سوق العقارات في الصين ينتقل من التطوير الجديد إلى إدارة الوحدات السكنية القائمة


الجريدة العقارية الاحد 11 أكتوبر 2026 | 02:19 مساءً
سوق العقارات في الصين
سوق العقارات في الصين
محمد شوشة

مع انتقال سوق العقارات في الصين من التركيز على تطوير مشروعات جديدة إلى تشغيل العقارات القائمة، تدخل البلاد مرحلة جديدة يتصدر فيها مخزون المساكن القائمة مشهد السوق، ويفسح نموذج النمو القديم، الذي اعتمد على التوسع المستمر في بناء المساكن التجارية الجديدة، المجال أمام مرحلة تركز على إعادة تنشيط المنازل القائمة، وتحسين جودتها، وتعزيز إدارتها على المدى الطويل.

واستشهدت وزارة الإسكان والتنمية الحضرية والريفية في الصين، خلال مؤتمر صحفي عقده مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة في 18 سبتمبر، ببيانات المكتب الوطني للإحصاء، التي أظهرت أن معاملات بيع المنازل المستعملة مثلت 27% من إجمالي معاملات الإسكان في الصين عام 2020، قبل أن ترتفع النسبة إلى 46% في عام 2025، ثم إلى 52% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وفقًا لتقرير وكالة "CGTN"

سوق العقارات في الصين

يمثل هذا التطور تحولاً تاريخيًا في سوق العقارات الصينية، ويعكس تغيرًا عميقًا في نموذج التنمية الأساسي للقطاع، وعلى مدار ما يقرب من عقدين، اعتمد قطاع العقارات في الصين على نموذج نمو تقوده عمليات التطوير العمراني الجديد، وكان هدفه الرئيسي تلبية احتياجات السكان وضمان توفير عدد كافي من المساكن. وخلال فترة التوسع الحضري السريع، شهدت المدن تدفقات سكانية كبيرة، ما أدى إلى نقص حاد في الوحدات السكنية.

وفي تلك المرحلة، كان المشترون يمنحون أهمية أكبر للمزايا طويلة الأجل المرتبطة بالموقع والتخطيط العمراني، إلى جانب توقعات ارتفاع قيمة العقارات في الأحياء الجديدة، مقارنة باهتمامهم بجودة الوحدات السكنية نفسها. 

وكان يُنظر إلى المسكن في المقام الأول باعتباره سلعة يتم شراؤها وبيعها في معاملة واحدة، في حين لم تحظى أعمال الصيانة والتجديد والإدارة طويلة الأجل بعد البناء والتسليم بالاهتمام الكافي في كثير من الأحيان.

ومع تباطؤ وتيرة التوسع الحضري، ارتفعت نسبة التحضر بين السكان المقيمين بصورة دائمة في الصين من 17.9% عام 1978 إلى 67.89% في عام 2025، كما تجاوز متوسط مساحة المساكن المتاحة للفرد في المدن 40 مترًا مربعًا، وتراجعت إلى حد كبير مرحلة النقص العام في المعروض السكني.

وأصبحت المنازل المستعملة تمثل الآن أكثر من نصف معاملات الإسكان في الصين، وهو ما يشير إلى أن السوق لم يعد يعتمد بصورة أساسية على الوحدات الجديدة لتلبية الطلب السكني، بل أصبحت القيمة المضافة تتحقق بصورة متزايدة من خلال إعادة طرح المنازل القائمة للبيع، ومواءمتها مع احتياجات المشترين، وتحسين جودتها.

ومع دخول السوق هذه المرحلة الجديدة التي تتصدرها المساكن القائمة، أصبح المشترون يضعون متطلبات أعلى فيما يتعلق بجودة الوحدات السكنية، وخدمات إدارة العقارات، والبيئة المحيطة بالمجتمعات السكنية، والبنية التحتية للنقل.

كما أصبحت قرارات شراء المنازل ترتبط بصورة متزايدة باحتياجات سكنية فعلية ومتنوعة، مع انتقال الاهتمام من مجرد توافر المسكن إلى مدى ملاءمته للعيش وجودة الحياة التي يوفرها.

وبحسب التقرير، لم يعد الاتجاه الرئيسي لتطوير القطاع العقاري يتمثل في إضافة أعداد كبيرة من الوحدات السكنية الجديدة، بل في إعادة إحياء المخزون الضخم من المنازل القائمة من خلال التجديد الحضري، وترميم المجمعات السكنية القديمة، ورفع جودة المساكن، وتحسين إدارة العقارات، بما يتيح الاستفادة بصورة أفضل من قيمة الأصول الموجودة بالفعل.

وتتجه العوامل الأساسية الداعمة لاستقرار سوق الإسكان نحو التحول من التركيز على توفير الأراضي والمنازل الجديدة إلى تعزيز التداول الفعال للوحدات القائمة، والحفاظ على جودة المساكن، وتحسين توزيع الموارد واستخدامها.

ولا ينبغي النظر إلى ارتفاع حصة معاملات المنازل المستعملة باعتباره مؤشرًا على ركود سوق العقارات، بل باعتباره انعكاسًا لنضج هيكل المعاملات وتسارع التحول في نموذج تطوير القطاع.

ومع انتقال قطاع العقارات من تطوير المشروعات الجديدة إلى تشغيل المساكن القائمة، يتغير النموذج الأساسي لتطوير القطاع تبعًا لذلك، حيث يتجه التركيز بصورة أكبر نحو أنشطة التشغيل والصيانة بدلاً من الاعتماد على إنشاء مشروعات جديدة.

