200% قفزة في تكاليف البناء.. و%400 صعودًا بأسعار الساحل الشمالي خلال 3 سنوات


أيمن سامي مدير مكتب «JLL ـــ مصر » في قراءة للمشهد العقاري:

الجريدة العقارية الاثنين 28 سبتمبر 2026 | 10:05 مساءً
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
العدد الورقي - صفاء لويس - محمد عاشور

المشروعات متعددة الاستخدامات تعيد توجيه رؤوس الأموال نحو الضيافة ومكاتب الفئة «أ» والتجزئة بنماذج تقاسم الإيرادات

تكاليف البناء تقفز بأكثر من %200 وتحـول الفجوة بين البيع والتنفيـــذ إلى أكبــر تحديـات المطوريـن في الســوق المصــرية

تسليمات القاهرة الكبرى تتراجع من 8 آلاف وحدة بالربع الأول إلى 4.5 ألف فقط خلال الربع الثاني الجاري

الســوق لم تصـــل إلى قاع التباطــؤ بعــــد مع اســـتمرار تأثيـر الفائــــدة والتضخم والاضطرابات الجيوسياسية على القدرة الشرائية والمبيعات

أسعار الوحدات ترتفع بين %2 و%3 خلال العام الحالي بعدما تجاوزت الزيادات %10 في العام الماضي

الإيجارات تقفز بنحو %30 مقارنة بما قبل التعويم وتسجل زيادة جديدة تبلغ %7 مع تراجع قدرة المشترين

أعداد الزوار الدوليين تنمو %4 سنويًا والضيافة تواكب مستهدف جذب 30 مليون سائح ضمن رؤية مصر 2030

مستثمرون أجانب يطورون مشروعات تمتد بين 20 و30 عامًا بما يعكس ثقة طويلة الأجل في العقارات المصرية

أربعــة قطاعات رئيسية تقود السوق بينمـا تتركز التحديـات التمويلية والتنفيذية في الوحدات السكنية المبيعة قبل بدء البناء

الساحل الشمالي يحقق قفزة سعرية بين %390 و%400 خلال 3 سنوات بدعم الطلب المصري والعربي والأجنبي المتزايد

يقف المشهد العقاري المصري اليوم أمام مرحلة مختلفة، لا يمكن قراءتها فقط من زاوية حجم المبيعات أو الارتفاعات السعرية، وإنما من خلال منظومة كاملة تتشابك داخلها تكلفة الأرض والبناء، ومعدلات التضخم والفائدة، وتغيرات سعر الصرف، والقدرة الشرائية للعملاء، وحجم التمويل المصرفي المتاح، وقدرة الشركات على تحويل المبيعات التعاقدية إلى مبانٍ مكتملة ووحدات قابلة للتسليم، فالسوق التي استطاعت على مدار سنوات امتصاص موجات متتالية من المتغيرات الاقتصادية، وصلت الآن إلى نقطة تتطلب إعادة تنظيم قواعدها، وتطوير أدوات تمويلها، ورفع درجة الشفافية داخلها، بما يحمي حقوق المشترين ويحافظ في الوقت نفسه على قدرة المطورين الجادين على استكمال مشروعاتهم.

وفي هذه القراءة المستفيضة، يرسم أيمن سامي، مدير مكتب «JLL ـــ مصر »، ملامح دقيقة للسوق العقارية بمختلف قطاعاتها السكنية والسياحية والفندقية والإدارية والتجارية، موضحًا كيف انتقلت الضغوط من مجرد ارتفاعات في أسعار مواد البناء إلى فجوة تمويلية حقيقية لدى بعض الشركات، بعدما تضاعفت تكاليف التنفيذ أو زادت بأكثر من 200 % بين توقيت بيع الوحدات وموعد بنائها وتسليمها، ومع تراجع قيمة الأموال المحصلة من العملاء أمام التضخم وزيادة التكلفة، أصبحت معادلة التطوير القائمة على البيع على الخريطة ومدد السداد الطويلة بحاجة إلى مراجعة، وأصبح تمويل البنوك للمشروعات وفق نسب الإنجاز الفعلية أحد الأدوات الضرورية لتقليل الاعتماد على حصيلة المبيعات الجديدة في تمويل الالتزامات السابقة.

وتكشف أرقام السوق عن حجم التحول الجاري؛ فقد تراجعت تسليمات الوحدات السكنية في القاهرة الكبرى من نحو 8 آلاف وحدة خلال الربع الأول إلى قرابة 4.5 ألف وحدة في الربع الثاني، مقابل أكثر من 7 آلاف وحدة خلال الربع المماثل من العام الماضي، وفي الوقت نفسه، تباطأت زيادات أسعار البيع خلال العام الحالي إلى ما بين 2 % و3 %، مقارنة بزيادات تجاوزت 10 % خلال العام السابق، بينما دفع تراجع القدرة الشرائية شريحة من الطلب إلى سوق الإيجار، التي سجلت ارتفاعات وصلت في بعض الحالات إلى نحو 30 % مقارنة بالفترة السابقة على التعويم، إلى جانب زيادة حديثة تقدر بنحو 7 %.

ولا تعني هذه الضغوط أن السوق فقدت قدرتها على جذب الطلب أو الاستثمار، لكنها تعيد توزيع الحركة بين القطاعات والمناطق، فالساحل الشمالي تحول إلى واحدة من أقوى الوجهات العقارية والسياحية، مدفوعًا بطلب مصري وعربي وأجنبي، وقفزت أسعاره بنحو 390 % إلى 400 % خلال ثلاث سنوات، وفي البحر الأحمر، تتسع حركة الاستثمار مع دخول شركات خليجية وتطور وجهات سياحية كبرى مثل سوما باي، بينما تواصل منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير تعزيز موقعها كوجهة واعدة للاستثمارات الفندقية والسياحية والترفيهية، في وقت ارتفع فيه متوسط سعر الغرفة الفندقية في القاهرة إلى نحو 150 دولارًا مقابل 90 دولارًا في فترات سابقة.

وفي شرق القاهرة، تقود القاهرة الجديدة والعاصمة الجديدة توسعًا متزايدًا في المكاتب ومراكز الأعمال والمشروعات متعددة الاستخدامات، بينما تستفيد مناطق غرب القاهرة و6 أكتوبر من امتداد الأنشطة السكنية والتجارية والسياحية، ومع تطوير شبكات الطرق ووسائل النقل والربط السريع، تتغير خريطة الإقامة والعمل والاستثمار، وتتقارب المسافات بين القاهرة والساحل الشمالي والبحر الأحمر، بما يفتح المجال أمام أنماط جديدة من الطلب تتجاوز مفهوم المسكن التقليدي إلى الإقامة السياحية والضيافة والعمل المرن والأصول المدرة للدخل.

ومن هنا، لا يتعامل أيمن سامي مع ما يجري بوصفه أزمة قطاع سكني منفصلة، وإنما باعتباره مرحلة انتقالية تفرض إعادة بناء معادلة السوق بالكامل؛ بدءًا من تنظيم نشاط المطورين والوسطاء العقاريين، مرورًا برقمنة بيانات المبيعات والتسليمات، ووضع قواعد أكثر دقة للتمويل والتنفيذ، وصولًا إلى تنويع الاستثمارات بين السكن والضيافة والتجارة والمكاتب والصناعة.

وفي هذا الحوار، يقدم مدير مكتب «جيه إل إل» في مصر قراءة شاملة لما وصلت إليه السوق، وحدود الضغوط التي تواجه الشركات والعملاء، والمناطق التي أصبحت وجهات رئيسية لرؤوس الأموال، والأدوات المالية والتنظيمية القادرة على نقل القطاع من إدارة التحديات إلى بناء دورة جديدة أكثر استدامة وانضباطًا.

بداية.. كيف تقرأ المشهد العقاري المصري في الوقت الحالي؟

السوق العقارية المصرية لا تقتصر على النشاط السكني، وإنما تضم أربعة قطاعات رئيسية، هي العقارات السياحية والفندقية والتجارية والإدارية والسكنية، وأغلب التحديات التي يجري الحديث عنها حاليًا تتركز داخل القطاع السكني، وتحديدًا في المشروعات التي تُباع وحداتها على الخريطة قبل بدء التنفيذ، ومع ذلك، لا تزال الأسس الراسخة التي تتمتع بها السوق العقارية في القاهرة تدعم ثقة المستثمرين وتفاؤلهم بمستقبلها، رغم الضغوط قصيرة الأجل التي تواجه النشاط السكني.

والسوق تمر بمرحلة إعادة ترتيب، تتجه خلالها رؤوس الأموال بصورة أكبر نحو الضيافة والمشروعات متعددة الاستخدامات والمكاتب المرنة، بينما يبحث ملاك المراكز التجارية عن نماذج تشغيلية جديدة تزيد إقبال المستأجرين والزوار، ولذلك، لا يمكن اختزال المشهد الحالي في تحديات التسليم فقط، لأن السوق تشهد بالتوازي تحولًا في نوعية الاستثمارات والقطاعات والمناطق المستهدفة.

كيف تحولت زيادة تكاليف البناء إلى المشكلة الأساسية التي تواجه القطاع السكني؟

يعتمد النموذج التقليدي في السوق على بيع الوحدات قبل تنفيذها، ثم استخدام التحصيلات في تمويل أعمال البناء، والمشكلة أن المطور قد يبدأ التنفيذ بعد عدة سنوات من البيع، وخلال هذه الفترة ارتفعت تكاليف البناء ومواد الإنشاء بصورة كبيرة، خصوصًا بعد موجات تحرير سعر الصرف وزيادة التضخم.

تكلفة بناء بعض الوحدات تضاعفت، أو ارتفعت بأكثر من 200 %، بين توقيت البيع وموعد التنفيذ والتسليم، ومن الصعب أن يكون المطور قد أدخل في حساباته منذ البداية زيادة بهذا الحجم، وهو ما أدى إلى تآكل هوامش الأرباح، وقد يصل في بعض الحالات إلى تسجيل خسائر، فالأموال التي جرى تحصيلها عند بيع الوحدة لم تعد بالقيمة نفسها عند بدء التنفيذ، ولم تعد كافية لتغطية التكلفة الفعلية للبناء.

هل تمثل أسعار الأراضي عبئًا إضافيًا على قدرة المطورين على التنفيذ؟

تمثل الأرض جزءًا مهمًا من الأعباء المالية الواقعة على المطور، وكلما أمكن تخفيف تكلفة الحصول عليها أو سداد أقساطها، ساعد ذلك الشركات على توجيه سيولة أكبر إلى التنفيذ، وقد تدخلت الحكومة لخفض أسعار الفائدة على أقساط الأراضي بهدف تقليل الضغوط التي يواجهها المطورون.

لكن القضية الأكثر إلحاحًا الآن ليست الحصول على أراضٍ جديدة، وإنما تنفيذ وتسليم الوحدات التي سبق بيعها، ولذلك، يجب أن يتجه التركيز إلى مساعدة الشركات الجادة على استكمال مشروعاتها والوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء.

هل ترجع أزمة بعض المشروعات إلى فجوة تمويلية أم إلى توسع الشركات في البيع بما يفوق قدرتها على التنفيذ؟

المشكلة الأساسية تتمثل في وجود فجوة تمويلية بين الأموال التي حصل عليها المطور من العملاء والتكلفة التي يحتاج إليها حاليًا لاستكمال البناء، ويحاول المطور التعامل مع هذه الفجوة من خلال عدد من الوسائل، تشمل إصدار الشيكات، والحصول على تمويل من البنوك، واستخدام جزء من تدفقات المراحل أو المشروعات الجديدة في تمويل المشروعات القائمة.

الشركات تهتم بالحفاظ على سمعتها وسجل أعمالها واستمرارها في السوق، ولذلك تبحث عن موارد إضافية لاستكمال المشروعات القديمة، صحيح أن المطورين حققوا أرباحًا جيدة خلال فترات سابقة، لكن المتغيرات الحالية خلقت معادلة مختلفة تتطلب مصادر تمويل أكثر استدامة.

ماذا تكشف أرقام التسليمات عن حجم الضغوط التي تواجه السوق السكنية؟

لا يمكن تحديد نسبة موحدة للوحدات المتأخرة على مستوى السوق بالكامل، لأن البيانات المتاحة لا تسمح بذلك، لكن تقارير «جيه إل إل» رصدت تباطؤًا واضحًا في وتيرة التسليمات، فقد بلغ عدد الوحدات التي جرى تسليمها في القاهرة الكبرى خلال الربع الثاني نحو 4.5 ألف وحدة، مقابل نحو 8 آلاف وحدة خلال الربع الأول من العام نفسه، وأكثر من 7 آلاف وحدة خلال الربع الثاني من العام الماضي.

هذه الأرقام تخص سوق الوحدات السكنية في القاهرة الكبرى ولا تشمل الساحل الشمالي، لكنها تقدم مؤشرًا واضحًا إلى أن التنفيذ والتسليم أصبحا التحدي الأكبر أمام السوق خلال المرحلة الحالية.

إلى أين اتجهت أسعار الوحدات السكنية مع تراجع القدرة الشرائية؟

تباطأت زيادات أسعار البيع خلال العام الحالي بصورة واضحة، وتراوحت بين 2 % و3 % تقريبًا، مقابل زيادات تجاوزت 10 % خلال العام السابق. وهذا التباطؤ يعكس الضغوط الواقعة على القدرة الشرائية، وليس تراجع الرغبة في امتلاك العقار.

لا يزال كثير من المصريين ينظرون إلى العقار باعتباره وسيلة للحفاظ على قيمة الأموال والمدخرات على المدى الطويل، لكن الرغبة في الشراء لا تعني دائمًا توافر القدرة المالية الفعلية، ولذلك، توجد فجوة بين حجم الطلب الكامن وقدرة العملاء على تحمل الأقساط والأسعار الحالية.

هل دفع تراجع القدرة الشرائية جزءًا من الطلب إلى التحول من التملك إلى الإيجار؟

بالتأكيد، فبعض العملاء الذين لم تعد دخولهم تسمح بشراء وحدة سكنية اتجهوا إلى الإيجار بصورة مؤقتة، وقد يفضل العميل استئجار وحدة أكبر أو أفضل إذا كانت القيمة الإيجارية أقل من القسط المطلوب لشراء وحدة مماثلة.

الإيجارات ليست منخفضة، فقد ارتفعت في بعض الحالات بنحو 30 % مقارنة بالفترة السابقة على التعويم، كما سجلت خلال الفترة الأخيرة زيادة تقدر بنحو 7 % وفقًا للبيانات التي تناولناها، ومع ذلك، يظل الإيجار خيارًا يمكن تحمله بالنسبة إلى بعض الشرائح مقارنة بالتزامات الشراء طويلة الأجل.

هل وصلت السوق العقارية إلى قاع التباطؤ أم أن الضغوط يمكن أن تستمر فترة أخرى؟

أعتقد أن السوق لم تصل بعد إلى قاع التباطؤ، وقد تحتاج إلى بعض الوقت قبل أن تبدأ مرحلة التعافي الكامل، فالقطاع العقاري يرتبط بالاقتصاد العام، ويتأثر بالتضخم وأسعار الفائدة ومستويات الدخول والقدرة الشرائية، إلى جانب عوامل خارجية لا يمكن التحكم فيها، مثل قرارات الفائدة في الولايات المتحدة والتطورات الجيوسياسية في المنطقة.

وفي المقابل، توجد عوامل إيجابية تدعم السوق، من بينها ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج وزيادة مشتريات العرب والأجانب والمصريين المقيمين خارج البلاد، لذلك، نحن أمام مرحلة تتداخل فيها الضغوط مع فرص حقيقية للنمو.

ماذا يعني دخول مستثمرين أجانب في مشروعات تمتد خططها إلى 20 و30 عامًا؟

يعكس ذلك استمرار الثقة في السوق المصرية، لأن هؤلاء المستثمرين لا يدخلون بهدف إنشاء مبنى واحد أو تحقيق عائد قصير الأجل، وإنما يطور بعضهم مدنًا ومجتمعات متكاملة تمتد خططها الاستثمارية إلى 20 أو 30 عامًا.

المستثمر الأجنبي يدرك أن الأسواق تمر بدورات اقتصادية، وأن فترات الأزمات والتباطؤ لا تستمر إلى الأبد، وقد شهدنا ذلك خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، عندما تراجعت الاستثمارات في أسواق عديدة، بينما استمرت مشروعات داخل مصر ثم عاد النشاط الاستثماري مرة أخرى، والثقة في العقارات المصرية لا تزال قائمة لدى المستثمرين المحليين والأجانب رغم التحديات الاقتصادية والإقليمية.

لماذا تحول الساحل الشمالي إلى واحدة من أهم الوجهات العقارية والاستثمارية في مصر؟

نجح الساحل الشمالي في جذب طلب قوي من داخل مصر وخارجها، وأصبح يمثل نموذجًا واضحًا للوجهات التي تجمع بين السكن والسياحة والاستثمار، وقد ارتفعت أسعار الوحدات في المنطقة خلال ثلاث سنوات بنحو 390% إلى 400% وفقًا للتقديرات المتاحة، مدفوعة بزيادة الطلب وحجم الاستثمارات والمبيعات.

ولا تتوافر حتى الآن إحصاءات موحدة ودقيقة توضح إجمالي عدد الوحدات المباعة أو القيمة الكلية لمبيعات الساحل الشمالي على مستوى جميع المطورين، لأن الأرقام المتاحة تصدر بصورة منفصلة عن بعض الشركات الكبرى، وهذا يكشف أهمية إنشاء قاعدة بيانات موحدة للسوق.

وأصبح بعض المشترين يمتلكون في الساحل الشمالي أو البحر الأحمر وحدات تفوق مساحتها مساحة مساكنهم الرئيسية في القاهرة، وهو ما يعكس تغير مفهوم الوحدة الساحلية وتحولها من مسكن موسمي محدود الاستخدام إلى أصل عقاري يحظى باهتمام استثماري ومعيشي أكبر.

كيف تتحرك الخريطة الاستثمارية خارج الساحل الشمالي؟

يشهد البحر الأحمر أداءً جيدًا في النشاط السياحي والعقاري، مع دخول شركات خليجية في مشروعات تطوير جديدة، إلى جانب تطور وجهات قائمة مثل سوما باي، وبدأت المنطقة تتخذ شكلًا استثماريًا جديدًا يجذب المشترين والمستثمرين من داخل مصر وخارجها.

وفي القاهرة، تتمتع منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير بفرص قوية في الأنشطة السياحية والفندقية والترفيهية، بينما يواصل شرق القاهرة جذب الشركات وقطاع الأعمال مع التوسع في المكاتب ومراكز الأعمال بالقاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة، وفي القطاع السكني، تستمر القاهرة الجديدة و6 أكتوبر في جذب الطلب، لأن العملاء يفضلون السكن بالقرب من مناطق العمل والأنشطة الاقتصادية.

ما الذي تكشفه مؤشرات القطاع الفندقي عن فرص النمو في السوق؟

يشهد قطاع الضيافة في القاهرة نموًا مستقرًا، مدفوعًا بزيادة سنوية تبلغ نحو 4 % في أعداد الزوار الدوليين، إلى جانب مشروعات تتوافق مع مستهدفات «رؤية مصر 2030» السياحية الهادفة إلى جذب 30 مليون زائر سنويًا.

