الصين تغازل المستثمرين الأجانب بسوق سندات سيادية بـ6.5 تريليون دولار


الجريدة العقارية الجمعة 07 اغسطس 2026 | 06:34 مساءً
الصين
الصين
محمد عاطف

تكثف بكين جهودها لجذب المستثمرين الأجانب إلى سوق سنداتها السيادية، الذي تقترب قيمته من 6.5 تريليون دولار، عبر تطوير أدوات مالية جديدة، من بينها العقود الآجلة، إلى جانب تعزيز البنية التحتية للسوق.

لكن هذه المساعي تواجه تحديات، إذ يحذر بعض المستثمرين من أن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الصين قد تحد من جاذبية السندات للاستثمارات طويلة الأجل، رغم جهود بكين لتوسيع قاعدة المستثمرين الأجانب وتعميق سوق الدين المحلية.

وقالت صحيفة "فاينانشيال تايمز" إن "بنك الشعب الصيني" (البنك المركزي) أطلق في يونيو آلية تسمح للبنوك المركزية الأجنبية بإعادة الشراء بالعملة المحلية (الرنمينبي)، بينما طرحت بورصة هونج كونج هذا الأسبوع عقوداً آجلة لسندات الحكومة الصينية. في الوقت نفسه، بدأت غرفة المقاصة "إل سي إتش"، إحدى أكبر غرف المقاصة في أوروبا، بقبول سندات الحكومة الصينية المقومة بالرنمينبي كضمان.

تأتي هذه الخطوات في أعقاب قرار صدر في أبريل بمنح المستثمرين الأجانب المؤهلين حق الوصول إلى العقود الآجلة لسندات الصين المحلية.

ويعلق مدير محافظ استثمارية في شركة "بيمكو"، ستيفن تشانج على تلك التطورات قائلاً: "بشكل عام، تستجيب السلطات الصينية. هذا ما يطالب به المستثمرون، وهي توفر لهم أدوات جديدة".

ويضيف مدير محافظ استثمارية في شركة "فيديليتي"، تيرينس بانج، قائلاً: "سوق العقود الآجلة للسندات الصينية سيكون مفيداً للغاية مع نضوجه"، لأنه سيسهل على المستثمرين إدارة المخاطر عبر منحنى العائد الصيني.

ورغم الانطباعات الإيجابية، يرى العديد من المستثمرين أن قرارات شراء السندات الصينية لا تعتمد على سهولة الوصول إلى السوق أو السيولة، بل على تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني على المدى الطويل، وما يترتب عليه من ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

وقال مدير محفظة استراتيجية سندات الأسواق الناشئة الديناميكية في شركة "تي رو برايس"، ليونارد كوان: "فيما يتعلق بسهولة الوصول إلى السوق، لدينا بالفعل جميع الفرص المتاحة"، مضيفاً أن "التحول نحو نمو أسرع" سيساهم في تعزيز جاذبية امتلاك سندات الدولة.

تشير "فاينانشيال تايمز" إلى أنه مع وجود سندات حكومية صينية قائمة بقيمة تقارب 44 تريليون يوان (6.5 تريليون دولار أمريكي)، بالإضافة إلى حجم أكبر من الديون الصادرة عن الحكومات المحلية والمؤسسات الأخرى المدعومة ضمنياً من الحكومة المركزية، يُعد سوق السندات الصيني أحد أكبر أسواق الدين في العالم.

لكن الملكية الدولية لا تزال منخفضة. تُظهر بيانات برنامج "ربط السندات الصينية"- الذي يسهل الاستثمار الأجنبي في أسواق السندات الصينية عبر هونج كونج- انخفاض الملكية الأجنبية من ذروتها البالغة حوالي 4.5 تريليون يوان في عام 2024 إلى حوالي 3.2 تريليون يوان اليوم.