ولم يعد مستقبل العقارات مرتبطًا فقط بزيادة المعروض من الوحدات السكنية، بل أصبحت أنشطة التشغيل والصيانة، مثل تجديد المجمعات السكنية القديمة، وتحديث المنازل المتهالكة، وإعادة تطوير الأحياء الحضرية، وتحسين كفاءة الطاقة في المباني القائمة، وتجهيز المساكن بما يتناسب مع احتياجات كبار السن، وتطوير خدمات إدارة العقارات، وتشغيل الوحدات المخصصة للإيجار، تمثل مجالات جديدة للنمو.

ويتعين على شركات العقارات الاستفادة من قيمة الأصول القائمة من خلال تحسين جودة الحياة، وإطالة العمر الافتراضي للمباني، وتعزيز الخدمات المقدمة داخل المجتمعات السكنية.

ومن شأن هذه الجهود أيضًا أن تدعم نمو أنشطة استهلاكية مرتبطة بالقطاع، تشمل تجديد المنازل وتأثيثها، وشراء الأجهزة المنزلية، وخدمات رعاية كبار السن والأطفال، إلى جانب التجارة والخدمات داخل المجتمعات السكنية.

شركات العقارات تتحول من التطوير إلى إدارة الأصول

ويتمثل أحد أبرز جوانب التحول في سوق العقارات الصينية في ضرورة انتقال الشركات من دور المطور العقاري إلى دور مشغل الأصول ومديرها، فلم تعد قيمة الأصول السكنية ترتبط فقط بالعوائد الناتجة عن ارتفاع أسعار الأراضي، بل باتت تعتمد بدرجة كبيرة على جودة إدارة العقارات وصيانتها على المدى الطويل.

ولن تقتصر القدرة التنافسية للشركات على حجم الأراضي التي تستحوذ عليها أو سرعة تطوير المشروعات، بل ستعتمد بصورة متزايدة على كفاءتها في إدارة الأصول القائمة، واستقطاب الشركات، وتقديم خدمات أكثر تطوراً.

ويمكن إعادة تصميم العقارات التجارية والمكتبية والصناعية الشاغرة واستغلالها في أغراض جديدة، مثل توفير مساكن للإيجار بأسعار معقولة، أو مجمعات سكنية للشباب، أو حدائق للعلوم والتكنولوجيا، أو مساحات مخصصة لخدمة المجتمع.

كما يمكن رفع قيمة المجمعات السكنية القديمة من خلال تركيب المصاعد، وتطوير المساحات المشتركة، والاستعانة بشركات متخصصة في إدارة العقارات، بما يسهم في تحويل المساحات غير المستغلة إلى وحدات ومساحات سكنية أكثر كفاءة في الاستخدام.

وفي سوق المساكن الجديدة، ستتجه المنافسة بصورة متزايدة نحو وضع معايير أعلى لجودة المشروعات، مع التركيز على جودة المنتجات العقارية، والالتزام بمواعيد التسليم، وتوفير بيئات معيشية صحية وصديقة للبيئة، وتطوير الخدمات الذكية، ورفع كفاءة إدارة المجمعات السكنية.

ومن المتوقع أن تحظى الشركات القادرة على توفير مساكن جيدة، ومجمعات تتم إدارتها بكفاءة، ومجتمعات سكنية ذات جودة مرتفعة، بتقدير أكبر من جانب السوق.

التجديد الحضري يتصدر المرحلة المقبلة

ومن منظور إدارة المدن، يمثل الانتقال إلى مرحلة المساكن القائمة تحولاً من التوسع العمراني الخارجي إلى تحسين جودة المناطق الحضرية الموجودة بالفعل.

ففي السابق، اعتمد النمو الحضري بصورة رئيسية على تطوير مناطق جديدة وتوسيع نطاق الأراضي العمرانية، بينما يُتوقع أن يصبح التجديد الحضري في المرحلة المقبلة أحد المحركات الرئيسية للتنمية، من خلال تحسين الهياكل الحضرية، وتعزيز مصادر النمو الجديدة، والارتقاء بجودة الحياة داخل المدن.

ويمكن أن يسهم تجديد المساكن القائمة في تقليل استهلاك الموارد المرتبط بعمليات الهدم وإعادة البناء واسعة النطاق، كما يساعد المدن على تحسين استخدام المساحات المتاحة في ظل محدودية موارد الأراضي، ومعالجة أوجه النقص في الخدمات العامة، والارتقاء بمستوى المعيشة داخل المجتمعات السكنية.

وفي هذا السياق، أصدر مجلس الدولة الصيني خلال العام الجاري خطة لتجديد المناطق الحضرية خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، تضمنت، للمرة الأولى، أهدافًا ومهامًا كمية لتجديد المناطق الحضرية على مستوى البلاد.

وتوضح الخطة تحول أولويات السياسة العامة التي تتبناها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة، من إنشاء مرافق جديدة إلى تجديد المرافق القائمة، ومن التوسع العمراني إلى تحسين جودة المناطق الحضرية الموجودة.

ويعكس هذا التوجه تحولاً أوسع في سوق العقارات الصينية، من التركيز على تطوير المشروعات الجديدة إلى إعادة تنشيط الأصول القائمة، وتحسين جودتها، وتطوير أساليب تشغيلها وإدارتها، وفقًا للتقرير.

ويمثل التحسين المستمر لتوزيع موارد الإسكان وتطوير البيئة المعيشية عاملاً مهمًا لدعم النمو المستقر والصحي لسوق العقارات، وتعزيز التكامل بين القطاع العقاري ومسار التوسع الحضري الجديد في الصين.