ووصل متوسط سعر الغرفة الفندقية في القاهرة إلى نحو 150 دولارًا، مقابل مســـتويات سابقة كانت تــدور حــول 90 دولارًا، بالتزامن مع تسجيل معدلات إشغال جيدة واتجاه الحكومة إلى زيادة النشاط السياحي والاستثمارات الفندقية، ولذلك، أصبح قطاع الضيافة أحد البدائل التي يتجه إليها المطورون لتحقيق التوازن داخل محافظهم الاستثمارية بدلًا من الاعتماد الكامل على النشاط السكني.

هل يمكن لمشروعات النقل والربط السريع أن تعيد تشكيل خريطة الطلب العقاري؟

بالتأكيد، لأن تقليص زمن الانتقال بين القاهرة والمناطق الساحلية سيغير أنماط الإقامة والعمل والاستثمار، ومع تطوير خطوط النقل والطرق التي تربط القاهرة بالساحل الشمالي والبحر الأحمر، يمكن أن ينخفض زمن بعض الرحلات إلى نحو ساعتين أو ساعتين ونصف وفقًا للتصورات المطروحة.

هذا التطور قد يسمح باستخدام الوحدات الساحلية لفترات أطول، ويزيد قدرتها على جذب السكان والمستثمرين، بدلًا من اقتصار استخدامها على مواسم محدودة خلال العام.

ما القطاعات التي تسجل حاليًا أقوى معدلات نمو داخل القاهرة؟

يأتي قطاع الضيافة في مقدمة القطاعات التي تحافظ على نمو مستقر، كما تتوسع سوق المكاتب مع طرح مساحات جديدة وكبيرة من الفئة «أ» في مراكز الأعمال الرئيسية، وفي مقدمتها القاهرة الجديدة، وتتجه الاستثمارات بصورة متزايدة إلى المشروعات التجارية المتكاملة ومتعددة الاستخدامات التي تجمع بين المكاتب والتجزئة والخدمات والضيافة.

وفي قطاع التجزئة، يتجه ملاك المراكز التجارية إلى نماذج تشاركية تعتمد على تقاسم الإيرادات مع المستأجرين، بدلًا من الاكتفاء بالقيمة الإيجارية الثابتة، بهدف جذب العلامات التجارية وزيادة الإقبال على المشروعات.

كيف غيّر المطورون نماذج عملهم لمواجهة الارتفاع الحاد في تكاليف البناء؟

كان النموذج التقليدي يقوم على إطلاق المشروع وبيع الوحدات أولًا، ثم الانتهاء من التصميمات وطرح المناقصات والبدء في التنفيذ، وهو ما جعل الشركات أكثر تعرضًا لمخاطر التضخم والزيادات المفاجئة في التكلفة.

أما الآن، فيتجه المطورون إلى الانتهاء من التصميمات وتثبيت الأسعار مع المقاولين قبل إطلاق المشروع والبيع، بما يمنحهم قدرة أكبر على ضبط التكلفة، كما يتجهون إلى تقليص مساحات الوحدات للحفاظ على أسعار يمكن للعملاء تحملها؛ فوحدات التاون هاوس والفيلات التي كانت تبدأ من 250 مترًا مربعًا فأكثر، أصبحت تُطرح بمساحات تقل عن 200 متر مربع لتوسيع قاعدة المشترين.

وتتضمن الأدوات الجديدة أيضًا مد خطــط الســداد إلى 15 عامًا، وتسريع الجداول الزمنية للبناء، واستخدام الحلول التكنولوجية منذ مرحلة التصميم، ووضع خطط واضحة للتكلفة والمشتريات توزع المخاطر بصورة أكثر توازنًا.

ما المزايا التي يقدمها نموذج البناء بغرض التأجير مقارنة بالبناء من أجل البيع؟

يحول نموذج البناء بغرض التأجير العقار من صفقة تنتهي بمجرد البيع إلى أصل يحقق إيرادات مستدامة ومتكررة، ففي نموذج البناء من أجل البيع تنتقل الاستفادة المستقبلية من ارتفاع قيمة الأصل إلى المشتري، وينتهي دور المطور غالبًا عند التسليم.

