تواجه فرنسا ضغوطاً متزايدة على ماليتها العامة مع ارتفاع الدين الحكومي إلى نحو 117.5% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت يتباطأ فيه النمو الاقتصادي وترتفع فيه تكاليف الاقتراض، بالتزامن مع زيادة المخاطر الجيوسياسية وتنامي الإنفاق الدفاعي في أوروبا. ويرى خبراء أن استمرار هذا المسار قد يحد من قدرة الحكومة الفرنسية على استخدام أدوات مالية جديدة لدعم الاقتصاد أو مواجهة الصدمات المستقبلية.
وقال الدكتور عمر غرايبة، أستاذ المالية في جامعة آل البيت، إن الدين العام الفرنسي، رغم ارتفاعه إلى مستويات مقلقة، لا يمثل أعلى نسبة دين إلى الناتج المحلي على مستوى الاقتصادات الكبرى، مشيراً إلى أن اليابان تتصدر القائمة بنسبة تقترب من 230%، بينما تبلغ النسبة في إيطاليا نحو 137%، وفي الولايات المتحدة قرابة 125%.
وأكد غرايبة في مقابلة مع القاهرة الإخبارية، أن تجاوز الدين العام حاجز 100% من الناتج المحلي الإجمالي يستدعي التعامل معه بجدية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع العجز المالي. وأوضح أن زيادة العجز بنحو 25% خلال العام تعكس تراجع هامش المناورة المتاح أمام الحكومة الفرنسية، في ظل صعوبة تحقيق خفض سريع للدين دون التأثير في النشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن النمو الاقتصادي يمثل أحد أهم العوامل القادرة على المساعدة في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، إلا أن الاقتصاد الفرنسي يواجه في الوقت الحالي معدلات نمو ضعيفة، ما يزيد من صعوبة تحسين مؤشرات المالية العامة. وأضاف أن معدلات النمو الحالية جاءت دون توقعات سابقة، الأمر الذي يضع مزيداً من الضغوط على الحكومة.
ولفت الخبير المالي إلى أن المخاطر الجيوسياسية المتزايدة انعكست أيضاً على أسواق السندات، حيث أصبح المستثمرون يطالبون بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالديون الحكومية، وهو ما يرفع تكلفة الاقتراض على الدول.
وأوضح أن ارتفاع عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات من مستويات تقارب 3% إلى نحو 4% يمثل عبئاً إضافياً على الموازنة، مع انتقال تأثير ارتفاع تكاليف التمويل تدريجياً إلى خدمة الدين العام، خاصة عند إعادة تمويل السندات المستحقة.
كما أشار غرايبة إلى عامل آخر يزيد الضغوط على الموازنات الأوروبية، يتمثل في ارتفاع الإنفاق الدفاعي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، موضحاً أن العديد من الدول أعادت توجيه جزء من إنفاقها الحكومي نحو الصناعات العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية.
وقال إن زيادة الإنفاق العسكري تأتي في وقت تحتاج فيه الدول إلى توجيه موارد أكبر نحو التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والاستثمار المنتج، محذراً من أن استمرار ارتفاع النفقات الدفاعية قد يزيد الأعباء المالية على الحكومات.
وأضاف أن الضغوط لا تقتصر على فرنسا وحدها، بل تمتد إلى الاقتصادات الأوروبية والولايات المتحدة، في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والطاقة والتجارة العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض