كشفت تقييمات استخباراتية أمريكية جديدة عن تحول لافت في تقديرات واشنطن بشأن طبيعة التهديد الروسي لحلف شمال الأطلسي، إذ باتت أجهزة الاستخبارات ترى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يلجأ خلال السنوات المقبلة إلى تنفيذ عمل عسكري محدود ضد إحدى دول الحلف، في محاولة لاختبار مدى تماسكه وقدرته على الرد الجماعي.
تحذيرات استخباراتية أمريكية
وبحسب ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، فإن السيناريوهات التي تدرسها أجهزة الاستخبارات لا تقتصر على مواجهة عسكرية تقليدية، وإنما تبدأ بهجمات إلكترونية أو عمليات هجينة، وقد تصل في أكثر السيناريوهات خطورة إلى توغل بري محدود في إحدى دول الجناح الشرقي للناتو. وتمتد التقديرات الزمنية المحتملة لمثل هذه التحركات من خريف العام الجاري وحتى عام 2029.
ويأتي هذا التحول بعد أن كانت التقديرات الأمريكية تستبعد إلى حد كبير إقدام موسكو على فتح مواجهة مباشرة مع الحلف، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وما تفرضه من استنزاف بشري وعسكري على القوات الروسية. إلا أن التطورات الأخيرة دفعت محللين ومسؤولين إلى إعادة تقييم الموقف، خصوصًا مع استمرار الضغوط على الكرملين وتعرض منشآت حيوية داخل روسيا لهجمات أوكرانية بطائرات مسيرة.
التقييمات والمسارات
وتشير التقييمات إلى ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تستخدمها موسكو لاختبار رد فعل الناتو.
يتمثل الأول في شن هجمات إلكترونية تستهدف بنى تحتية حساسة في إحدى الدول الأعضاء، بينما يقوم الثاني على استخدام مجموعات مسلحة غير معلنة للسيطرة على منطقة محدودة، في أسلوب يذكر بالتحركات الروسية السابقة في شرق أوكرانيا.
أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في تنفيذ توغل عسكري محدود على الجناح الشرقي للحلف.
ورغم أن احتمال اندلاع مواجهة برية مباشرة لا يزال منخفضًا وفق هذه التقديرات، فإن المخاوف تتزايد مع استمرار الحرب الأوكرانية دون تسوية نهائية. كما يرى مسؤولون أمريكيون وأوروبيون أن حوادث اختراق المجال الجوي لدول أعضاء في الناتو وسقوط صواريخ وطائرات مسيرة داخل أراضيها يمكن أن تكون جزءًا من اختبار أوسع لردود فعل الحلف.
قلق أمريكي من تصعيد روسي محتمل
ولا يقتصر القلق الأمريكي على احتمال التصعيد الروسي، إذ تبرز في الوقت نفسه مشكلة أخرى تتعلق بمخزونات الأسلحة والذخائر الأمريكية. فقد أدى الدعم العسكري المقدم إلى أوكرانيا، إلى جانب العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، إلى زيادة الضغوط على مخزونات صواريخ ومنظومات دفاع جوي تعتبر أساسية في أي مواجهة واسعة النطاق.
وتشمل الأسلحة التي تواجه ضغوطًا على المخزون صواريخ باتريوت، وصواريخ ستينجر، إضافة إلى منظومات دفاع جوي أخرى. ووفق تقديرات أوردها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية في العمليات الأخيرة يفرض تحديات كبيرة أمام قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على مستويات كافية من الذخائر في حال اندلاع أكثر من أزمة عسكرية في وقت واحد.
وفي المقابل، رفض البنتاجون الحديث عن وجود ضعف استراتيجي أمريكي، إذ أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية شون بارنيل أن القوات المسلحة الأمريكية تمتلك قدرات وعمقًا استراتيجيًا كافيين للتعامل مع التهديدات.
لكن المخاوف لا تزال قائمة لدى عدد من الخبراء، الذين يرون أن تعدد بؤر التوتر يضع واشنطن أمام معادلة صعبة، خصوصًا مع ضرورة الحفاظ على قدرة الردع في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن الرهان الروسي المحتمل سيكون بالضرورة على تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة، بقدر ما قد يستهدف اختبار وحدة الحلف وإحداث انقسامات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
ويجعل هذا السيناريو أي مواجهة محدودة شديدة الحساسية، لأن نجاح موسكو في استغلال الغموض المحيط بطبيعة الرد الجماعي للناتو قد يترك تداعيات تتجاوز حدود الدولة المستهدفة لتطال مصداقية الحلف بأكمله.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض