تواجه أسواق النفط العالمية ضغوطًا متزايدة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع مخزونات المشتقات النفطية، وسط توقعات باستمرار ضعف إمدادات الوقود المكرر حتى عام 2027، بحسب تقديرات بنك غولدمان ساكس.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتراجع فيه أسعار النفط عن مستوياتها المرتفعة الأخيرة، إذ انخفض خام برنت دون 115 دولارًا للبرميل، بعد أن اقترب من 117 دولارًا خلال جلسة الجمعة، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط تراجعًا تجاوز 2%، مع بقائه فوق مستوى 100 دولار للبرميل.
ورغم تراجع الأسعار، لا تزال الأسواق تسعّر مخاطر تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مخاوف من تعرض الإمدادات النفطية لمزيد من الاضطرابات، حتى مع ارتفاع التدفقات عبر بعض المسارات البديلة.
جولدمان ساكس: ضعف إمدادات الوقود المكرر مستمر حتى 2027
رجّح بنك جولدمان ساكس استمرار ضعف إمدادات الوقود المكرر عالميًا حتى عام 2027، نتيجة تأجيل أعمال الصيانة الدورية في مصافي التكرير وتراجع المخزونات في المراكز الرئيسية.
وأوضح البنك، في مذكرة بحثية، أن أعمال الصيانة المخطط لها في المصافي عالميًا تراجعت بنحو 1.7 مليون برميل يوميًا على أساس سنوي، بعد تأجيل أعمال صيانة في الولايات المتحدة، فيما قد يؤدي ارتفاع أعمال الصيانة في الهند وكوريا الجنوبية إلى تقليص صادرات الديزل ووقود الطائرات خلال الربع الثاني من عام 2027.
كما أظهرت البيانات تراجع مخزونات وقود الطائرات في مركز أمستردام وأنتويرب بنسبة 56% على أساس سنوي، وسط قيود لوجستية تبطئ تعافي صادرات المشتقات من الخليج العربي، وهو ما يقلص قدرة الأسواق على مواجهة أي اضطرابات إضافية في المعروض.
أسواق النفط لا تزال تسعّر مخاطر اضطراب الإمدادات
قالت سوني كوماري، الخبيرة الاقتصادية، إن زيادة التدفقات والصادرات خلال الأسابيع الأخيرة لم تنهِ المخاوف في الأسواق، بسبب استمرار الضغوط على مختلف حلقات سلسلة الإمداد، بما يشمل الإنتاج والخدمات اللوجستية والمخزونات والمشتقات النفطية.
وأضافت، خلال مقابلة تلفزيونية، أن الأسواق تأخذ في الحسبان احتمال تجدد الاضطرابات، في ظل التوترات الجيوسياسية والتهديدات الأميركية باستئناف الهجمات على إيران، مشيرة إلى أن التدفقات لا تزال عند نحو 60% من مستويات ما قبل الحرب، مع بقاء احتمال تراجعها قائمًا.
وأوضحت أن سوق المشتقات النفطية تواجه ضغوطًا أكبر مقارنة بسوق النفط الخام، بسبب تعرض مصافي التكرير للهجمات، إلى جانب التحديات التي تواجه استعادة مستويات الإنتاج المثالية.
وأشارت إلى أن تعافي سوق الخام قد يحدث قبل تعافي المشتقات، إذ قد يستغرق الأمر وقتًا أطول حتى تتمكن المصافي من استعادة مستويات التشغيل والإنتاج المطلوبة.
تدفقات النفط الروسي قد تخفف شح الديزل
وفيما يتعلق بالجهود الرامية إلى زيادة إمدادات المشتقات النفطية، قالت كوماري إن الخيارات التي تستكشفها الولايات المتحدة لتقليص شح الديزل العالمي قد توفر بعض الارتياح، لكن أثرها لا يزال غير واضح، في ظل الضغوط التي تتعرض لها المصافي الروسية.
