أكد الدكتور زياد بهاء الدين، الاقتصادي والقانوني ونائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي الأسبق، أن الاقتصاد المصري شهد تحولات كبيرة خلال العقود الخمسة الماضية، خاصة بعد حرب أكتوبر، التي أتاحت الفرصة للانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، واستعادة سيناء وفتح قناة السويس، إلى جانب تعزيز النشاط السياحي وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية.
وأوضح بهاء الدين، خلال لقائه ببرنامج «ويك إند القاهرة»، أن مرحلة ما بعد حرب أكتوبر تزامنت مع توجه عالمي نحو الانفتاح الاقتصادي، مشيرًا إلى أن التجربة المصرية حققت نتائج إيجابية في بعض الفترات، وشهدت طفرات صناعية وإنتاجية مهمة، من بينها إنشاء المدن الصناعية الكبرى، مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر.
وأشار إلى أن الجدل حول تجربة الانفتاح الاقتصادي لم يكن متعلقًا بمبدأ الانفتاح في حد ذاته، بقدر ما ارتبط بطبيعة تطبيقه، ومدى التركيز على الأنشطة التجارية والخدمية والاستهلاكية، مقارنة ببناء قاعدة صناعية وإنتاجية قوية.
عدم استقرار السياسات الاقتصادية
وشدد بهاء الدين على أن أبرز مشكلات السياسة الاقتصادية المصرية خلال الخمسين عامًا الماضية تمثلت في عدم استمرار السياسات الناجحة لفترات كافية، موضحًا أن تغيير الحكومات والوزراء كان يصاحبه أحيانًا إعادة النظر في سياسات اقتصادية وتعليمية وضريبية وجمركية، بما أدى إلى غياب الاستمرارية المطلوبة لتحقيق نهضة مستدامة.
وضرب مثالًا بالمناطق الحرة المصرية، التي لا يزال الجدل قائمًا بشأن جدواها بعد مرور نحو 50 عامًا على صدور القانون المنظم لها، معتبرًا أن الدول التي نجحت في تحقيق نهضة مستمرة تميزت ليس فقط باختيار السياسات المناسبة، ولكن أيضًا بالاستمرار في تطبيقها على مدى زمني طويل.
وفيما يتعلق بمصادر النقد الأجنبي، أوضح أن اعتماد مصر على قناة السويس والسياحة والطاقة وتحويلات المصريين بالخارج ليس مشكلة في حد ذاته، مؤكدًا أهمية زيادة مساهمة الصناعة والخدمات الإنتاجية والصادرات في موارد الدولة من العملة الأجنبية.
وأضاف أن كفاءة إدارة السياسات الاقتصادية، بما يشمل سعر الصرف والاستيراد والتصدير، تؤثر بصورة كبيرة في حجم التدفقات النقدية، مشيرًا إلى أن تحويلات المصريين بالخارج تجاوزت، وفقًا لما ذكره، 40 مليار دولار، وأصبحت أكبر من إجمالي المصادر الثلاثة الأخرى التي أشار إليها.
تفعيل وثيقة ملكية الدولة ودعم القطاع الخاص
وأكد نائب رئيس الوزراء الأسبق أن الاقتصاد المصري يواجه اختبارًا صعبًا في ظل التوترات الجيوسياسية والاضطرابات الاقتصادية العالمية، لكنه شدد على أن هناك إجراءات يمكن اتخاذها داخليًا لتعزيز النمو وتحسين مناخ الاستثمار.
وأوضح أن من بين الأولويات وضع سياسة أكثر فاعلية لتشجيع القطاع الخاص، وتفعيل وثيقة سياسة ملكية الدولة، التي أُعلنت قبل نحو أربع سنوات، دون أن تُطبق بالشكل المطلوب خلال الفترة المحددة لها.
وأشار إلى أن تفعيل الوثيقة أصبح ضرورة لإعادة صياغة دور الدولة في الاقتصاد، إلى جانب تطوير السياسات الاستثمارية ودعم الصناعة، لافتًا إلى أنه ينظر بإيجابية إلى مبادرة المصانع المتعثرة، خاصة من حيث أسلوبها ومنهجيتها.
وشدد على أن الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة منذ سنوات لا تزال تمثل فرصة أمام الدولة، حتى في ظل الظروف الإقليمية والدولية الصعبة، مؤكدًا أهمية تحويل التوجهات المعلنة إلى خطوات عملية تدعم الاستثمار والإنتاج.
تحسن المؤشرات الاقتصادية لم ينعكس على حياة المواطنين
وفيما يتعلق بالأوضاع المعيشية، قال بهاء الدين إن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية لم ينعكس بالقدر الكافي على حياة المواطنين، وهو ما أقرّت به الحكومة مؤخرًا، بحسب حديثه.
وأوضح أن التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب عدم مواكبة الأجور لهذه الزيادات وتحديات جودة الخدمات، تمثل عوامل رئيسية وراء عدم شعور المواطنين بتحسن ملموس.
وأضاف أن التحدي أمام الحكومة لا يقتصر على توفير موارد إضافية للإنفاق الاجتماعي، رغم أهميتها، بل يشمل أيضًا تحسين جودة الخدمات باستخدام الموارد المتاحة، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم.
وأشار إلى أن تطوير الخدمات الصحية لا يتطلب بالضرورة بناء مستشفيات جديدة فقط، كما أن تحسين التعليم لا يرتبط حصرًا بإنشاء مدارس إضافية، بل يتطلب الاهتمام بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين والاستفادة من الإمكانات القائمة.
وأكد أهمية الاستفادة من قدرات المجتمع المدني في الوصول إلى الفئات الفقيرة والطبقات المتوسطة، معتبرًا أن فهم الاحتياجات الفعلية للمجتمع يمثل مدخلًا أساسيًا لتحسين كفاءة الإنفاق الاجتماعي.
الاقتصاد المصري والعلاقة مع الأسواق العالمية
وبشأن العلاقة مع الأسواق الدولية وبرنامج صندوق النقد الدولي، أشار بهاء الدين إلى أن علاقة الاقتصاد المصري بالأسواق العالمية جيدة، وأن التصنيف الائتماني شهد تحسنًا، موضحًا أن مصر لم تتعرض، وفقًا لتصريحاته، لاحتمال التعثر في سداد التزاماتها الدولية.
كما لفت إلى تسوية ملف مديونيات شركات البترول والتنقيب باعتباره أحد الملفات المهمة التي شهدت تطورًا إيجابيًا خلال الفترة الأخيرة.
واختتم بهاء الدين بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحفيز الصناعة والإنتاج، مع الاهتمام بتحسين جودة الخدمات العامة، بما يساعد على تحقيق نمو اقتصادي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.
لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض