أعلى مستوى في 5 أشهر.. كيف أشعلت هجمات الحوثيين على السعودية أسعار النفط؟


الجريدة العقارية الخميس 22 أكتوبر 2026 | 01:23 مساءً
صادرات النفط السعودية
صادرات النفط السعودية
محمود علي

عادت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لتفرض نفسها بقوة على أسواق الطاقة العالمية، بعدما أدت هجمات الحوثيين على أهداف داخل السعودية إلى تجدد المخاوف من اضطراب إمدادات النفط، ودفع الأسعار إلى الارتفاع، وسط ترقب المستثمرين لاحتمالات اتساع نطاق المواجهة وتأثيرها على منشآت الطاقة وخطوط الملاحة البحرية.

وسجلت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا خلال تعاملات اليوم الخميس، إذ صعدت العقود الآجلة لخام برنت إلى نحو 111.64 دولارًا للبرميل، بزيادة بلغت 2.59%، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى نحو 99.39 دولارًا للبرميل، بزيادة 2.31%، وفق بيانات نقلتها رويترز، مع تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من المنطقة. المصدر: رويترز

لماذا تدفع هجمات الحوثيين أسعار النفط إلى الارتفاع؟

ويرتبط تأثير الهجمات على الأسعار بأهمية السعودية في سوق النفط العالمية، باعتبارها من كبار المنتجين والمصدرين، وهو ما يجعل أي تهديد لمنشآت الطاقة أو عمليات التصدير عاملًا مؤثرًا في توقعات العرض والطلب.

ولا يشترط أن يتوقف الإنتاج فعليًا حتى ترتفع الأسعار؛ إذ تتفاعل الأسواق مع احتمال حدوث نقص في المعروض مستقبلًا، فتزيد علاوة المخاطر التي يضيفها المتعاملون إلى الأسعار تحسبًا لأي تطورات مفاجئة.

وتكتسب الهجمات أهمية أكبر عندما تستهدف منشآت نفطية أو مواقع قريبة من البنية التحتية للطاقة، إذ يخشى المستثمرون أن يؤدي تكرارها إلى تعطيل الإنتاج أو عمليات النقل والتصدير، أو إجبار شركات الشحن والتأمين على رفع تكاليفها.

مضيق هرمز وباب المندب.. نقطة الخطر الأكبر

لا تقتصر مخاطر التصعيد على منشآت النفط داخل السعودية، بل تمتد إلى الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها شحنات الطاقة من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية.

ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الممرات، نظرًا إلى دوره في نقل كميات كبيرة من النفط والغاز، بينما يمثل باب المندب مسارًا مهمًا لحركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويرتبط بأهمية قناة السويس في حركة التجارة والطاقة.

وأي تهديد للملاحة في هذه المناطق قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مسارات السفن أو اتخاذ إجراءات أمنية إضافية، بما يزيد زمن الرحلات وتكاليف النقل والتأمين، ويضيف ضغوطًا جديدة إلى أسعار النفط حتى إذا استمر الإنتاج دون انقطاع.

وأشارت تقارير اقتصادية حديثة إلى تراجع تدفقات النفط عبر المنطقة بصورة حادة خلال بعض فترات التصعيد، مع تزايد المخاطر على السفن التجارية، ما يعزز حساسية السوق لأي تطورات أمنية جديدة.

هل يعني ارتفاع الأسعار استمرار الصعود؟

رغم أن التصعيد العسكري يدعم الأسعار عادة، فإن استمرار الارتفاع ليس أمرًا مضمونًا؛ إذ تتحدد حركة السوق وفق حجم الأضرار الفعلية التي تلحق بالإنتاج أو التصدير، ومدى استمرار الهجمات، وقدرة الدول المنتجة على تعويض أي نقص في الإمدادات.

كما تتداخل عوامل أخرى مع التأثير الجيوسياسي، من بينها مستويات المخزونات النفطية الأمريكية، والطلب العالمي، وقرارات تحالف «أوبك+» بشأن الإنتاج، فضلًا عن أي تطورات دبلوماسية قد تخفف حدة التوتر.

وتظهر تحركات السوق خلال الأيام الأخيرة أن أسعار النفط أصبحت شديدة الحساسية للأخبار العسكرية؛ فبينما ارتفعت الأسعار مع تجدد المخاوف من الإمدادات، شهدت بعض الجلسات تراجعات بفعل جني الأرباح أو التفاؤل بإمكان التوصل إلى تسوية سياسية.

انعكاسات محتملة على الاقتصاد العالمي

إذا استمرت الأسعار عند مستويات مرتفعة أو واصلت الصعود، فقد تنعكس الزيادة على تكاليف الوقود والنقل والشحن، كما يمكن أن ترفع تكلفة إنتاج السلع والخدمات، وتزيد الضغوط التضخمية في الدول المستوردة للطاقة.

وتواجه الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط تحديًا إضافيًا، إذ قد تؤدي زيادة فاتورة الطاقة إلى الضغط على الموازنات العامة وميزان المدفوعات، فضلًا عن احتمال انتقال جانب من الزيادة إلى المستهلكين عبر أسعار الوقود والنقل والسلع.

أما بالنسبة إلى مصر، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط عالميًا قد يزيد تكلفة استيراد بعض المنتجات البترولية، ويضع ضغوطًا إضافية على تكاليف النقل والإنتاج، بحسب حجم الاحتياجات المستوردة وتطورات سعر الصرف وسياسات التسعير المحلية. لكن انعكاس الارتفاع على الأسعار داخل السوق المصرية لا يكون فوريًا أو متطابقًا بالضرورة مع التحركات العالمية، إذ يتأثر بعوامل محلية أخرى.

السيناريوهات المقبلة لأسعار النفط

تتوقف اتجاهات أسعار النفط خلال الفترة المقبلة على 3 مسارات رئيسية:

استمرار التصعيد: قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى إذا زادت المخاوف من استهداف منشآت الطاقة أو تعطيل حركة الناقلات.

احتواء التوترات: قد يحد من علاوة المخاطر ويفتح المجال أمام تراجع الأسعار، خصوصًا إذا لم تتأثر الإمدادات الفعلية.

تعطل الإمدادات بصورة ملموسة: يمثل السيناريو الأكثر تأثيرًا، إذ قد يؤدي فقدان كميات من النفط أو تعذر نقلها لفترة طويلة إلى موجة ارتفاع أشد، وفق حجم النقص وقدرة المنتجين الآخرين على التعويض.

وتكشف التطورات الأخيرة أن هجمات الحوثيين على السعودية لا تؤثر في أسعار النفط من خلال الأضرار المباشرة وحدها، بل عبر توسيع نطاق المخاطر المحيطة بإمدادات الطاقة والممرات البحرية في الشرق الأوسط.

ومع اقتراب خام برنت من أعلى مستوياته في عدة أشهر، تظل السوق رهينة التوازن بين احتمالات التصعيد العسكري وإمكان احتواء الأزمة، إلى جانب العوامل الأساسية المرتبطة بالإنتاج والطلب والمخزونات العالمية.

وبينما تمثل الأسعار المرتفعة فرصة إيرادية للدول المصدرة، فإن استمرارها قد يزيد الأعباء على الدول المستوردة للطاقة والمستهلكين؛ ما يجعل مسار الأحداث الأمنية في المنطقة عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة.