تواجه فرنسا ضغوطًا متزايدة على ماليتها العامة، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتباطؤ النمو الاقتصادي، في وقت باتت فيه الأسواق أكثر حساسية تجاه مستويات الدين والعجز في البلاد.
وخلال سبتمبر 2026، تعرضت السندات الحكومية الفرنسية لموجة بيع قوية، دفعت عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.99% يوم الجمعة الماضي، مقارنة بنحو 4.2% قبل شهر و3.3% في مارس، ويعكس هذا الصعود المتسارع تنامي المخاوف بشأن قدرة باريس على ضبط أوضاعها المالية.
ارتفاع تكلفة الاقتراض يوسع الفجوة مع ألمانيا
لم يعد الضغط على السندات الفرنسية مرتبطًا بالسوق المحلية فقط، بل ظهر أيضًا في اتساع الفارق بين تكلفة الاقتراض الفرنسية والألمانية.
فقد ارتفع الفارق في عوائد السندات بين البلدين من 65 نقطة أساس في يونيو 2026 إلى نحو 80 نقطة أساس في بداية سبتمبر، قبل أن يتجاوز 150 نقطة أساس يوم الجمعة الماضي.
ويشير هذا الاتساع إلى أن المستثمرين أصبحوا يطلبون عائدًا أعلى مقابل الاحتفاظ بالدين الفرنسي مقارنة بالدين الألماني، في ظل تزايد المخاوف بشأن المسار المالي لباريس.
ويثير هذا الوضع تساؤلات حول مدى قدرة فرنسا على تجنب أزمة مالية حادة إذا استمرت تكاليف الاقتراض في الصعود، خصوصًا أن العائد على السندات يقترب بالفعل من حاجز 5%.
فجوة خطيرة بين الفائدة والنمو
تحاول الحكومة الفرنسية منذ أسابيع البحث عن إجراءات لخفض الإنفاق وتحقيق وفورات مالية تساعد على إعادة الاستقرار إلى الموازنة، لكن هذه المساعي تواجه مقاومة سياسية واجتماعية واسعة.
ويرى الاقتصادي الفرنسي جان تيرول، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2014، أن الإصلاحات الحالية لا تزال أقل من حجم التحديات التي تواجه البلاد، محذرًا من أن فرنسا تتعامل مع الأزمة بمنطق قصير الأجل بدلًا من وضع رؤية طويلة المدى.
وتزداد صعوبة الموقف مع اقتراب معدل النمو الاقتصادي من الصفر، في الوقت الذي تقترب فيه فوائد السندات طويلة الأجل من 5%، وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح تمويل الدين أكثر تكلفة، وازدادت صعوبة السيطرة على المديونية.
ضعف الصناعة يضغط على الاقتصاد الفرنسي
يرى الباحث الاقتصادي هشام داود أن المشكلات التي يعانيها الاقتصاد الفرنسي ليست مؤقتة، بل ترتبط باختلالات تراكمت على مدار عقود.
ويشير إلى أن فرنسا لم تنجح بالسرعة الكافية في التحول إلى اقتصاد خدمي حديث، كما فقدت جزءًا مهمًا من قاعدتها الصناعية مع انتقال عدد من الأنشطة الإنتاجية إلى الخارج بحثًا عن تكاليف أقل.
ويظهر ذلك بوضوح في الميزان التجاري، الذي سجل عجزًا قدره 33.9 مليار يورو خلال النصف الأول من 2026.
كما تراجعت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الفرنسي إلى نحو 13%، مقابل قرابة 30% في ألمانيا، وهو ما يعكس الفارق الكبير في الوزن الصناعي بين أكبر اقتصادين في منطقة اليورو.
ورغم ذلك، لا تزال فرنسا تحتفظ بمواقع قوية في قطاعات استراتيجية، أبرزها الصناعات الدفاعية والعسكرية والطيران والفضاء والموانئ والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات يصعب نقلها بالكامل إلى الخارج بسبب ارتباط بعضها بالأمن والسيادة الوطنية.
الدولة الفرنسية أمام معادلة مالية صعبة
تتمثل إحدى أكبر مشكلات فرنسا في ارتفاع تكلفة نموذج الدولة الراعية، الذي يعتمد عليه المجتمع في توفير قدر كبير من الخدمات والحماية الاجتماعية.
