تواجه المالية العامة الفرنسية ضغوطا متزايدة مع ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومة إلى مستويات لم تشهدها منذ أكثر من عقدين، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو على احتواء أزمته المالية، واحتمالات انتقال الضغوط إلى أسواق الديون الأوروبية الأخرى.
ارتفاع تكلفة الاقتراض في فرنسا
وتجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات مستوى 5% خلال أكتوبر 2026، فيما اتسع الفارق بين عائدها وعائد السندات الألمانية المماثلة إلى نحو 174 نقطة أساس في 22 أكتوبر، وهو أعلى مستوى منذ أزمة الديون السيادية الأوروبية عام 2011، بحسب بيانات أوردتها وكالة رويترز.
ورغم تصاعد الضغوط، لا يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض بالضرورة أن أوروبا تتجه إلى أزمة ديون جديدة، إذ يرى خبراء أن احتمالات انتقال الأزمة إلى بقية منطقة اليورو لا تزال محدودة مقارنة بما حدث خلال الفترة من 2010 إلى 2012، في ظل اختلاف الأوضاع المالية والمصرفية وامتلاك البنك المركزي الأوروبي أدوات للتدخل.
ارتفاع الدين والعجز يضغطان على المالية الفرنسية
تواجه فرنسا مجموعة من التحديات، تشمل ارتفاع الدين العام والعجز المالي، وضعف النمو الاقتصادي، واستمرار حالة عدم اليقين السياسي، وهي عوامل تدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل إقراض الحكومة الفرنسية مقارنة بألمانيا، التي تمثل سنداتها مرجعًا رئيسيًا للأصول الآمنة في منطقة اليورو.
وتشير تقديرات حديثة إلى احتمال وصول عجز الموازنة الفرنسية إلى 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، في حين يقترب الدين العام من 120% من الناتج. وتزيد صعوبة التوصل إلى توافق سياسي بشأن الموازنة من المخاوف المتعلقة بقدرة الحكومة على خفض العجز والحد من نمو الدين.
وفي 23 أكتوبر، أبقت وكالة موديز التصنيف الائتماني السيادي لفرنسا عند مستوى Aa3، مع الاحتفاظ بنظرة مستقبلية سلبية، في إشارة إلى استمرار المخاطر المرتبطة بالأوضاع المالية والسياسية في البلاد.
ويؤدي ارتفاع عوائد السندات إلى زيادة تكلفة تمويل الدين وإعادة تمويل السندات المستحقة، ما يرفع نفقات الفائدة ويحد من قدرة الحكومة على توجيه الإنفاق إلى الخدمات العامة والاستثمارات والمشروعات الداعمة للنمو الاقتصادي.
هل تنتقل أزمة السندات الفرنسية إلى بقية أوروبا؟
تتمثل المخاوف الرئيسية في احتمال أن يؤدي تراجع ثقة المستثمرين في السندات الفرنسية إلى إعادة تقييم مخاطر الديون السيادية في دول أوروبية أخرى، خصوصًا الاقتصادات التي تعاني ارتفاع مستويات الدين أو صعوبة السيطرة على عجز الموازنة.
وفي حال اتساع فروق العوائد في عدة أسواق بالتزامن، قد ترتفع تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات، وتتراجع أسعار السندات القائمة، وتتزايد الضغوط على البنوك والمؤسسات المالية التي تحتفظ بهذه الأصول.
لكن اتساع الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية لا يعني أن العدوى انتقلت بالفعل إلى الأسواق الأخرى. فالمستثمرون يميزون بين الدول وفقًا لأوضاعها المالية والسياسية، وقد تظل الضغوط محصورة في فرنسا ما لم تتحول إلى موجة بيع واسعة في أسواق الديون الأوروبية.
ويحذر محللون من سيناريو أكثر خطورة إذا دخلت الحكومة الفرنسية المقبلة في مواجهة مفتوحة مع المؤسسات الأوروبية بشأن قواعد الانضباط المالي، إذ قد يرتفع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى 400 أو 500 نقطة أساس، وهي مستويات تقارب ما شهدته بعض الأسواق الأوروبية خلال أزمة الديون السابقة.
ومع ذلك، يظل هذا السيناريو متطرفًا وليس التوقع الأساسي لمسار الأزمة.
البنك المركزي الأوروبي يمتلك أدوات لاحتواء الاضطرابات
تختلف الظروف الحالية عن أزمة الديون الأوروبية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة من 2010 إلى 2012، إذ أصبحت البنوك الأوروبية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات بفضل تعزيز مستويات رأس المال وتطوير منظومة الرقابة المصرفية.
كما يمتلك البنك المركزي الأوروبي أدوات للتعامل مع الارتفاعات غير المبررة في تكاليف الاقتراض السيادي، ومن أبرزها آلية حماية انتقال السياسة النقدية (TPI)، التي تستهدف مواجهة الاضطرابات غير المبررة في أسواق السندات عندما تعوق انتقال السياسة النقدية بصورة متجانسة بين دول منطقة اليورو.
ويخضع استخدام هذه الآلية لشروط وتقييمات محددة، ما يعني أن وجودها لا يضمن التدخل التلقائي في جميع حالات ارتفاع العوائد، بل يرتبط بطبيعة الاضطرابات ومدى استيفاء المتطلبات ذات الصلة.
كذلك، فإن ارتفاع تكلفة اقتراض فرنسا لا يعني بالضرورة دخولها في أزمة ملاءة فورية، إذ لا تزال قادرة على الوصول إلى أسواق التمويل، وإن كان ذلك بتكلفة أعلى.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض