أكدت كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولي، أن التحدي الأساسي أمام اقتصادات المنطقة في المرحلة الحالية يتمثل في استعادة الزخم الذي كانت تتمتع به قبل الحرب، مشددة على أهمية مواصلة تنويع الاقتصادات، والاستخدام الرشيد للقدرات المالية، وتعزيز التعاون بين دول المنطقة.
وقالت جورجيفا في مقابلة مع «العربية Business»، إن الاستثمارات التي نفذتها دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الماضية، إلى جانب السياسات الاقتصادية الجيدة والانضباط المالي، شكلت مصادر قوة ومرونة لاقتصادات المنطقة.
وأضافت أن البناء على هذه الأسس ومواصلة تنويع النشاط الاقتصادي من شأنهما تعزيز قدرة دول الخليج على مواجهة الصدمات المستقبلية.
استثمارات الخليج ومسارات بديلة لنقل النفط
وأشارت مديرة صندوق النقد إلى أن دول الخليج اتخذت خلال السنوات الماضية خطوات لتعزيز فرص العمل وتطوير مسارات بديلة لنقل النفط بعيدًا عن منطقة الخليج.
وأكدت أهمية استمرار الاستثمار في هذه المسارات حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز وعدم تعرضه للإغلاق مستقبلًا، باعتبارها جزءًا من تعزيز قدرة المنطقة على مواجهة الصدمات.
وقالت إن التعاون المشترك الذي شهدته المنطقة لتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات يوفر زخمًا جديدًا للعمل الجماعي، مشيرة إلى أن مواصلة بناء الأساسيات الاقتصادية وتنويع النشاط الاقتصادي يخدم اقتصادات المنطقة.
ولفتت إلى أن عددًا من دول الخليج يسجل نموًا إيجابيًا في القطاعات غير النفطية وغير المرتبطة بالغاز، بما يعكس تقدم جهود التنويع الاقتصادي.
3 عوامل تدعم نمو السعودية
وبشأن توقعات النمو الاقتصادي في السعودية، قالت جورجيفا إن صندوق النقد يتفق مع التقديرات السعودية بشأن مسار التعافي والنمو خلال العام المقبل، مشيرة إلى 3 عوامل رئيسية تدعم هذا المسار.
وأوضحت أن العامل الأول يتمثل في تعافي الإنتاج وزيادة صادرات النفط، حتى مع استمرار الحرب، مع أهمية مواصلة العمل على مسارات بديلة لإيصال النفط إلى الشركاء والمصدرين.
أما العامل الثاني فيتمثل في توقع استمرار ارتفاع أسعار النفط حتى بعد انتهاء الحرب، في ظل سحب جزء من الاحتياطيات النفطية خلال الأزمة، والحاجة إلى وقت لإعادة بنائها، فضلًا عن التداعيات المستمرة لإغلاق مضيق هرمز.
ويتمثل العامل الثالث في استمرار السعودية في تنويع اقتصادها وتعزيز حيويته.
وقالت جورجيفا إن صندوق النقد لا يعرف حتى الآن تفاصيل كيفية التوصل إلى الأرقام الواردة في التقديرات السعودية، لكنه يتفق مع الاتجاه العام، ويرى وجود زخم وتطور كبيرين في الاقتصاد السعودي.
العراق ومصر والأردن من الأكثر تأثرًا بتداعيات الحرب
وحول تأثير أسعار الطاقة على الدول المصدرة والمستوردة للنفط، أوضحت غيورغييفا أن تداعيات الحرب تختلف من اقتصاد إلى آخر.
وقالت إن العراق من بين الدول الأكثر تأثرًا، بعد فقدان كامل إنتاجه النفطي، فيما تأثرت البحرين والكويت بدرجة أكبر أيضًا، وإن كان لأسباب مختلفة.
وأضافت أن دولًا أخرى، من بينها الأردن ومصر، واجهت ضغوطًا كبيرة باعتبارها من الدول المستوردة للنفط.
وأشارت إلى أن دول المنطقة اتخذت خلال السنوات الماضية خطوات لبناء هوامش أمان وتعزيز أساسيات اقتصاداتها، بما يساعدها على مواجهة الصدمات بصورة أفضل.
وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون للتركيز على مواطن القوة، مع الاستعداد في الوقت نفسه لفترات أكثر صعوبة.
منتصف ديسمبر موعد استكمال برنامج مصر
وبشأن المراجعة النهائية لبرنامج مصر مع صندوق النقد الدولي، قالت جورجيفا إن الموعد المستهدف لاستكمال البرنامج هو منتصف ديسمبر المقبل، مضيفة أن الصندوق يخطط لإيفاد بعثته بما يتماشى مع هذا الموعد لإبلاغ إدارة الصندوق بالنتائج في الوقت المناسب.
وأكدت أن القرارات المتعلقة بالهيكل الاقتصادي لمصر تظل من الحقوق السيادية للدولة، مشيرة إلى أن ما يطالب به الصندوق ويدعمه هو إتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص.
وأوضحت أن القطاع الخاص أكثر ديناميكية وقدرة على التكيف مع الصدمات، بما يعزز مرونة الاقتصاد، مضيفة أن هناك مجالًا أكبر في مصر لتوسيع دوره.
وحول إمكانية احتياج مصر إلى برنامج جديد مع الصندوق، قالت جورجيفا إن التركيز حاليًا ينصب على إنهاء البرنامج القائم، مشيدة بدور مصر، ومعتبرة أن البرنامج كان إيجابيًا بشكل كبير للاقتصاد المصري.
صدمات الطاقة تضغط على التضخم والفائدة
وعلى صعيد الاقتصاد العالمي، قالت جورجيفا إن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة حرب إيران أدى إلى ضغوط سعرية ناجمة عن صدمات في قطاع الطاقة، ما ساهم في زيادة التضخم في بعض الحالات.
وأضافت أن هذه الضغوط قد تدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية للسيطرة على التضخم، وهو ما يزيد تكلفة خدمة الديون المرتفعة عالميًا ويؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية.
وأشارت إلى أن الدول المستوردة للنفط، خصوصًا التي لا تمتلك مساحة مالية كافية، ستكون من بين الأكثر تأثرًا، إلى جانب العديد من الدول منخفضة الدخل والهشة والأسواق الناشئة التي تحتاج إلى الاقتراض.
ولفتت إلى أن الأسواق الناشئة عملت خلال الفترة الأخيرة على خفض فروق العوائد وتقليص هوامشها، ما يوفر مساحة أكبر للنمو عندما تنحسر الضغوط الحالية.
الذكاء الاصطناعي يواجه صدمات الطاقة
وقالت جورجيفا إن الاقتصاد العالمي تعرض لتأثير سلبي جراء صدمات الطاقة، لكن هذا الأثر جرى تعويض جزء منه بفعل الزخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وأوضحت أن الاقتصاد العالمي يواجه حاليًا قوتين تتحركان في اتجاهين متعاكسين؛ الأولى تتمثل في صدمات الطاقة التي تضغط سلبًا على النشاط الاقتصادي، والثانية في الحماس والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي تدعم النمو.
ارتفاع الديون السيادية يرفع تكلفة التمويل
وبشأن أسواق السندات وارتفاع مستويات الدين السيادي، قالت غيورغييفا إن تحركات الأسواق تعكس الأساسيات الاقتصادية، موضحة أن ارتفاع التضخم وصدمات الطاقة يدفعان أسعار الفائدة إلى الارتفاع، وبالتالي ترتفع عوائد السندات.
وأضافت أن مستويات الدين ارتفعت بصورة كبيرة منذ جائحة كورونا، بعدما لجأت الحكومات إلى الاقتراض لمواجهة تداعيات الجائحة، دون اتخاذ خطوات كافية لخفض مستويات الدين خلال فترات التحسن، قبل أن تعود إلى الاقتراض مع صدمة حرب أوكرانيا وأزمات الطاقة.
وأكدت أن المطلوب حاليًا هو أن تتحمل الدول مسؤوليتها وتضع خططًا لتعزيز السياسة المالية على المدى المتوسط والطويل.
وحذرت من أن الجمع بين ارتفاع مستويات الدين، والاعتماد على التمويل بالديون وحقوق الملكية، والحماس المرتبط بالذكاء الاصطناعي، قد يجعل التمويل أكثر صعوبة وكلفة، خصوصًا مع تشديد الأوضاع الاقتصادية والمالية.
جورجيفا : لا مخاوف حاليًا من ديون شركات الذكاء الاصطناعي
وبشأن ديون شركات الذكاء الاصطناعي، قالت جورجيفا إنه لا توجد مخاوف حاليًا بشأنها، موضحة أن هذه الشركات تقترض لكنها تحقق أرباحًا أيضًا، فيما أصبح التوسع في مراكز البيانات واقعًا في الاقتصاد العالمي.
لكنها حذرت من أن مصدر القلق يتمثل في ارتفاع توقعات زيادة الإنتاجية، مشيرة إلى أنه إذا لم تتحقق هذه التوقعات فعليًا، فقد ينعكس ذلك على الأسواق.
وأضافت أن وقوع حوادث أخرى، مثل خروج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة البشر، قد يفتح أيضًا نقاشًا واسعًا حول المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا.
وأكدت ضرورة التعامل مع هذه المخاطر من جانبين؛ الأول يتمثل في وضع ضوابط وحواجز أمان للذكاء الاصطناعي لتعزيز الثقة به، والثاني يتمثل في الانتباه إلى آليات تمويل القطاع، بما يضمن أن تكون توقعات الأرباح ومزيج الديون وحقوق الملكية داعمة لاستدامة الاستثمار.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض