سوق العقارات الأمريكي يواجه أزمة غير متوقعة.. عدد السكان أقل من احتياجات الإسكان


الجريدة العقارية الاثنين 02 نوفمبر 2026 | 04:41 مساءً
العقارات في أمريكا
العقارات في أمريكا
يونس كريم

يرى ديفيد كيلي، كبير الاستراتيجيين العالميين في شركة جيه بي مورجان لإدارة الأصول، أن سوق الإسكان الأمريكي يواجه أزمة غير تقليدية، إذ قد لا تكون المشكلة الرئيسية نقص المنازل، وإنما تراجع عدد السكان الذين يحتاجون إلى وحدات سكنية جديدة، في ظل انخفاض معدلات الهجرة وتراجع الزيادة الطبيعية للسكان.

وقال كيلي إن سوق الإسكان الأمريكي أصبح أشبه بسوق «تطارده الأشباح»، في إشارة إلى الضغوط المتعددة التي تواجه القطاع، من السياسات النقدية وأسعار الفائدة إلى الرسوم الجمركية وتراجع الهجرة، التي تؤثر في تكاليف البناء والطلب على المنازل.

وفي مذكرة بحثية نشرها في 26 أكتوبر، توقع كيلي أن يسجل عدد سكان الولايات المتحدة زيادة سنوية بنحو 800 ألف نسمة فقط خلال السنوات المقبلة.

وبحسب تقديراته، ومع متوسط حجم الأسرة الأمريكية البالغ نحو 2.5 فرد، فإن النمو السكاني المتوقع يعني الحاجة إلى بناء نحو 320 ألف وحدة سكنية جديدة سنويًا، مقارنة بنحو مليون وحدة سنويًا خلال العقدين الأولين من القرن الحالي.

وتتعارض هذه التوقعات مع الرواية السائدة بشأن أزمة الإسكان الأمريكية، التي تركز على عدم بناء عدد كافٍ من المنازل.

وكانت شركة «زيلو» قد قدرت في يوليو الماضي أن الولايات المتحدة تعاني من نقص بنحو 4.7 مليون منزل حتى عام 2024، استنادًا إلى عدد الأسر التي تتشارك السكن مع أشخاص من خارج الأسرة، مقارنة بالوحدات الشاغرة المعروضة للإيجار أو البيع.

لكن كيلي يرى أن السوق لا يزال يعاني من فائض صافٍ في المعروض، رغم استمرار الحديث عن نقص الوحدات السكنية.

تراجع بناء المنازل الأمريكية للربع الثامن خلال 10 فصول

وأشار كيلي إلى أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكية الصادرة الخميس الماضي تدعم رؤيته، إذ تراجع نشاط بناء المنازل خلال الربع الثالث، مسجلًا انخفاضًا للمرة الثامنة خلال آخر 10 فصول.

وأضاف أن تراجع البناء لا يزال محدودًا نسبيًا مقارنة بالزيادة السريعة في الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

انخفاض الهجرة يضغط على الطلب العقاري الأمريكي

وأوضح كيلي أن عدد سكان الولايات المتحدة ارتفع بمتوسط 2.4 مليون نسمة سنويًا خلال أول 20 عامًا من القرن الحالي، منهم نحو 1.5 مليون نتيجة الفرق بين المواليد والوفيات، ونحو 900 ألف من صافي الهجرة.

لكن الزيادة الطبيعية للسكان بلغت ذروتها عند 520 ألفًا في عام 2025، قبل أن تستأنف اتجاهها نحو التراجع، نتيجة شيخوخة السكان وانخفاض معدلات المواليد.

كما شهدت الهجرة الدولية الصافية انخفاضًا ملحوظًا، إذ تراجعت إلى 1.3 مليون شخص خلال العام المنتهي في يوليو 2025، مقارنة بنحو 2.7 مليون في العام السابق.

وتوقع مكتب الإحصاء الأمريكي أن تنخفض الهجرة الدولية الصافية إلى نحو 321 ألف شخص بحلول يوليو 2026، إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

وقدّر كيلي أن عمليات الترحيل أصبحت تعادل تقريبًا صافي الهجرة القانونية، الذي لا يزال إيجابيًا لكنه يسجل مستويات أقل.

وأشار إلى أن هذه الاتجاهات قد تستمر بغض النظر عن نتائج انتخابات التجديد النصفي، في ظل استمرار سيطرة الإدارة الأمريكية على سياسات إنفاذ قوانين الهجرة، وعدم وجود مؤشرات على اتفاق بين الكونجرس والبيت الأبيض بشأن إصلاح شامل للهجرة.

ارتفاع الوحدات الشاغرة وتراجع المشترين

ولفت كيلي إلى أن ارتفاع معدلات الشغور يمثل أحد المؤشرات التي تدعم رؤيته بشأن تراجع الطلب على الإسكان.

وخلال السنوات الأربع الماضية، ارتفع معدل الشغور في الوحدات المعروضة للإيجار من 5.6% إلى 7.3%، كما ارتفع معدل الشغور في المنازل المملوكة من 0.8% إلى 1.2%.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي أن معدل الشغور الإيجاري بلغ 7.6% خلال الربع الثالث، مقارنة بنحو 7.1% في الفترة نفسها من العام السابق.

وفي الوقت نفسه، زاد مخزون الإسكان الأمريكي بنحو 2.8 مليون وحدة بين الربع الثاني من عام 2024 والربع الثاني من عام 2026.

كما تراجع مؤشر حركة المشترين الصادر عن الرابطة الوطنية لبناة المنازل إلى 18 نقطة خلال أكتوبر، وهو أدنى مستوى له منذ أبريل 2012، باستثناء بداية جائحة كورونا.

واضطر 43% من شركات البناء إلى خفض الأسعار، فيما توقع كيلي أن يبلغ عدد الوحدات التي يبدأ بناؤها في الولايات المتحدة نحو 1.32 مليون وحدة خلال العام الجاري، وهو أدنى مستوى منذ 2019، قبل أن يتراجع إلى 1.24 مليون وحدة في 2027.

وتتفق هذه المؤشرات مع تقديرات مركز الدراسات المشتركة للإسكان بجامعة هارفارد، الذي أشار إلى تباطؤ نمو الأسر الأمريكية، متوقعًا أن يؤدي انخفاض الهجرة إلى مزيد من الضغط على الطلب السكني.

كما توقع تقرير لجمعية مصرفيي الرهن العقاري تكوين 8.6 مليون أسرة جديدة خلال الفترة من 2025 إلى 2035، مقارنة بنحو 10.1 مليون أسرة خلال الفترة من 2010 إلى 2020.

ارتفاع الفائدة يعرقل تراجع أسعار المنازل

ورغم انخفاض عدد المشترين، لا تزال أسعار التمويل العقاري مرتفعة، إذ بلغ متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عامًا نحو 7.32% الأسبوع الماضي.

وأوضح كيلي أن هذا المستوى يقل عن متوسط الفائدة التاريخي خلال 50 عامًا، البالغ 7.68%، لكنه أعلى بكثير من متوسط الفترة الممتدة من يناير 2008 إلى ديسمبر 2021، والذي سجل 4.15%.

وأضاف أن الفترة التي شهدت انخفاضًا استثنائيًا في أسعار الفائدة كانت حالة غير معتادة، مرجحًا عدم انخفاض معدلات الرهن العقاري بشكل كبير عن 7% دون حدوث ركود اقتصادي.

وتوقع كيلي أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة خلال ديسمبر، مشيرًا إلى أن ضعف سوق الإسكان قد يجعل هذه الزيادة الأخيرة خلال دورة التشديد الحالية.

لكنه أوضح أن ارتفاع نمو الأجور بصورة مفاجئة أو زيادة توقعات التضخم قد يدفعه إلى تغيير هذه التوقعات.

تكاليف البناء والذكاء الاصطناعي تزيد الضغوط

وأشار كيلي إلى أن شركات البناء تواجه ضغوطًا من جانبين، يتمثل الأول في صعوبة العثور على العمالة اللازمة، وارتفاع أجور العاملين في قطاع البناء بوتيرة أسرع من القطاعات الأخرى.

ويرتبط ذلك جزئيًا بتغيرات الهجرة، إلى جانب المنافسة على العمالة مع مشروعات بناء مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

كما أدت الرسوم الجمركية والطفرة في مشروعات البنية التحتية إلى زيادة تكاليف مواد البناء.

وأوضح كيلي أنه من الصعب تحديد حجم الزيادة في تكاليف بناء المنازل الناتجة عن طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنه أشار إلى ارتفاع الإنفاق على مراكز البيانات بنسبة 73% خلال العام المنتهي في أغسطس، ليصل إلى معدل سنوي قدره 85 مليار دولار.

وتوقع أن تتزايد الضغوط على الموارد والعمالة نتيجة مشروعات مراكز البيانات خلال عام 2027.

الشباب الأكثر تضررًا من أزمة الإسكان

وحذر كيلي من أن تداعيات أزمة الإسكان تظهر بصورة أكبر بين الشباب، إذ تراجعت معدلات تملك المنازل منذ عام 2022، مع انخفاض أكثر حدة بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا.

وأشار إلى أن هذا التراجع يؤجل طموحات الشباب في الزواج والاستقرار وتكوين أسر داخل منازلهم.

وعند سؤاله عن دور أسعار الفائدة في انخفاض معدلات التملك، قال كيلي إن المشكلة ترتبط أيضًا بتشدد شروط الإقراض، إلى جانب امتلاك الأسر الأكبر سنًا فرصة أكبر لتجميع مقدمات شراء المنازل.

واختتم كيلي توقعاته بالإشارة إلى أن سوق الإسكان الأمريكي سيظل تحت الضغوط خلال الفترة المقبلة، مع استمرار التحديات التي تواجه المشترين وشركات البناء.