أثارت تحركات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في سوق السندات موجة جديدة من النقاش بين المستثمرين حول مستقبل الدولار وقيمة العملات، ورغم نجاح التدخلات الأمريكية في دفع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل إلى الانخفاض لفترة قصيرة، فإن التأثير لم يستمر طويلاً.
وفي المقابل، ظهرت مؤشرات أكثر وضوحاً في أسواق أخرى، مع تراجع الدولار وارتفاع الذهب وبيتكوين، وهو ما اعتبره بعض المستثمرين دليلاً على زيادة الإقبال على الأصول التي يمكن أن تستفيد من ضعف العملة الأمريكية.
ويرتبط هذا الاتجاه بعدة مخاوف، أبرزها اتساع العجز الأمريكي واستمرار الضغوط التضخمية، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين بشأن السياسة الاقتصادية في واشنطن، ويجد المستثمرون أنفسهم أمام معادلة صعبة، إذ تحاول الحكومة الأمريكية خفض تكلفة الاقتراض في الوقت الذي لا يزال فيه التضخم عاملاً يحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية.
لماذا تواجه واشنطن صعوبة في خفض عوائد السندات؟
تتمثل المشكلة الرئيسية في أن الطلب على التمويل يتزايد من أكثر من جهة في الوقت نفسه، فالحكومة الأمريكية تحتاج إلى الاقتراض لتغطية عجز يقترب من تريليوني دولار، بينما تزيد الحكومات حول العالم إنفاقها على الدفاع والطاقة والبرامج الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، تتوسع الشركات الكبرى في الاقتراض لتمويل الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات والرقائق وشبكات الكهرباء والبنية التحتية الرقمية.
ويرى محللون أن وزارة الخزانة تستطيع التحكم في حجم السندات التي تطرحها وآجال استحقاقها، لكنها لا تستطيع التحكم في حجم الأموال التي تحتاج إليها الحكومات والشركات لتمويل خططها.
وبالتالي، فإن أي محاولة لخفض العوائد عبر تقليل المعروض من السندات طويلة الأجل قد تكون محدودة التأثير إذا ظل الطلب على رأس المال مرتفعاً.
الذكاء الاصطناعي يزيد المنافسة على التمويل
أصبح قطاع الذكاء الاصطناعي أحد أبرز مصادر الطلب الجديد على التمويل، في ظل خطط الشركات الكبرى لإنفاق مبالغ ضخمة على مراكز البيانات والرقائق والطاقة اللازمة لتشغيل البنية التحتية المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
وتشير تقديرات استثمارية إلى أن توسع شركات الحوسبة الكبرى في إصدار الديون قد يضيف مزيداً من الضغوط على سوق السندات، خصوصاً مع تزايد احتياجات التمويل طويلة الأجل.
وكان بيسنت قد أبدى قلقاً من تأثير اقتراض شركات الذكاء الاصطناعي على عوائد سندات الخزانة، مشيراً إلى أن بعض هذه الشركات تتعامل مع تكلفة الاقتراض باعتبارها أقل أهمية مقارنة بالعوائد الكبيرة التي تتوقع تحقيقها من استثمارات الذكاء الاصطناعي.
ورغم ارتفاع تكاليف الاقتراض، لم تتعرض أسواق الأسهم لضربة قوية حتى الآن، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى استمرار قوة أرباح الشركات.
ويمنح تحسن الأرباح المستثمرين مبرراً لتحمل مستويات أعلى من أسعار الفائدة، خصوصاً إذا استمرت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحقيق نتائج مالية قوية.
لكن ارتفاع عوائد سندات الخزانة يجعل المنافسة مع الأسهم أكثر صعوبة، فعندما تقترب عوائد السندات طويلة الأجل من مستويات مرتفعة، تصبح السندات بديلاً أكثر جاذبية لبعض المستثمرين، ما يفرض على الشركات تحقيق نمو وأرباح أكبر لتبرير تقييماتها المرتفعة.
الذهب وبيتكوين يستفيدان من تراجع الدولار
في الوقت الذي تحاول فيه وزارة الخزانة احتواء ارتفاع عوائد السندات، ظهر الدولار كأحد أبرز المتضررين من هذه التحركات، بينما استفاد الذهب وبيتكوين من زيادة المخاوف المتعلقة بالعملة الأمريكية.
وارتفعت أسعار الذهب إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة أشهر، بالتزامن مع تراجع الدولار، بينما تحركت بيتكوين في الاتجاه نفسه، ويرى بعض المستثمرين في هذا الأداء مؤشراً على زيادة الطلب على الأصول التي يمكن أن توفر تحوطاً ضد تراجع قيمة العملات.
كما أن ارتفاع العلاقة بين حركة الذهب وبيتكوين عزز هذه الرواية، رغم أن صعود العملة المشفرة يرتبط أيضاً بعوامل خاصة بسوق الأصول الرقمية.
الخزانة لا تملك جميع أدوات الاحتياطي الفيدرالي
تواجه وزارة الخزانة الأمريكية حدوداً واضحة في قدرتها على التأثير في سوق السندات، فهي تستطيع تعديل حجم الإصدارات وإدارة آجال الدين، لكنها لا تمتلك القدرة نفسها التي يملكها الاحتياطي الفيدرالي في ما يتعلق بالسيولة النقدية.
وتزداد صعوبة المهمة مع استمرار قوة النمو الاقتصادي ووجود ضغوط تضخمية، بالإضافة إلى ضخامة احتياجات الاقتراض الحكومي والخاص.
وبذلك تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام مفارقة واضحة: فهي تريد خفض تكاليف الاقتراض، لكن الظروف الاقتصادية وارتفاع الطلب على التمويل يدفعان عوائد السندات في الاتجاه المعاكس.
نتائج إنفيديا واختبار جديد للأسواق
وتتجه أنظار المستثمرين إلى الفترة المقبلة بحثاً عن إشارات تحدد ما إذا كان ارتفاع أسعار الفائدة سيبدأ في الضغط بقوة أكبر على أسواق الأسهم.
وتكتسب نتائج شركة إنفيديا أهمية خاصة، لأنها ستساعد المستثمرين على تقييم مدى استمرار قوة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وقدرة شركات القطاع على تحقيق أرباح تبرر الاستثمارات الضخمة.
كما ستتجه الأنظار إلى اجتماعات جاكسون هول، حيث يترقب المستثمرون أي إشارات جديدة بشأن موقف الاحتياطي الفيدرالي من أسعار الفائدة والسياسة النقدية.
هل يستمر رهان تراجع الدولار؟
رغم قوة التحركات التي شهدها الدولار والذهب وبيتكوين، لا يرى جميع المستثمرين أن هذه الموجة ستستمر بالوتيرة نفسها.
فبعض المتعاملين يعتبرون تحركات وزارة الخزانة عاملاً يدعم اتجاهاً موجوداً بالفعل في الأسواق، وليس محفزاً جديداً كافياً لإطلاق موجة طويلة من انخفاض الدولار.
ويبقى استمرار هذا الرهان مرتبطاً بعدة عوامل، أبرزها مسار التضخم الأمريكي، وحجم الاقتراض الحكومي، وأداء الاقتصاد، وسياسة الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى مدى قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى أرباح فعلية.
وبالتالي، فإن تراجع الدولار وارتفاع الذهب وبيتكوين قد يعكسان مخاوف متزايدة بشأن قيمة العملة الأمريكية، لكن استمرار هذا الاتجاه سيحتاج إلى محفزات أقوى خلال الفترة المقبلة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض