسابات الدعم الفني الوهمية: ينتحل المحتالون صفة موظفي خدمة العملاء عبر واتساب وتليغرام، ويحاولون إقناع المستخدمين بوجود مشكلة عاجلة تتطلب مشاركة بياناتهم.

- المواقع المقلدة: ينشئ المحتالون صفحات إلكترونية تشبه المواقع الرسمية لمنصات التداول، بهدف الحصول على كلمات المرور وبيانات الدخول.

وكانت بينانس قد نبهت في عام 2024 إلى انتشار حسابات مزيفة على تطبيق واتساب في دبي، تدعي ارتباطها بالمنصة وتستخدم أساليب مختلفة للإيقاع بالمستخدمين.

وتتمثل أهم وسيلة للوقاية في عدم فتح الروابط المجهولة، والاعتماد على التطبيق الرسمي أو كتابة عنوان الموقع يدويًا، مع التواصل مع خدمة العملاء من خلال القنوات المعتمدة فقط.

الأرباح المضمونة.. علامة تحذيرية أمام المستثمرين الصغار

لا تقتصر مخاطر سوق العملات المشفرة على اختراق الحسابات والمحافظ، بل تمتد إلى عمليات الاحتيال التي تتخفى في صورة فرص استثمارية تحقق أرباحًا كبيرة خلال وقت قصير.

ويعتمد المحتالون في هذه الطريقة على الترويج لمنصات استثمارية غير موثوقة، أو تقديم أنفسهم باعتبارهم خبراء قادرين على تحقيق عوائد مرتفعة ومضمونة، وقد يبدأ التواصل مع الضحايا عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو تطبيقات التعارف.

وبعد كسب ثقة المستثمر، يتم إقناعه بتحويل الأموال إلى منصات يتحكم فيها المحتالون، وقد تعرض هذه المواقع أرباحًا وهمية بهدف تشجيعه على ضخ المزيد من الأموال.

ويجب على المستثمر إدراك أن الأسواق المالية لا توفر أرباحًا مرتفعة ومضمونة في الوقت نفسه، وأن أي جهة تتعهد بعائد ثابت وكبير دون مخاطر تستدعي قدرًا كبيرًا من الحذر والتحقق.

حماية أموال العملات المشفرة مسؤولية المستثمر والمنصة

تكشف الأزمات التي تتعرض لها منصات التداول الكبرى أن المستثمر لا يستطيع التحكم في جميع المخاطر، خاصة تلك المرتبطة بالاختراقات التي تستهدف البنية التقنية للشركات نفسها.

لكن في المقابل، يمكن الحد من نسبة كبيرة من المخاطر الشخصية من خلال استخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل وسائل التحقق الإضافية، وتأمين عبارات استرداد المحافظ، والابتعاد عن الروابط والرسائل مجهولة المصدر.

وفي ظل غياب نظام مصرفي تقليدي يتيح إلغاء التحويلات الرقمية المسروقة أو استردادها بسهولة، يصبح الوعي الأمني عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الاستثمارات، خصوصًا بالنسبة لصغار المستثمرين الذين قد تؤثر أي خسارة كبيرة على مدخراتهم.