وتعد تحركات بكين لتطوير أسواق مشتقات السندات جزءاً من جهود أوسع لتشجيع اعتماد الرنمينبي دولياً، وذلك بتسهيل الاحتفاظ بالسندات المقومة بالرنمينبي كأصول احتياطي.

لكن بيانات "صندوق النقد الدولي" تُشير إلى أن حصة أصول الرنمينبي من بين الاحتياطيات الرسمية العالمية لا تزال منخفضة بشكل ملحوظ، حيث تقل عن 2 في المائة.

ويعتبر رئيس قسم الدخل الثابت في شركة أڤيڤا إنڤستورز، فريزر لاندي، أنه في ظل المخاوف، بما في ذلك مسار نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الذي "يتدهور بوتيرة أسرع من معظم نظرائه في الأسواق المتقدمة"، سيحتاج المستثمرون إلى "اقتناع راسخ بأن أسعار الفائدة ستتجه نحو انخفاض ملموس" لتبرير الاستثمار.

وأضاف لاندي أن السيولة وتطور سوق المشتقات المالية المحلية "لم يكونا العامل الحاسم بالنسبة لنا" في تخصيص جزء من استثماراتنا في الصين.

ومع ذلك، تفوقت السندات الحكومية الصينية على سندات الدين السيادية لاقتصادات رئيسية أخرى كأصول ملاذ آمن خلال فترات اضطراب السوق الأخيرة، كتلك التي نجمت عن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على شركاء الولايات المتحدة التجاريين وحربه على إيران.

ويبلغ عائد السندات الصينية لأجل 10 سنوات 1.7 في المائة، وهو الأدنى بين أسواق السندات الرئيسية، بعد أن انخفض إلى ما دون نظيرتها اليابانية العام الماضي مع ارتفاع سعر الدين. ويرى بعض المستثمرين أن قدرة الصين على تجنب موجات التضخم الناجمة عن ارتفاع تكاليف سلاسل التوريد والطاقة التي تؤثر على اقتصادات أخرى، قد منحت سوق سنداتها ميزة متزايدة كأداة استثمارية موثوقة توازن أداء أسواق الأسهم.

ويرى تشانج من شركة "بيمكو" أن أهم ما يجذب المستثمرين إلى السندات الصينية هو انخفاض ارتباطها بأسواق السندات العالمية الأخرى.

وأضاف: "لم تشهد الصين انخفاضاً كبيراً في أسعار السندات. فهي مستقرة. ولا تزال توفر سوقاً أكثر استقراراً لأغراض التحوط والتنويع. في حين أن الأسواق الأخرى كانت مرتبطة بشكل كبير بالولايات المتحدة أو بأسعار النفط".

وقال رئيس قسم الاقتصاد الكلي في شركة "كاليبريت بارتنرز" للاستثمار، إريك لونيرجان: "أعتقد أنها فرصة هائلة للصينيين، لا سيما في المرحلة الراهنة. لو كنت في موقع السلطات الصينية، لقلت إننا نستطيع الآن أن نعلن أنفسنا ملاذاً آمناً في العالم".

ومع ذلك، أشار إلى أن بكين ستحتاج إلى مواصلة جهودها لتحسين السيولة وفتح سوق السندات لدعم ذلك.

ويؤكد الرئيس العالمي للمبيعات في شركة "إل سي إتش"، روهيت فيرما، أن بكين توفر "الركائز الأساسية لسوق ناضجة للدخل الثابت"، مضيفاً: "تسعى جميع الشركات العالمية إلى توسيع أعمالها في آسيا. ويتزايد الطلب على المقاصة بشكل عام، ومع الأطراف المقابلة في المنطقة".

ومع ذلك، أشار إلى أنه على الرغم من وجود اهتمام كبير من جانب البنوك الصينية وفروعها في هونج كونج باستخدام سندات الخزانة الصينية المحلية كضمان، فإن الوضع العالمي لا يزال الطلب منخفضاً، واختتم قائلاً: "أعتقد أن الوقت ما زال مبكراً للحكم".