ويشير داود إلى أن الدولة مطالبة بتلبية احتياجات اجتماعية متزايدة في وقت لا تنمو فيه الإيرادات بالسرعة الكافية، ما يدفع الحكومات إلى اللجوء بصورة أكبر إلى الضرائب والاقتراض لتمويل الإنفاق.
وتزداد الضغوط مع التغيرات الديموغرافية وارتفاع نسبة كبار السن، الأمر الذي يفرض أعباء إضافية على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية، ويؤثر في قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو مرتفعة.
كما أن اعتماد فرنسا بدرجة كبيرة على المستثمرين الأجانب في تمويل ديونها يمثل عاملًا آخر يستحق المتابعة، إذ تشير بيانات بنك فرنسا إلى أن المستثمرين الأجانب يمتلكون أكثر من 55.9% من السندات وأدوات الدين الحكومية الفرنسية.
هل تقترب فرنسا من سيناريو اليونان؟
يطرح ارتفاع الدين وتكلفة الاقتراض تساؤلات حول احتمال تكرار فرنسا لسيناريوهات أزمات الديون التي شهدتها دول أوروبية أخرى، لكن المقارنة مع اليونان لا تزال مبكرة، وفق تقديرات عدد من المحللين.
ويكمن التحدي الأساسي في طبيعة الدين نفسه؛ فالدين المستخدم في تمويل الاستثمارات والبنية التحتية يمكن أن يساعد على زيادة الإنتاجية والنمو، بينما يصبح الدين أكثر خطورة عندما يستخدم لتمويل الإنفاق الجاري أو سداد ديون سابقة.
وتواجه باريس الآن خيارات صعبة، تبدأ من خفض الإنفاق وتقليص حجم القطاع العام، وتمتد إلى زيادة الإيرادات وربما تبني إجراءات تقشفية، إلا أن كل خيار من هذه الخيارات يحمل تكلفة سياسية واجتماعية مرتفعة.
أزمة حادة ليست وشيكة.. لكن المخاطر تتزايد
يرى المحلل الاقتصادي باتريك أرتوس أن فرنسا لا تواجه في الوقت الحالي خطرًا وشيكًا للتخلف عن سداد ديونها، لكنه يحذر من دخول الاقتصاد في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها.
فمع اقتراب عوائد السندات لأجل 10 سنوات من 5%، بينما يقترب النمو من الصفر، تصبح تكلفة خدمة الدين أعلى من قدرة الاقتصاد على توليد النمو اللازم لاحتواء المديونية.
ويرى أرتوس أن تدخل البنك المركزي الأوروبي قد يصبح ضروريًا إذا تصاعدت الضغوط إلى درجة تهدد الاستقرار المالي، ما يجعل سيناريو أزمة شبيهة بأزمة اليونان مستبعدًا في الوقت الحالي، لكنه لا يلغي المخاطر المتزايدة.
وقد تنعكس هذه الضغوط على المواطنين من خلال ضعف القدرة الشرائية وارتفاع البطالة، خاصة إذا اضطر الاقتصاد إلى فترة طويلة من النمو الضعيف.
الشركات والأسر تترقب إجراءات الحكومة
لا تقتصر تداعيات الأزمة على المالية العامة، إذ يمكن أن تمتد إلى قرارات الأسر والشركات المتعلقة بالاستهلاك والاستثمار.
ويتوقع أرتوس أن يدفع عدم اليقين بشأن الإجراءات المقبلة، سواء كانت زيادات ضريبية أو خفضًا للإنفاق، الشركات والأسر إلى تأجيل بعض قراراتها الاقتصادية.
وقد يؤدي هذا السلوك إلى مزيد من إضعاف النشاط الاقتصادي، خصوصًا إذا تراجع الاستثمار الخاص في الوقت الذي تعاني فيه الدولة أصلًا نقصًا في الاستثمارات التي يمكن أن ترفع الإنتاجية مستقبلًا.
وبذلك تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: خفض الإنفاق قد يضغط على النمو، وزيادة الضرائب قد تقلص الاستهلاك والاستثمار، بينما استمرار الاقتراض يرفع تكلفة الدين. ويبدو أن إعادة التوازن المالي ستتطلب قرارات أعمق من مجرد إجراءات مؤقتة لخفض العجز.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض