دعا تيم ليونيغ، الكاتب الاقتصادي والمستشار السابق لوزيرين للخزانة في بريطانيا، إلى زيادة معدلات بناء المساكن باعتبارها الحل الأكثر واقعية لخفض الإيجارات وتخفيف أعباء تكاليف المعيشة، منتقدًا تجاهل هذا المسار في التوجهات الحكومية المتعلقة بالموازنة وبرامج الإسكان.
وقال ليونيغ إن آندي بيرنهام وجون هيلي جعلا أزمة تكاليف المعيشة محورًا رئيسيًا في برنامجيهما، لكن مشروع الموازنة المطروح هذا الأسبوع أعاد تسليط الضوء على غياب الحل الأكثر فاعلية، والمتمثل في زيادة المعروض من المساكن لخفض تكاليف الإيجار.
الإيجار يستنزف دخول البريطانيين
وأوضح الكاتب الاقتصادي أن المستأجر البريطاني العادي ينفق على الإيجار ثلاثة أمثال ما ينفقه على الغذاء، وخمسة أمثال إنفاقه على الطاقة، بينما تتفاقم الأزمة في لندن، حيث يخصص المستأجرون نحو 40% من دخولهم لسداد الإيجارات.
وأشار إلى أن صغر مساحة الشقق في العاصمة، إلى جانب انخفاض الدخل المتبقي بعد دفع الإيجار، يؤديان إلى تراجع مستويات المعيشة، حتى بين أصحاب الرواتب المرتفعة نسبيًا.
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع الإيجارات على المستأجرين، بل تمتد إلى الاقتصاد البريطاني والحكومة، التي تنفق نحو 6 مليارات جنيه إسترليني سنويًا على إعانات الإسكان لسكان لندن وحدهم، وفقًا لما أورده ليونيغ.
وأضاف أن الشركات تواجه بدورها تكاليف إيجارية مرتفعة في العاصمة، فيما يجد أصحاب الكفاءات صعوبة في تحمل تكاليف الانتقال إليها، وهو ما يحد من نمو أحد أهم المراكز الاقتصادية في البلاد، ويؤدي إلى انخفاض الدخل القومي والإيرادات الضريبية.
نقص المعروض وراء ارتفاع الإيجارات في لندن
وأرجع ليونيغ ارتفاع تكاليف السكن في العاصمة البريطانية إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب، موضحًا أن عدد سكان لندن زاد بنحو 1.6 مليون نسمة منذ بداية القرن الحالي، في حين لم يواكب المعروض من المساكن هذه الزيادة، بسبب القيود المفروضة على التخطيط العمراني.
وانتقد التوجه نحو الاعتماد على بناء مساكن المجالس المحلية وحدها، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء تعهد بإطلاق أكبر برنامج لبناء مساكن المجالس المحلية منذ خمسينيات القرن الماضي، رغم ما يتطلبه ذلك من تمويل حكومي كبير.
كما اعتبر أن التخلي عن أهداف بناء المساكن الخاصة يثير تساؤلات بشأن مدى اعتماد الحكومة على زيادة المعروض السكني باعتبارها وسيلة لخفض الإيجارات.
بناء المساكن الخاصة قد يخفض الإيجارات لمختلف الفئات
وفي المقابل، استشهد ليونيغ بأبحاث حديثة في فنلندا أظهرت أن انتقال الأسر الميسورة نسبيًا إلى مساكن جديدة يمكن أن يطلق سلسلة متتابعة من عمليات الانتقال السكني، بما يتيح وحدات أخرى لفئات أقل دخلًا.
وأوضح أن المستفيدين من هذه السلسلة لا يقتصرون على الأسر الباحثة عن مساكن أفضل أو أقل تكلفة، بل يشملون الشباب الذين يضطرون إلى البقاء في منازل أسرهم أو مشاركة شقق مع آخرين بسبب صعوبة الحصول على مسكن مستقل.
وأكد أن زيادة بناء المساكن بأعداد كافية من شأنها أن تدفع الأسعار والإيجارات إلى الانخفاض وفقًا لقواعد العرض والطلب، مع توسيع الخيارات المتاحة أمام المستأجرين والمشترين في مختلف الشرائح السعرية.
انخفاض الإيجارات 250 جنيهًا إسترلينيًا شهريًا في لندن
وأشار الكاتب الاقتصادي إلى أن تحقيق إنجلترا أهدافها الحالية لبناء المساكن على مدى خمس سنوات قد يؤدي إلى انخفاض الإيجارات بنحو نقطتين مئويتين إضافيتين سنويًا مقارنة بالمسار المتوقع في حال عدم زيادة البناء، وفقًا لنموذج أعدته جامعة ريدينغ.
وأضاف أن التأثير سيكون أكبر بالقيمة المطلقة في لندن، إذ قد ينخفض إيجار شقة نموذجية مكونة من غرفتي نوم في منطقة لامبيث بأكثر من 250 جنيهًا إسترلينيًا شهريًا خلال تلك الفترة.
واعتبر أن توفير هذا المبلغ للأسر نتيجة انخفاض الإيجارات يمكن أن يعادل تقريبًا مضاعفة الزيادات في الأجور خلال الفترة نفسها، بما يمنح المستأجرين مساحة أكبر للإنفاق على احتياجاتهم الأساسية.
مليار جنيه إسترليني سنويًا مكاسب محتملة للمالية العامة
ولفت ليونيغ إلى أن زيادة بناء المساكن لن تقتصر فوائدها على خفض الإيجارات، بل ستسهم أيضًا في تعزيز الدخل القومي والإيرادات الضريبية، بالنظر إلى اعتماد قطاع البناء بدرجة كبيرة على النشاط الاقتصادي المحلي.
كما توقع أن يؤدي توافر المساكن إلى تقليل الإنفاق الحكومي على أماكن الإقامة المؤقتة مرتفعة التكلفة ومنخفضة الجودة، بما يخفف الضغوط على الموازنة العامة.
وبحسب تقديره، فإن زيادة الإيرادات الضريبية وتراجع الإنفاق الحكومي قد يحسنان الوضع المالي للحكومة البريطانية بما لا يقل عن مليار جنيه إسترليني سنويًا، بفضل انخفاض تكاليف السكن في لندن وحدها.
تجارب دولية تدعم إصلاح سياسات الإسكان
واستشهد الكاتب بتجارب إصلاح التخطيط العمراني في مناطق مثل أوكلاند وأوستن ومينيابوليس وولاية كاليفورنيا، مشيرًا إلى أن هذه الإصلاحات أسهمت في زيادة بناء المساكن وخفض أسعارها، بما يقدم نماذج يمكن لبريطانيا الاستفادة منها.
واختتم ليونيغ بالتأكيد أن معالجة أزمة الإسكان في لندن لن تعود بالنفع على سكان العاصمة وحدهم، بل ستمتد آثارها إلى مختلف مناطق البلاد من خلال زيادة الإيرادات الضريبية وتخفيف الضغوط على الإنفاق العام، داعيًا السياسيين إلى جعل زيادة المعروض من المساكن أولوية رئيسية لمعالجة أزمة تكاليف المعيشة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض