أكد الدكتور هاشم عقل، خبير شؤون النفط والطاقة، أن شركات البترول الكبرى متعددة الجنسيات تمتلك نفوذًا اقتصاديًا واسعًا يجعل قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة أكبر من قدرة الحكومات على التحكم في سياساتها الإنتاجية والتسعيرية، مشيرًا إلى أن المستهلكين يتحملون في النهاية تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة من خلال زيادة تكاليف السلع والخدمات ومعدلات التضخم.
وأوضح عقل، خلال مداخلة عبر تطبيق «زووم» من العاصمة الأردنية عمّان مع قناة «إكسترا نيوز»، أن شركات البترول الكبرى تحقق أرباحًا ضخمة في ظل الأزمات الحالية، لكنها لا تتجه بالضرورة إلى توجيه هذه الأرباح نحو زيادة الاستثمارات والإنتاج، حيث يذهب جزء كبير منها إلى المساهمين في صورة توزيعات أرباح، بينما يخصص جزء آخر لتطوير المشروعات.
وأشار إلى أن الاحتفاظ بالأموال في البنوك الأجنبية والاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية يمثل توجهًا شائعًا لدى العديد من الدول والشركات الكبرى، موضحًا أن استثمارات الصين واليابان والدول الأوروبية والعربية في سندات الخزانة الأمريكية تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، نتيجة الثقة في الاقتصاد الأمريكي وقدرته على تحقيق عوائد استثمارية.
وأضاف أن شركات البترول وشركات صناعة الأسلحة ليست استثناءً من هذه القاعدة، إذ تسعى إلى تعظيم أرباحها والحفاظ على العوائد التي يحصل عليها المساهمون، وهو ما يضع ضغوطًا مستمرة على إدارات هذه الشركات لتحقيق مستويات مرتفعة من الأرباح.
لماذا لا تزيد شركات النفط الأمريكية إنتاجها؟
وفيما يتعلق بعدم التوسع في إنتاج النفط والغاز، أوضح عقل أن الشركات لا ترغب في خفض أرباح المستثمرين أو ضخ استثمارات جديدة في حفر آبار إضافية، لافتًا إلى أن جزءًا من السيولة المتاحة لديها يذهب إلى المساهمين، بينما يظل الجزء المخصص لتطوير المشروعات محدودًا مقارنة بحجم الأموال والأرباح المحققة.
وأشار إلى أن هناك أزمة أخرى تواجه أسواق الطاقة تتمثل في تراجع قدرات تكرير البترول عالميًا، وعدم وجود استعداد كافٍ لدى الشركات الكبرى للاستثمار في إنشاء مصافٍ جديدة، رغم الحاجة إلى زيادة طاقات التكرير.
وأضاف أن إنشاء مصافي البترول يحتاج إلى فترة تتراوح بين 3 و4 سنوات، وهو ما يجعل الشركات مترددة في ضخ استثمارات ضخمة طويلة الأجل، خشية انتهاء موجة ارتفاع هوامش التكرير قبل بدء تشغيل المصافي الجديدة، وبالتالي عدم تحقيق الأرباح نفسها التي تحققها في الوقت الحالي.
وأوضح أن بعض الشركات تفضل خفض الإنتاج أو الإبقاء عليه عند مستويات ثابتة بدلًا من التوسع في الإنتاج والتكرير، طالما أن مستويات الأسعار وهوامش التكرير الحالية تتيح لها تحقيق عوائد مرتفعة.
عقل: شركات البترول أقوى من الحكومات
وحول قدرة الحكومات على التدخل للحد من ارتفاع الأسعار وحماية المواطنين من التضخم، أكد خبير شؤون النفط والطاقة أن الشركات متعددة الجنسيات تمتلك نفوذًا كبيرًا، ولا تخضع بسهولة للضغوط الحكومية، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية.
واستشهد بمحاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغط على رؤساء شركات البترول الكبرى لخفض أسعار البنزين والديزل، موضحًا أنه عقد اجتماعات معهم قبل نحو شهرين مع بدء ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة، إلا أن الشركات لم تستجب لمطالبه، ولم يتمكن من فرض تخفيضات عليها، مشيرًا إلى أنه يحاول ممارسة ضغوط جديدة عليها في الوقت الحالي.
وأضاف أن الشركات الكبرى تضع مصالحها الاستثمارية وعوائد مساهميها في مقدمة أولوياتها، وهو ما يحد من قدرة الحكومات على فرض سياسات مباشرة عليها فيما يتعلق بخفض الأسعار أو زيادة الإنتاج.
3 أدوات حكومية لتخفيف أعباء ارتفاع الطاقة
وأوضح عقل أن الحكومات لا تزال تمتلك عددًا من الأدوات للتعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة وتقليل تأثيرها على المستهلكين والقطاعات الاقتصادية، حتى في ظل محدودية قدرتها على إجبار الشركات الكبرى على تغيير سياساتها.
وحدد هذه الأدوات في ثلاثة إجراءات رئيسية:
دعم الطاقة: من خلال تقديم دعم يساهم في تقليل التكلفة التي يتحملها المستهلكون والقطاعات الاقتصادية نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والطاقة.
وضع سقف سعري: عبر تحديد حدود قصوى للأسعار، وهو إجراء لجأت إليه بعض الحكومات، وإن لم تطبقه الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية وفقًا لما ذكره.
الدعم النقدي المباشر: من خلال تقديم مساعدات مالية مباشرة للأفراد والقطاعات الاقتصادية المتضررة من ارتفاع تكاليف الطاقة.
واختتم عقل بالتأكيد على أن هذه الإجراءات تمثل الوسائل التي تستطيع الحكومات اللجوء إليها لتخفيف الأعباء عن المواطنين والقطاعات الإنتاجية، في ظل صعوبة فرض سياسات مباشرة على شركات البترول والأسلحة الكبرى، التي وصفها بأنها تمتلك نفوذًا اقتصاديًا يتجاوز قدرة الحكومات على التحكم في قراراتها.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض