تستهدف البورصة المصرية بدء العمل على ملف الإدراج المزدوج مع الإمارات مطلع عام 2027، بالتوازي مع الاستعداد لتفعيل آلية جديدة للبيع على المكشوف خلال شهر أو شهرين، فضلاً عن جذب مزيد من الشركات الكبرى إلى السوق.
وفي هذا السياق، قال عمر رضوان، رئيس مجلس إدارة البورصة المصرية، في مقابلة خاصة مع CNN الاقتصادية، إن السوق أضافت أكثر من 550 ألف مستثمر جديد خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، مقابل نحو 300 ألف مستثمر خلال عام 2025 بأكمله.
ويرى رضوان أن استمرار وتيرة النمو الحالية قد يرفع عدد المستثمرين الجدد إلى نحو مليون مستثمر.
مستثمر جديد كل 45 ثانية
لا يرى رضوان أن التحول الأبرز في السوق المصرية خلال 2026 يقتصر على أداء المؤشرات، وإنما يتمثل في الاتساع السريع لقاعدة المستثمرين.
وقال إن أكثر من 550 ألف مستثمر جديد دخلوا السوق خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بما يعادل، وفق وتيرة النمو الحالية، إضافة مستثمر جديد كل 45 ثانية.
ويربط رئيس البورصة جانبا من هذا النمو بالتوسع في استخدام التكنولوجيا المالية، بعدما سمحت التشريعات منذ عام 2022 بفتح الحسابات وإتمام إجراءات التعاقد عن بُعد من خلال التطبيقات والمنصات الرقمية.
لكن هذه الآلية لا تزال محدودة الاستخدام، إذ تعتمد عليها نحو 5 أو 6 شركات وساطة فقط من أصل قرابة 130 شركة، فيما تستعد شركات أخرى لتقديم الخدمة.
ومن شأن زيادة الاعتماد على القنوات الرقمية أن تدعم استمرار نمو قاعدة المستثمرين خلال الفترة المقبلة.
وانعكس هذا التوسع على السيولة في السوق، إذ ارتفع متوسط قيمة التداولات، بحسب رضوان، من نحو 3.5 مليار جنيه يومياً العام الماضي إلى قرابة 10 مليارات جنيه هذا العام.
هل وصلت الأسهم المصرية إلى قيمتها العادلة؟
جاءت الزيادة في قيم التداولات بالتزامن مع إعادة تسعير واسعة للأصول المصرية خلال السنوات الماضية، في ظل التحولات التي شهدها سعر صرف الجنيه.
ويقر رضوان بأن تغير قيمة العملة لعب دوراً في إعادة تقييم الأصول، لكنه لا يرى أن عملية إعادة التسعير وصلت بالضرورة إلى نهايتها.
وقال إن الجنيه أصبح يتحرك بصورة أكثر مرونة صعوداً وهبوطاً، بينما تحتاج السوق إلى مزيد من الوقت لإعادة تقييم الأصول المصرية عند مستوياتها الحقيقية.
وبحسب رئيس البورصة، لا تزال تقديرات عدد من بيوت الأبحاث المحلية والعالمية تشير إلى أن الأسهم المصرية لم تصل إلى أعلى مستويات التقييم مقارنة بأسواق أخرى في المنطقة.
3 طروحات مرتقبة قبل نهاية 2026
في مقابل التوسع في قاعدة المستثمرين، تراهن البورصة أيضاً على زيادة المعروض من الأسهم عبر إدخال شركات جديدة إلى السوق.
وقال رضوان إن التوقعات الحالية تشير إلى طرح شركة من القطاع الخاص وشركتين من القطاع العام خلال الفترة المتبقية من 2026، مع توقع ارتفاع عدد طروحات الشركات الخاصة خلال الربع الأول من 2027.
ومن بين الشركات التي أشار إليها بنك القاهرة ومصر لتأمينات الحياة، إلى جانب شركة التكنولوجيا المالية «إم إن تي حالاً»، التي يُتوقع طرحها الشهر المقبل.
ويرى رضوان أن ارتفاع السيولة وأحجام التداول يوفر نافذة مواتية لتنفيذ طروحات كبيرة خلال الفترة الحالية.
أما بالنسبة إلى الشركات الحكومية، فيرى أن التحدي لا يتمثل في وجود «عقدة» أمام الطرح، وإنما في تغيير طريقة عمل شركات اعتادت لسنوات التعامل مع مساهم واحد هو الدولة.
ويتطلب الانتقال إلى السوق، بحسب رضوان، الالتزام بقواعد القيد والإفصاح، وتطوير المعايير المحاسبية، والاستعانة بمستشار مالي مستقل ومراجع حسابات خارجي وبنك استثمار، إلى جانب تأسيس إدارات متخصصة لعلاقات المستثمرين.
من الحفاظ على تصنيف مصر إلى زيادة وزنها
بعد الجدل الذي صاحب مراجعات مؤشرات الأسواق العالمية لتصنيف مصر، يقول رضوان إن طموح البورصة لم يعد يقتصر على الحفاظ على تصنيفها كسوق ناشئة.
وأشار إلى أن مصر مصنفة سوقاً ناشئة منذ نحو 25 عاماً، لكن الهدف حالياً هو زيادة أوزان الشركات المصرية داخل المؤشرات الدولية.
ويرى أن تحقيق ذلك يتطلب إدراج شركات جديدة، وزيادة رؤوس أموال الشركات القائمة، وتشجيع عمليات الاندماج والاستحواذ التي يمكن أن تنتج كيانات أكبر وأكثر قدرة على دخول المؤشرات العالمية.
وفي هذا السياق، أشار إلى الحوافز الضريبية الجديدة، ومن بينها إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأوراق المالية المقيدة، إلى جانب حوافز للشركات التي تتمتع بقيم سوقية كبيرة.
الإدراج المزدوج مع الإمارات يبدأ من 2027
يأتي تعزيز الربط بين البورصة المصرية والأسواق الخليجية على رأس الملفات التي تستعد السوق للعمل عليها خلال المرحلة المقبلة.
وبعد توقيع مذكرة تفاهم مع سوق أبوظبي للأوراق المالية، أكد رضوان أن الوصول إلى إدراج مزدوج بين السوقين يمثل أحد الأهداف الرئيسية للبورصة.
وقال إن العمل على هذا الملف من المقرر أن يبدأ مطلع 2027، موضحاً أن تنفيذ أولى عمليات الإدراج المزدوج عادة ما يحتاج إلى وقت أطول بسبب المتطلبات التنظيمية والفنية.
ولا تبدأ السوق المصرية من نقطة الصفر في هذا المجال، إذ توجد تجارب سابقة لشركات مصرية مدرجة في أسواق خارجية، من بينها أسواق خليجية ولندن.
كما تجري البورصة محادثات مع السوق السعودية بشأن وضع الأطر والقواعد التنظيمية التي يمكن أن تسهل عمليات الإدراج المزدوج، خصوصاً لبعض الشركات التابعة لقطاع البترول.
وقال رضوان إن الهدف هو الوصول إلى مرحلة تضم فيها أسواق الخليج شركات مصرية مدرجة، في مقابل وجود شركات خليجية في السوق المصرية.
«حان وقت الاستثمار في البورصات العربية»
يتجاوز الربط بين الأسواق، من وجهة نظر رضوان، مجرد إدراج شركة في سوقين، إذ يرى أن زيادة التكامل بين البورصات العربية يمكن أن تساعد المنطقة على جذب حصة أكبر من رؤوس الأموال العالمية.
وقال: «كان هناك وقت للاهتمام بالنمور الآسيوية، ثم أصبحت شركات التكنولوجيا هي الموضة، ثم البريكس.. حان الوقت أن تكون الموضة القادمة هي الاستثمار في البورصات العربية».
لماذا لا يدخل المستثمر الأجنبي بقوة أكبر؟
رغم خروج استثمارات أجنبية من السوق المصرية خلال فترات التوتر الإقليمي، يقلل رضوان من أهمية هذه التدفقات مقارنة بحجم السوق، ويربط جانباً منها بما يعرف بـ«الهروب إلى الأمان» خلال فترات الأزمات.
لكنه يرى أن سهولة دخول وخروج الأموال أصبحت عاملاً مهماً في إعادة جذب المستثمرين، خصوصاً بعد التغييرات التي شهدها سوق الصرف.
وعن الأسباب التي قد تمنع مدير صندوق عالمي من زيادة وزن مصر في محفظته، قال رضوان إن المشكلة الأساسية، من وجهة نظره، تتمثل في عدم امتلاك بعض المستثمرين الدوليين معلومات كافية عن التحولات التي شهدها الاقتصاد المصري.
وأشار إلى ارتفاع الاحتياطي من النقد الأجنبي، وتحسن صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك، وزيادة إيرادات السياحة وتحويلات المصريين في الخارج، إلى جانب انخفاض تكلفة التأمين على الديون المصرية.
البيع على المكشوف خلال شهر أو شهرين
بعد إطلاق سوق المشتقات خلال العام الحالي، تستعد البورصة المصرية لتفعيل أداة أخرى طال انتظارها، وهي آلية الاقتراض بغرض البيع، أو ما يعرف بـ«البيع على المكشوف».
وقال رضوان إن البنية التحتية التكنولوجية المطلوبة لدى شركة مصر للمقاصة اكتملت، بينما يجري العمل حالياً مع مقدمي الخدمات لتعديل أنظمة شركات الوساطة بما يتوافق مع القواعد الجديدة.
وتوقع الانتهاء من هذه المرحلة خلال شهر أو شهرين على الأكثر، على أن تنضم شركات الوساطة إلى المنظومة تدريجياً بمجرد جاهزية أنظمتها.
وأوضح أن الاختيار سيركز على الأسهم الأعلى سيولة والأكثر قدرة على استيعاب هذا النوع من التداول، متوقعاً أن يبدأ البرنامج بنحو 25 إلى 30 شركة.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تطوير سوق المشتقات، التي بدأت بعقود مرتبطة بالمؤشرات قبل أن تتوسع إلى عقود على أسهم منفردة، بهدف توفير أدوات أوسع للتحوط وإدارة المخاطر، خصوصاً أمام المؤسسات وصناديق الاستثمار.
تحويل البورصة إلى شركة مساهمة.. مشروع طويل
لا يبدو مشروع تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة قريباً من التنفيذ، وفقاً لرئيس مجلس إدارتها.
وقال رضوان إن الخطوة تحتاج إلى تعديل تشريعي يمر عبر عدد من المؤسسات والجهات الرسمية، وهو ما يعني أن تنفيذها سيستغرق وقتاً.
وفي المقابل، يستهدف رضوان زيادة عدد الشركات الكبرى المدرجة في السوق، خصوصاً الشركات العائلية، إلى جانب دعم عمليات الاندماج والاستحواذ التي يمكن أن تنتج كيانات ذات قيم سوقية أكبر وأكثر قدرة على دخول المؤشرات العالمية.
كما يستهدف توسيع التداول الثانوي في أسواق الدين، وزيادة حضور المستثمرين المؤسسيين، وصناديق التحوط، والصناديق العقارية، وصناديق التأمين الخاصة، وصناديق المؤشرات.
الذكاء الاصطناعي يدخل البورصة
لا تقتصر أولويات رئيس البورصة المصرية على تطوير أدوات التداول التقليدية، إذ يرى أن الذكاء الاصطناعي سيكون أحد الملفات الرئيسية خلال المرحلة المقبلة.
وقال رضوان إن البورصة تريد توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالي الإفصاح والرقابة على التداول، مشيراً إلى أن العمل بدأ بالفعل على هذا الملف.
ويستهدف رضوان أيضاً توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في السوق، قائلاً إنه يريد أن يرى «كل بيت مصري» يمتلك استثماراً تدريجياً في البورصة.
ويرى أن الادخار وحده لا يكفي، وأن «الاستثمار هو ما يخلق الثروات في الأمد البعيد».
ومع اقتراب عام 2027، تراهن البورصة المصرية على مجموعة من المسارات المتوازية، تشمل توسيع آلية البيع على المكشوف، وتنشيط صناع السوق ومزودي السيولة، وتعميق سوق المشتقات، واستقطاب طروحات أكبر.
وبذلك، لا تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة فقط بارتفاع مؤشرات البورصة المصرية، وإنما بمحاولة تحويل السيولة والزخم الحاليين إلى سوق أكثر عمقاً، وأكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال، وأكثر اتصالاً بالأسواق الإقليمية والعالمية.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض