قال الدكتور فادي كامل، خبير المعادن الثمينة، إن استمرار الصين في شراء الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي يعكس استراتيجية سيادية طويلة الأجل تستهدف تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، في ظل تزايد المخاوف بشأن حرية الدول في إدارة احتياطياتها النقدية والأجنبية.
وأوضح كامل، خلال مداخلة مع قناة إكسترا نيوز، أن التحولات التي شهدها النظام المالي العالمي، خاصة بعد فرض العقوبات على روسيا عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، دفعت عدداً من الدول إلى إعادة النظر في طبيعة الأصول التي تحتفظ بها ضمن احتياطياتها، ومدى قدرتها على التحكم فيها بصورة مستقلة.
وأشار إلى وجود فجوة تُقدّر بنحو 57% بين إجمالي مشتريات الذهب عالمياً والكميات التي يمكن تحديد هوية المشترين الرئيسيين لها، لافتاً إلى أن بعض الجهات قد لا تعلن بصورة واضحة عن مشترياتها، وهو ما يجعل تقدير حجم الطلب الفعلي على الذهب أمراً أكثر تعقيداً.
وأضاف أن الذهب بات يحتل مكانة متزايدة في استراتيجيات إدارة الاحتياطيات، في ظل توجه دول، من بينها الصين وبولندا والهند، إلى زيادة مشترياتها، إلى جانب عودة تركيا إلى الشراء بعد بيع جزء من حيازاتها خلال العام السابق، وفقاً لما ذكره.
تراجع حيازات الصين من السندات الأمريكية
وفيما يتعلق بمساعي الصين لتقليل الاعتماد على الدولار، قال خبير المعادن الثمينة إن حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية تراجعت إلى نحو 618 مليار دولار، وهو أدنى مستوى لها خلال 18 عاماً، بحسب الأرقام التي أوردها خلال المقابلة.
وأوضح أن حيازات الصين كانت تتجاوز تريليون دولار قبل نحو ست سنوات، مشيراً إلى أن هذا التراجع يعكس، من وجهة نظره، تحولاً تدريجياً في إدارة الاحتياطيات الصينية، مع زيادة الاهتمام بالذهب باعتباره أصلاً يمكن الاحتفاظ به بعيداً عن مخاطر القيود المفروضة على الأصول المالية الخارجية.
ولفت كامل إلى أن البنك الشعبي الصيني يعلن عن مشترياته من الذهب، بينما قد توجد مشتريات أخرى لا تظهر في البيانات المعلنة، مشيراً إلى دور محتمل للصندوق السيادي الصيني وجهات أخرى في تفسير الفجوة بين المشتريات المعلنة والتقديرات الإجمالية للطلب العالمي.
توقعات بتجاوز 4500 دولار للأونصة
وبشأن تحركات الأسعار، توقع كامل أن يتجاوز الذهب مستوى 4500 دولار للأونصة قبل نهاية عام 2026، مستنداً إلى استمرار الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين والصناديق الاستثمارية، فضلاً عن تأثير التطورات الجيوسياسية في توجهات الأسواق.
وأشار إلى أن الذهب حقق ارتفاعاً بنحو 5.87% منذ بداية العام وحتى موعد المقابلة، وفق الرقم الذي طرحه المذيع خلال الحوار، رغم تعرض المعدن الأصفر لفترات من التراجع والتصحيح السعري.
وأضاف أن عودة الصناديق الاستثمارية إلى الشراء خلال فترات التصحيح تمثل أحد العوامل الداعمة للسوق، لافتاً إلى مشتريات تقدر بنحو 10 مليارات دولار، بما يعادل قرابة 60 إلى 65 طناً، وفق تقديراته.
وأكد أن استمرار الطلب من مصادر متعددة قد يدعم الأسعار على المدى الطويل، معتبراً أن الذهب يستعيد دوراً محورياً في النظام المالي العالمي، وإن كان هذا التحول قد يستغرق عاماً أو عامين أو حتى فترة أطول.
البنوك المركزية توازن بين الذهب وعوائد السندات
وفي تفسيره لاستمرار مشتريات البنوك المركزية رغم ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات الأمريكية، أوضح كامل أن ارتفاع العوائد يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدر عائداً دورياً، لكنه يرى أن اعتبارات الأمان والسيادة على الاحتياطيات أصبحت أكثر أهمية لدى عدد من البنوك المركزية.
وأضاف أن قرارات الشراء تختلف من دولة إلى أخرى وفقاً لظروف الاقتصاد المحلي وقدرة كل دولة على تحمل تكاليف الاحتفاظ بالذهب، مشيراً إلى أن بعض الاقتصادات قد لا تتمكن من اتباع النهج الصيني بالسرعة أو بالحجم نفسه.
ولفت إلى أن استمرار مشتريات البنوك المركزية يمثل، بحسب تقديره، أحد العوامل التي تدعم استقرار الأسعار، مشيراً إلى أن حجم المشتريات المعلن خلال سبتمبر بلغ أكثر من 80 طناً، مع احتمال وجود كميات إضافية لم يُعلن عنها.
نصيحة للمستثمرين: الذهب للادخار طويل الأجل
وفي ختام حديثه، نصح كامل المستثمرين الأفراد بالتعامل مع الذهب باعتباره أداة للادخار والحفاظ على قيمة الأموال على المدى الطويل، بدلاً من الاعتماد عليه في المضاربات السريعة أو محاولة تحقيق أرباح فورية من تحركات الأسعار.
وقال إن شراء الذهب يمكن أن يتم بصورة دورية وفقاً للقدرة المالية للفرد، شريطة أن يكون باستخدام الأموال غير اللازمة للاحتياجات الأساسية، مع توزيع عمليات الشراء على فترات زمنية طويلة.
وشدد على أن الهدف من الاحتفاظ بالذهب، وفق رؤيته، هو الحفاظ على القيمة المالية بمرور الوقت، وليس الدخول في استثمارات قصيرة الأجل تتأثر بالتقلبات اليومية للأسواق.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض