أزمة السندات الفرنسية تهدد أسواق الديون العالمية.. هل تستفيد أمريكا؟


الجريدة العقارية السبت 10 أكتوبر 2026 | 05:47 صباحاً
فرنسا
فرنسا
أحمد رجب

تثير أزمة الدين الفرنسي تساؤلات بشأن مستقبل أسواق الديون العالمية، في ظل ارتفاع عوائد السندات الفرنسية إلى مستويات لم تشهدها منذ عام 2002، مع تزايد المخاوف من العجز المالي والاضطرابات السياسية في باريس، وهو ما يعيد تقييم المخاطر المرتبطة بالديون السيادية داخل منطقة اليورو.

وفي المقابل، قد تدفع الضغوط على السندات الفرنسية بعض المستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من سندات الخزانة الأمريكية، باعتبارها من أبرز أدوات الاستثمار في أوقات الاضطرابات المالية، لكن الولايات المتحدة تواجه بدورها تحديات تتعلق بارتفاع احتياجات الاقتراض وتكلفة خدمة الدين، ما يثير تساؤلات حول قدرة سوق السندات الأمريكية على جذب مزيد من الأموال دون زيادة التقلبات.

وبلغ عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات نحو 4.994% خلال موجة البيع الأخيرة، وهو أعلى مستوى منذ 24 عامًا، فيما لامس عائد السندات الأمريكية 5.3645%، وسط مخاوف من التضخم وتزايد الدين الحكومي، وفق بيانات نقلتها رويترز في 9 أكتوبر.

أزمة فرنسا ترفع تكلفة الاقتراض

لم تعد السندات الفرنسية تحظى بالتقييم نفسه الذي تتمتع به الديون الألمانية، بعدما اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 150 نقطة أساس مطلع أكتوبر، للمرة الأولى منذ أواخر عام 2011.

ويعكس هذا التغير زيادة اهتمام المستثمرين بالفروق بين الاقتصادات الأوروبية من حيث القدرة على ضبط الإنفاق العام والسيطرة على العجز، بدلًا من الاعتماد فقط على عضوية منطقة اليورو باعتبارها عاملًا للاستقرار المالي.

وتخطط فرنسا لإصدار سندات بقيمة قياسية تبلغ 340 مليار يورو خلال عام 2027، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن قدرة الحكومة المقبلة على تنفيذ إصلاحات مالية، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل المقبل، بحسب رويترز.

الدين العام الفرنسي يقترب من 3.5 تريليون يورو

تتجاوز الضغوط التي تواجهها فرنسا التحركات اليومية في أسواق المال، حيث يبلغ الدين العام نحو 3.5 تريليون يورو، بما يعادل قرابة 120% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يُتوقع أن يصل عجز الموازنة إلى 5.4% خلال عام 2026، مقارنة بالسقف الأوروبي المحدد عند 3%.

وتواجه الحكومة الفرنسية صعوبات في تمرير إجراءات تستهدف خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، في ظل مقاومة سياسية واجتماعية لهذه الخطوات، كما تزيد تكاليف الطاقة المرتبطة بحرب الشرق الأوسط من التحديات المتعلقة باحتواء التضخم ودعم النمو الاقتصادي.

وتتمثل إحدى أبرز المخاطر في احتمال دخول المالية العامة الفرنسية في دائرة من الضغوط المتزايدة؛ فارتفاع عوائد السندات يرفع تكلفة إعادة تمويل الديون، ما يزيد الأعباء على الموازنة ويحد من قدرة الحكومة على تقليص العجز، وقد يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى، وفقًا لصحيفة فايننشال تايمز.

هل تجذب سندات الخزانة الأمريكية أموال المستثمرين؟

قد يؤدي تراجع الثقة في السندات الفرنسية إلى توجيه جزء من الاستثمارات نحو سندات الخزانة الأمريكية، مستفيدة من ضخامة السوق الأمريكية ومستويات السيولة المرتفعة، بالإضافة إلى العوائد التي توفرها مقارنة بعدد من الأسواق المتقدمة.

وقال ويليام لي، كبير الاقتصاديين في معهد ميلكن، إن أزمة فرنسا تمنح سندات الخزانة الأمريكية دعمًا، لأنها تكشف صعوبة استمرار الحكومات في تمويل عجز الموازنات دون تحمل تكاليف اقتراض متزايدة.

وتستند جاذبية السندات الأمريكية إلى عدة عوامل، أبرزها سيولة السوق، والمكانة العالمية للدولار، وإمكانية الحصول على عوائد مرتفعة نسبيًا.

لكن انتقال الأموال إلى الولايات المتحدة ليس أمرًا مضمونًا، حيث يضع المستثمرون في حساباتهم تقلبات سعر الدولار وتكلفة التحوط من مخاطر العملة، فضلًا عن احتمالات استمرار ارتفاع العوائد الأمريكية، وهو ما قد يؤثر على أسعار السندات القائمة.

ارتفاع الدين الأمريكي يضع واشنطن أمام تحديات

في الوقت الذي تواجه فيه فرنسا ضغوطًا متزايدة، تواجه الولايات المتحدة تحديات مرتبطة بارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض، وحذر دان إيفاسين، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «بيمكو»، في تصريحات نقلتها فايننشال تايمز ورويترز، من احتمال وصول عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 6%، للمرة الأولى منذ عام 2000، مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط والتضخم وتزايد الدين الحكومي.

وبنهاية تعاملات الجمعة 9 أكتوبر، تراجع العائد الأمريكي لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.24%، وفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، بدعم من الطلب القوي في مزادات الخزانة، رغم بقائه قرب أعلى مستوياته منذ أكثر من عقدين.

وتظهر بيانات جمعية صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية الأمريكية «SIFMA» ارتفاع إصدارات أدوات الدخل الثابت الأمريكية إلى 9.52 تريليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بزيادة سنوية بلغت 10.4%، وهو ما يعكس استمرار اتساع احتياجات التمويل في السوق الأمريكية.

هل تمتد أزمة السندات إلى المصارف الأوروبية؟

تزداد المخاوف من تداعيات الأزمة إذا امتدت عمليات بيع السندات إلى القطاع المصرفي الأوروبي، الذي يحتفظ بمحافظ كبيرة من الديون السيادية.

ويؤدي ارتفاع عوائد السندات عادة إلى انخفاض أسعار السندات المتداولة، ما قد يتسبب في خسائر تقييمية للمؤسسات المالية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التمويل وزيادة مخاطر تعثر المقترضين.

وذكرت رويترز أن مؤشر أسهم البنوك الأوروبية تراجع بنحو 3.5% خلال تعاملات 7 أكتوبر، وسط مخاوف من انتقال الضغوط المرتبطة بفرنسا إلى أسواق أخرى داخل منطقة اليورو.

ومع ذلك، لا يتوقع المستثمرون بالضرورة تكرار أزمة الديون الأوروبية السابقة، إذ نقلت فايننشال تايمز عن مديري أصول بدء اقتناص فرص استثمارية في السندات الإيطالية وديون الشركات الأوروبية، مع الاستناد إلى الأدوات المتاحة لدى البنك المركزي الأوروبي لاحتواء اضطرابات الأسواق.

تدفقات الأموال تكشف اتجاه المستثمرين

تعكس حركة الأموال في الأسواق العالمية تفضيل بعض المستثمرين للأدوات الأكثر سيولة في ظل تصاعد المخاطر. ووفقًا لبيانات نقلتها رويترز، استقطبت صناديق أسواق النقد العالمية 153.81 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 7 أكتوبر، في أكبر تدفقات أسبوعية منذ مايو.

وتشير هذه التدفقات إلى زيادة الإقبال على السيولة والأدوات قصيرة الأجل، بدلًا من انتقال جماعي للأموال إلى السندات طويلة الأجل.

وبالتالي، فإن استفادة سندات الخزانة الأمريكية من الضغوط التي تواجهها فرنسا تظل مرتبطة بعوامل متعددة، من بينها مسار التضخم الأمريكي وحجم الاقتراض الحكومي وتطور العوائد.

وفي ظل هذه المتغيرات، لن يتوقف اتجاه أسواق الدين العالمية على قدرة فرنسا وحدها على ضبط أوضاعها المالية، بل سيتأثر أيضًا بمدى قدرة الاقتصادات الكبرى على إقناع المستثمرين بأن العوائد التي تقدمها تعكس فرصًا استثمارية مناسبة، وليس مجرد تعويض عن مخاطر مالية متزايدة.