وأضافت أن وصول النفط الخام الروسي إلى المصافي الآسيوية قد يمثل عاملًا أكثر فاعلية في تخفيف النقص، نظرًا إلى معاناة هذه المصافي من شح الخام، الذي ينعكس بدوره على إنتاج الديزل المكرر.
ولفتت إلى أن تخفيف القيود على المشتقات الروسية لن يضمن وحده تحسنًا كبيرًا في المعروض، طالما استمر نقص المنتجات النفطية الروسية نفسها.
أسعار النفط المرتفعة تضغط على المصافي والمستهلكين
وحذرت كوماري من أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، أو صعودها إلى نطاق يتراوح بين 120 و130 دولارًا للبرميل، قد يؤدي إلى انتقال جزء من التكلفة إلى المستهلكين، بما يترك أثرًا على معدلات التضخم.
وأوضحت أن المصافي ستكون من بين الجهات التي تتعرض للضغط أولًا، مع تراجع هوامش أرباحها بفعل ارتفاع تكلفة النفط الخام، رغم قوة هذه الهوامش خلال الفترة السابقة.
وأضافت أن الحكومات في عدد من الدول تقدم دعمًا ماليًا لحماية المستهلكين من ارتفاع الأسعار، إلا أن استمرار الضغوط قد يجعل تمرير جزء من التكلفة إلى المستهلك النهائي أمرًا مرجحًا.
السعودية وسنغافورة ترتبان لتخزين النفط الخام اعتبارًا من 2027
في سياق تعزيز أمن الطاقة، أعلنت السعودية وسنغافورة الترتيب لتخزين النفط الخام السعودي في كهوف جورونغ الصخرية بسنغافورة، اعتبارًا من النصف الثاني من عام 2027.
وأوضحت وزارة الطاقة السعودية أن هيئة سوق الطاقة ومؤسسة JTC السنغافوريتين تبادلتا مذكرة تفاهم مع شركة أرامكو، في خطوة أولى نحو استكمال الترتيبات اللازمة لبدء التخزين.
وأكدت الوزارة أن المشروع سيعزز مرونة سلسلة إمدادات النفط السعودي إلى الأسواق الآسيوية، ويسهم في تلبية احتياجات سنغافورة من الطاقة عند حدوث اضطرابات في الإمدادات.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية لتجاويف جورونغ نحو 9 ملايين برميل من النفط والهيدروكربونات السائلة، وهي سعة إجمالية لا تعني بالضرورة أن أرامكو ستخزن الكمية نفسها بموجب الترتيبات المقترحة.
واعتبرت كوماري أن النزاع في الشرق الأوسط قد يقود إلى تغيرات هيكلية في أسواق الطاقة، مع اتجاه الدول إلى تغيير مسارات النقل والتوزيع وإنشاء قدرات تخزينية في مواقع مختلفة، بهدف الحد من تأثير اضطرابات الإمدادات وتعزيز أمن الطاقة.
تراجع صادرات النفط السعودية 12.5% في أغسطس
على صعيد آخر، أظهرت أرقام وردت خلال التغطية التلفزيونية تراجع صادرات النفط السعودية بنسبة 12.5% في أغسطس، إلى جانب انخفاض فائض الميزان التجاري بنسبة 21% على أساس سنوي.
وتسلط هذه المؤشرات الضوء على التحديات التي تواجه التجارة النفطية في ظل التطورات الإقليمية، فيما تظل حركة الصادرات والأسعار خلال الفترة المقبلة مرتبطة بمسار التوترات الجيوسياسية، وقدرة الأسواق على استعادة تدفقات الإمدادات والمشتقات النفطية.
وبين المخاوف من تجدد الاضطرابات واستمرار الضغوط على المصافي والمخزونات، تتجه الدول والشركات إلى تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتوسيع قدرات التخزين، في محاولة لتقليل أثر الصدمات المستقبلية على أمن الطاقة والأسواق العالمية.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض