دخلت أسعار الذهب مرحلة صعبة بعد موجة تراجعات قوية شهدتها الأسواق العالمية، دفعت المعدن الأصفر إلى تسجيل أدنى مستوياته في عام، وسط تزايد المخاوف بشأن استمرار التضخم واحتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية لفترة أطول، بالإضافة إلى تصاعد عمليات البيع وتصفية المراكز الاستثمارية.
وتعرض الذهب لضغوط إضافية خلال تعاملات الجمعة، بعدما كسر مستوى الدعم الرئيسي عند 3970 دولارًا للأوقية، بالتزامن مع تراجع أسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عالميًا، لينهي التعاملات دون مستوى 3900 دولار.
وخلال أكتوبر، سجل المعدن النفيس خسائر شهرية بلغت 12.7%، في أسوأ أداء شهري له خلال أكتوبر منذ الأزمة المالية العالمية، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة الذهب على استعادة جاذبيته الاستثمارية في ظل الظروف الحالية.
ويرى أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في «ساكسو بنك»، أن الضغوط الفنية وتراجع الإقبال على المخاطرة يمثلان تحديًا أمام أسعار الذهب، رغم استمرار العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي تدعم مكانته على المدى الطويل.
موجة البيع تضغط على استثمارات الذهب وتدفع المستثمرين للتخارج
تزامن انخفاض أسعار الذهب مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، فضلًا عن تصاعد التوترات الجيوسياسية واحتمالات تنفيذ الولايات المتحدة تحركات عسكرية جديدة ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وأدى كسر مستويات الدعم الفنية إلى زيادة عمليات البيع وتصفية مراكز الشراء، وهو ما امتد تأثيره إلى الصناديق الاستثمارية المتداولة المدعومة بالذهب.
وأظهرت بيانات «بلومبرج» تراجع حيازات هذه الصناديق بنحو 6 أطنان خلال الأسبوع الماضي، بعدما كانت قد سجلت مشتريات تراكمية وصلت إلى نحو 150 طنًا منذ يوليو الماضي.
ورغم أن حجم التخارج الأخير يبدو محدودًا مقارنة بالمشتريات السابقة، فإن توقيت هذه الاستثمارات يمثل مصدر قلق، حيث دخل كثير من المستثمرين السوق عند مستويات سعرية مرتفعة، ما يجعل استمرار الهبوط عامل ضغط على قرارات الاحتفاظ بالذهب.
ويشير هانسن إلى أن قدرة المستثمرين على تحمل الخسائر الحالية دون التخلي عن مراكزهم الاستثمارية ستكشف مدى تمسكهم بالتوقعات الإيجابية للمعدن الأصفر على المدى الطويل.
صناديق التحوط تواصل تقليص مراكزها في الذهب
تعكس تحركات صناديق التحوط تراجعًا واضحًا في التفاؤل بشأن أسعار الذهب، بعدما سجلت هذه الصناديق صافي مبيعات في العقود الآجلة للمعدن النفيس لمدة 9 أسابيع متتالية.
وبحسب بيانات التزامات المتداولين (COT)، انخفض صافي مراكز الشراء إلى نحو 107 آلاف عقد قبل موجة الهبوط الأخيرة، ليصبح أعلى بنحو 15 ألف عقد فقط من أدنى مستوى سجله خلال وقت سابق من العام.
وتشير هذه البيانات إلى أن جانبًا كبيرًا من المراكز المضاربية في الذهب جرى التخلص منه بالفعل، لكن استمرار ضعف المؤشرات الفنية قد يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط البيعية خلال الفترة المقبلة.
وتزداد المخاطر إذا امتدت موجة الخسائر إلى أسواق الأسهم العالمية، حيث قد يضطر المستثمرون إلى بيع حيازاتهم من الذهب للحصول على السيولة اللازمة لتغطية الخسائر والالتزامات المالية المرتبطة بالاستثمارات ذات الرافعة المالية.
كما ساهم تراجع أداء الفضة في زيادة الضغوط على قطاع المعادن النفيسة، حيث ارتفعت نسبة الذهب إلى الفضة إلى نحو 79، وهو أعلى مستوى لها خلال 11 شهرًا، بما يعكس تفوق أداء الذهب نسبيًا على الفضة خلال موجة التراجع.
هل ما زال الذهب يحتفظ بمقومات الصعود على المدى الطويل؟
رغم الانخفاضات الأخيرة، يرى خبراء السوق أن العوامل الأساسية التي تدعم الاستثمار في الذهب لم تتغير بصورة جوهرية، حيث لا تزال هناك مجموعة من التحديات الاقتصادية والسياسية التي تعزز أهمية المعدن الأصفر داخل المحافظ الاستثمارية.
وتشمل أبرز هذه العوامل ارتفاع مستويات الديون الحكومية عالميًا، والمخاوف بشأن قدرة بعض الدول على إدارة أوضاعها المالية، بالإضافة إلى استمرار التوترات الجيوسياسية وتوجه بعض الاقتصادات إلى تقليل الاعتماد على الدولار في معاملاتها واحتياطياتها.
وتدعم هذه المتغيرات دور الذهب باعتباره أحد الأصول التي تساعد المستثمرين على تنويع استثماراتهم والحفاظ على القيمة في مواجهة التقلبات الاقتصادية.
لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يضعف هذه العوامل الداعمة على المدى القصير، إذا أدى إلى زيادة معدلات التضخم ودفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وتكمن المشكلة في أن الذهب لا يحقق عائدًا دوريًا لحائزيه، وبالتالي يصبح أقل جاذبية نسبيًا عندما ترتفع عوائد السندات والأصول المالية الأخرى.
قرارات الاحتياطي الفيدرالي قد تعيد رسم مسار أسعار الذهب
تظل السياسة النقدية الأمريكية أحد أهم العوامل التي ستحدد اتجاه المعدن الأصفر خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع تغير توقعات الأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة.
وبحسب تحليل أولي هانسن، تراجعت توقعات المستثمرين بشأن عدد الزيادات المحتملة في أسعار الفائدة الأمريكية من ثلاث زيادات إضافية إلى زيادتين.
ومن الممكن أن تؤدي زيادة اضطرابات الأسواق المالية إلى إعادة تقييم الاحتياطي الفيدرالي لأولوياته، خاصة إذا أصبحت مخاطر الاستقرار المالي أكثر إلحاحًا، ما قد يقلل احتمالات تشديد السياسة النقدية.
وفي حال تراجع توقعات رفع الفائدة، قد يضعف الدولار الأمريكي وتتحسن جاذبية الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا دوريًا، لكنه قد يستفيد من انخفاض العوائد على الأدوات الاستثمارية المنافسة.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو قد يحمل مخاطر أخرى، حيث إن اتجاه البنك المركزي الأمريكي نحو تخفيف السياسة النقدية مع استمرار التضخم قد يثير مخاوف بشأن استقرار الأوضاع المالية والنقدية على المدى الطويل.
وبالتالي، لا يمثل تغير توقعات الفائدة محفزًا مؤكدًا لارتفاع الذهب في الوقت الحالي، لكنه يظل أحد العوامل التي يمكن أن تغير اتجاه السوق إذا تحققت الظروف المناسبة.
مستوى 4000 دولار يحدد مستقبل الذهب في الأسواق العالمية
على الصعيد الفني، ازدادت الضغوط على الذهب بعدما سجل إغلاقًا دون مستوى 3886 دولارًا للأوقية، وهو القاع الذي وصل إليه المعدن خلال التصحيح السعري في أكتوبر 2025.
ويرى هانسن أن عودة النظرة المحايدة إلى حركة الذهب على المدى القصير تتطلب استعادة الأسعار لمستوى 4000 دولار للأوقية وتجاوزه، بينما استمرار التداول دون المستويات الفنية الرئيسية يبقي احتمالات الهبوط قائمة، ومن المنتظر أن تتحدد حركة الذهب خلال الفترة المقبلة وفق مجموعة من المؤثرات، أبرزها:-
- أداء أسواق الأسهم العالمية: استمرار تراجع الأسهم قد يدفع المستثمرين إلى تسييل استثماراتهم في الذهب لتوفير السيولة.
- التوترات الجيوسياسية: أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط قد يعيد زيادة الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا.
- أسعار الطاقة والتضخم: استمرار ارتفاع النفط قد يعزز الضغوط التضخمية ويؤثر على قرارات الفيدرالي الأمريكي.
- أسعار الفائدة والدولار: تراجع توقعات التشديد النقدي قد يوفر دعمًا جديدًا للمعدن الأصفر.
وفي النهاية، لا تعني موجة الهبوط الحالية بالضرورة انتهاء جاذبية الذهب الاستثمارية، لكنها تكشف عن تراجع قدرته على مقاومة ضغوط السيولة وعمليات البيع في الأجل القصير.
ويظل تعافي المعدن النفيس مرتبطًا بمدى استقرار الأسواق المالية وتغير توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، بما يسمح للعوامل الاقتصادية والجيوسياسية الداعمة للذهب باستعادة تأثيرها على حركة الأسعار.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض