بدأ أحد أكثر مسارات السياسة النقدية الأمريكية تعقيداً في الظهور داخل سوق الإسكان، إذ يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لكبح التضخم، فتزداد تكلفة بناء المنازل والشقق، ويتباطأ نمو المعروض الجديد، قبل أن ترتفع الإيجارات لاحقاً، لتعيد الضغط على التضخم الذي يحاول البنك المركزي احتواءه.
ووصف تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في «أبوللو غلوبال مانجمنت» (Apollo Global Management)، هذا السيناريو بأنه «حلقة جهنمية من ارتفاع الفائدة والإيجارات».
ووفقا لـ cnn، يقول سلوك إن ارتفاع أسعار الفائدة يدفع شركات البناء إلى تشييد عدد أقل من الوحدات السكنية، ما يضغط على المعروض ويدفع الإيجارات والتضخم إلى الارتفاع، وبالتالي قد يبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وفقاً لما نقلته عنه «فورتشن».
وتزداد أهمية هذه المفارقة بعدما رفع الاحتياطي الفيدرالي، في اجتماعه يوم 16 سبتمبر، أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، مؤكداً أن التضخم لا يزال مرتفعاً.
وفي أغسطس بلغ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين 3.4%، مقابل هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
الفائدة تخنق المعروض قبل أن تخفض الإيجارات
وتقدم أحدث بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي أول مؤشرات هذه الحلقة؛ إذ تراجعت بدايات بناء المساكن في أغسطس بنسبة 2.6% على أساس شهري، إلى معدل سنوي قدره 1.275 مليون وحدة، بانخفاض 1.2% عن الشهر نفسه من العام الماضي.
كما هبط عدد الوحدات السكنية المكتملة إلى 1.128 مليون وحدة، بانخفاض نحو 27.1% مقارنة مع أغسطس/آب 2025.
وانخفضت تصاريح البناء بنسبة 2.7% مقارنة مع يوليو إلى معدل سنوي قدره 1.394 مليون وحدة، في إشارة إلى أن خط أنابيب المعروض المستقبلي لا يزال هشاً، رغم تحسن بدايات بناء المنازل المنفردة خلال الشهر.
وتتضاعف الضغوط على قطاع البناء مع مواجهة المطورين أنفسهم تكاليف رأسمال مرتفعة قبل وصول الوحدات السكنية إلى المشترين.
وتظهر بيانات الرابطة الوطنية لبناة المنازل (NAHB) أن الربع الثاني من 2026 كان الربع الثامن عشر على التوالي الذي أبلغ خلاله المطورون عن تشدد شروط الائتمان.
وبلغ متوسط أسعار الفائدة الفعلية، بعد احتساب الرسوم الأولية، 10.43% لقروض شراء الأراضي، و12.59% لقروض تطوير الأراضي، و11.82% لتمويل البناء السكني المضاربي.
وكانت تكلفة جميع فئات التمويل الأربع أعلى بأكثر من 0.6 نقطة مئوية مقارنة بنهاية عام 2025.
ربع مؤشر الأسعار تقريباً يتحرك مع «إيجار» المالك
وتكمن حساسية الاحتياطي الفيدرالي تجاه سوق الإسكان في طريقة احتساب التضخم؛ إذ يمثل بند المأوى حالياً نحو 35% من مؤشر أسعار المستهلكين، بينما يشكل ما يعرف بـ«الإيجار المكافئ للمالكين» (Owners’ Equivalent Rent) أو (OER) وحده نحو 26% من سلة المؤشر، وفقاً لأوزان مكتب إحصاءات العمل.
ولا يقيس مؤشر «الإيجار المكافئ للمالكين» أقساط الرهن العقاري، وإنما القيمة الإيجارية المقدرة للخدمة السكنية التي يحصل عليها مالك المنزل من مسكنه، ولذلك ترتبط حركته في النهاية بأوضاع سوق الإيجارات.
وفي أغسطس ارتفع مؤشر المأوى بنسبة 3% على أساس سنوي، بينما زاد مؤشر «الإيجار المكافئ للمالكين» بنسبة 3.1%، والإيجار الفعلي بنسبة 2.7%.
لكن هذه البيانات لا تثبت حتى الآن أن «الحلقة الجهنمية» قد بدأت بالفعل، إذ ارتفع كل من مؤشر «الإيجار المكافئ للمالكين» والإيجارات الفعلية بنسبة 0.2% فقط خلال أغسطس/آب على أساس شهري.
ويتمثل الخطر الحقيقي في أن يؤدي نقص البناء اليوم إلى زيادة الضغوط على الإيجارات خلال الأشهر المقبلة، مع تراجع المعروض المتاح أمام المستأجرين.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض