«إل في إم إتش» تخسر 167 مليار دولار من قيمتها السوقية.. هل انتهى عصر رفع أسعار الرفاهية؟


الجريدة العقارية الاحد 11 أكتوبر 2026 | 03:40 مساءً
محمد عاطف

تواجه مجموعة «إل في إم إتش» (LVMH)، أكبر شركة للسلع الفاخرة في العالم، مرحلة صعبة بعدما فقدت أكثر من 167 مليار دولار من قيمتها السوقية منذ بداية العام، وسط تراجع إقبال المستهلكين الصينيين على شراء المنتجات الفاخرة، وتراجع فعالية سياسة رفع الأسعار التي دعمت نمو المجموعة لسنوات.

وبعد أن تجاوزت القيمة السوقية للمجموعة 500 مليار دولار قبل ثلاث سنوات، لتصبح أول شركة أوروبية تحقق هذا المستوى، انخفضت قيمتها إلى أقل من نصف ذلك الرقم، ما يضع رئيسها التنفيذي برنار أرنو أمام تحدي إعادة تقييم استراتيجية النمو التي اعتمدت عليها المجموعة لعقود.

ويقود أرنو، البالغ من العمر 77 عاماً، المجموعة منذ عام 1989، فيما تمتلك عائلته، عبر شركة «أغاش»، نحو 49% من رأس المال وقرابة 65% من حقوق التصويت. ويعمل أبناؤه الخمسة داخل المجموعة، وفقاً لما أوردته «رويترز» ونقلته «العربية Business».

رهان «لوي فيتون» والصين يضغط على الأرباح

على الرغم من امتلاك «إل في إم إتش» أكثر من 75 علامة تجارية، من بينها «لوي فيتون» و«ديور» و«مويت آند شاندون» و«هينيسي» (Hennessy) و«تاغ هوير»، باتت أرباحها تعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من العلامات والأنشطة الرئيسية.

وحققت وحدة الأزياء والمنتجات الجلدية نحو ثلاثة أرباع الأرباح التشغيلية المتكررة للمجموعة خلال العام الماضي، فيما تشير تقديرات «يو بي إس» (UBS) إلى أن «لوي فيتون» وحدها تساهم بأكثر من نصف أرباح هذه الوحدة.

وتزايد اعتماد المجموعة على الأسواق الآسيوية خلال السنوات الماضية، إذ شكلت آسيا، باستثناء اليابان، نحو 35% من إيرادات وحدة الأزياء والمنتجات الجلدية في 2025، مقارنة بـ18% للولايات المتحدة. ويقدر محللو «يو بي إس» أن المستهلكين الصينيين يمثلون قرابة ثلث المبيعات.

هذا التركّز جعل أداء المجموعة أكثر تأثراً بالتغيرات في سلوك المستهلك الصيني، الذي كان أحد أهم محركات نمو سوق السلع الفاخرة خلال السنوات الماضية.

طفرة الأسعار لم تعد تحقق النتائج نفسها

استفادت «إل في إم إتش» لسنوات من نمو الإنفاق الاستهلاكي في الصين واستعداد العملاء الأثرياء لتحمل زيادات متكررة في أسعار المنتجات الفاخرة.

ووفقاً لتقديرات «إتش إس بي سي» (HSBC)، ارتفعت أسعار السلع الفاخرة بنحو 54% بين نهاية 2019 وسبتمبر 2024. وساعدت هذه الزيادات، إلى جانب نمو الطلب، على ارتفاع إيرادات المجموعة من 54 مليار يورو في 2019 إلى 86 مليار يورو في 2023، فيما بلغ هامش الربح التشغيلي المتكرر 26.5%.

لكن هذه المعادلة بدأت تفقد زخمها مع تباطؤ الاقتصاد الصيني، وتراجع سوق العقارات، وتزايد المخاوف المتعلقة بالوظائف، وهي عوامل أثرت في ثقة المستهلكين وقدرتهم على الإنفاق.

وفي أواخر 2024، سجلت المجموعة أول انخفاض فصلي في المبيعات منذ جائحة كورونا، قبل أن تتراجع مبيعات وحدة الأزياء والمنتجات الجلدية بنسبة 1% خلال 2024 و5% خلال 2025.

المستهلك الصيني يعيد ترتيب أولوياته

لم يقتصر التحدي على ضعف الإنفاق، بل امتد إلى تغير تفضيلات المشترين واتجاههم نحو فئات أخرى من المنتجات الفاخرة.

وقدرت شركة «باين» (Bain) أن سوق السلع الشخصية الفاخرة في الصين انكمش بنسبة تتراوح بين 18% و20% خلال 2024، ثم تراجع بنسبة إضافية بين 3% و5% في 2025، وكانت المنتجات الجلدية من بين الفئات الأكثر تضرراً.

وأظهر استطلاع أجرته «أوليفر وايمان» (Oliver Wyman) في 2026 أن 37% من المستهلكين الصينيين الأثرياء يعتزمون زيادة إنفاقهم على مستحضرات التجميل الفاخرة، مقابل 4% فقط للمنتجات الجلدية.

وفي المقابل، واصلت علامات مستحضرات التجميل الفاخرة تسجيل نمو، إذ ارتفعت مبيعات وحدة «لوكس» (Luxe) التابعة لشركة «لوريال» (L'Oréal) في الصين بنحو 10% خلال أحدث ربع مالي معلن.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن التحدي أمام «إل في إم إتش» لا يتعلق فقط بانخفاض الإنفاق، بل أيضاً بانتقال جزء من الطلب إلى فئات أخرى داخل سوق الرفاهية.

المجوهرات تتقدم على الحقائب

استفادت شركات منافسة من التحول في تفضيلات المستهلكين، خصوصاً في قطاع المجوهرات.

وحققت وحدة المجوهرات التابعة لمجموعة «ريشمون» (Richemont)، المالكة لعلامتي «كارتييه» (Cartier) و«فان كليف آند آربلز» (Van Cleef & Arpels)، نمواً بنسبة 14% بأسعار الصرف الثابتة خلال العام المنتهي في مارس.

ويشير هذا الأداء إلى اختلاف اتجاهات الطلب بين فئات السلع الفاخرة، إذ قد ينظر بعض المستهلكين إلى المجوهرات باعتبارها منتجات تحتفظ بجزء من قيمتها بمرور الوقت، بينما تواجه الحقائب الجلدية منافسة من مستحضرات التجميل الأقل سعراً والمجوهرات الأعلى قيمة.

نزاع محلي يزيد الضغوط على «لوي فيتون»

واجهت «لوي فيتون» أيضاً ردود فعل سلبية في الصين عقب نزاع قانوني مع سلسلة المشروبات المحلية «مولي تي» (Molly Tea) بشأن استخدام شعار يتضمن تصميماً يشبه الزهرة.

ورغم صدور حكم قضائي لصالح العلامة الفرنسية، أثارت القضية انتقادات على الإنترنت وفي وسائل الإعلام المحلية، إذ رأى بعض المتابعين أن التصميم محل النزاع مستوحى من عناصر تقليدية في الثقافة الصينية.

ويرى محللو «جيفريز» (Jefferies) أن هذه الواقعة أثرت سلباً على أداء «لوي فيتون» في السوق الصينية، في وقت تواجه فيه العلامة بالفعل ضغوطاً مرتبطة بتراجع الطلب وتغير سلوك المستهلكين.

هل تحتاج «لوي فيتون» إلى حقائب أقل سعراً؟

حتى الآن، فضلت «إل في إم إتش» الدفاع عن مكانة علاماتها عبر تطوير المنتجات وتجديد التصاميم وتحسين تجربة التسوق، بدلاً من اللجوء إلى تخفيضات واسعة في الأسعار.

لكن بعض المنافسين اتجهوا إلى تقديم خيارات أقل تكلفة. فقد طرحت «شانيل» (Chanel) منتجات جلدية بأسعار تقل عن أسعار بعض طرازاتها الكلاسيكية، فيما خفضت «غوتشي» (Gucci) أسعار عدد من خطوط الحقائب بنسب تتراوح بين 20% و30% بهدف جذب عملاء جدد.

وتشير تقديرات «بيرنشتاين» (Bernstein) إلى أن طرح «لوي فيتون» حقيبة بسعر 1350 يورو قد يرفع حجم مبيعات المنتجات الجلدية بما يعادل 5% من مبيعاتها الحالية، مع إمكانية زيادة الإيرادات الإجمالية بنحو 440 مليون يورو، حتى مع انخفاض متوسط سعر البيع.

ويطرح ذلك تساؤلاً حول قدرة المجموعة على توسيع قاعدة عملائها من دون الإضرار بصورة علاماتها التجارية أو تقليص هوامش أرباحها.

الاستحواذات لم تعد كافية لدفع النمو

يواجه نموذج التوسع عبر الاستحواذات تحدياً إضافياً، إذ أصبح حجم «إل في إم إتش» كبيراً إلى درجة تجعل الاستحواذ على علامة فاخرة جديدة أقل قدرة على إحداث تغيير جوهري في معدل نمو المجموعة.

وفي المقابل، تزداد جاذبية الاستثمار في العلامات المحلية الناشئة، كما يظهر في استثمارات مجموعتي «كيرينغ» (Kering) و«لوريال» في علامات صينية، بما يتيح فهماً أعمق لتغيرات أذواق المستهلكين في أكبر سوق للسلع الفاخرة في العالم.

وقد يساعد هذا التوجه الشركات العالمية على تطوير منتجات تتناسب بصورة أفضل مع الطلب المحلي، بدلاً من الاعتماد على العلامات التقليدية وحدها.

تحدي أرنو: إعادة بناء محركات النمو

انعكس تراجع الأداء على توقعات المستثمرين، إذ انخفض مضاعف الربحية المستقبلي لسهم «إل في إم إتش» من نحو 24 مرة في مطلع العام إلى قرابة 16 مرة حالياً، بالتزامن مع خفض تقديرات الأرباح.

ورغم الضغوط، لا تزال علامات مثل «ديور» و«لورو بيانا» (Loro Piana) تحقق أداءً قوياً، فيما تحتفظ «لوي فيتون» بمكانتها بين أبرز العلامات التجارية العالمية.

لكن استعادة جاذبية العلامة في الصين، وتوسيع قاعدة العملاء، وتقليل الاعتماد على «لوي فيتون» باعتبارها المحرك الرئيسي للأرباح، قد تتطلب سنوات من العمل وإعادة ترتيب الأولويات.

وبالنسبة إلى برنار أرنو، الذي أمضى قرابة أربعة عقود في بناء مجموعة تعتمد على توسيع سوق السلع الفاخرة ورفع أسعارها، يتمثل التحدي الحالي في تحديد العناصر التي لا تزال تدعم النمو، وتلك التي تحتاج إلى إعادة تصميم لمواكبة تحولات الطلب العالمي.