أما في نموذج البناء للتأجير، فيحتفظ المطور بالأصل ضمن محفظته، ويستفيد من ارتفاع قيمته على المدى الطويل، إلى جانب تحقيق دخل دوري والسيطرة بصورة أفضل على إدارة المجمعات السكنية وجودة الخدمات، بما يساعده على بناء قيمة أقوى لعلامته التجارية.

لماذا أصبحت السوق العقارية بحاجة إلى إعادة تنظيم في هذه المرحلة؟

لأن السوق تغيرت، وأصبحت التحديات الحالية تتطلب قواعد تتناسب مع حجم المشروعات ومدد التنفيذ والتزامات الشركات تجاه العملاء، ويجب أن تبدأ عملية التنظيم بحوار حقيقي بين الحكومة والمطورين والمشترين، حتى تتمكن الدولة من تحديد أسباب تأخر كل مشروع وطبيعة المشكلات التي تواجه الشركة والعملاء.

هناك مشكلات يمكن حلها بسرعة، بينما تحتاج الفجوات التمويلية الكبيرة إلى وقت وأدوات مختلفة، ولذلك، يجب أن تستند الضوابط إلى واقع السوق وألا تكون مجرد قواعد نظرية يصعب تنفيذها.

ما أهم الإجراءات المطلوبة لضبط السوق ورفع كفاءتها؟

تتمثل الخطوة الأولى في وضع إطار تنظيمي واضح بالتعاون بين الحكومة والمطورين الكبار وعينة ممثلة لمختلف الشركات، بما يضمن واقعية الضوابط وقابليتها للتطبيق.

والخطوة الثانية هي تنويع الاستثمارات العقارية وعدم تركيز النشاط في الوحدات السكنية فقط، مع توجيه مزيد من رؤوس الأموال إلى الفنادق والمكاتب والمشروعات التجارية والقطاعات التي تكشف الدراسات عن احتياج السوق إليها.

أما الخطوة الثالثة، فهي توجيه جانب من الاستثمارات إلى النشاط الصناعي، لأن إنشاء المصانع يمثل نشاطًا عقاريًا وتنمويًا يسهم في زيادة الإنتاج والتصدير وتقليل الضغوط الاقتصادية والتضخمية.

وتتعلق الخطوة الرابعة بفصل بعض الخدمات عن نشاط التطوير العقاري، بحيث يركز المطور على البناء والتطوير، ويسند أعمال التشغيل والخدمات المتخصصة إلى جهات محترفة، بما يقلل الأعباء المالية والتشغيلية.

وتتمثل الخطوة الخامسة في تنظيم نشاط الوسطاء العقاريين من خلال التراخيص والضوابط المهنية، بالتوازي مع رقمنة بيانات الوحدات والمبيعات والتسليمات، وإنشاء قاعدة معلومات موحدة وموثوقة تكشف الحجم الحقيقي للسوق.

كيف يمكن للرقمنة والبيانات الموحدة تعزيز الشفافية داخل القطاع؟

تختلف الأرقام المعلنة عن أحجام المبيعات والتسليمات من جهة إلى أخرى، ولا توجد في بعض المناطق بيانات شاملة تسمح بقياس السوق بدقة، ولذلك، فإن إنشاء قاعدة بيانات موحدة سيتيح تسجيل الوحدات والمبيعات والتسليمات، ويمنح الحكومة والمطورين والمستثمرين معلومات أكثر دقة عند اتخاذ القرارات.

كما يساعد تنظيم الوسطاء ورقمنة معاملاتهم على رفع الكفاءة المهنية وتقليل المعلومات غير الدقيقة، وربط عمليات البيع والتنفيذ والتسليم بمنظومة يمكن متابعتها وقياسها بصورة واضحة.

ما الدور الذي يجب أن تقوم به البنوك في تمويل المشروعات العقارية؟

التمويل المصرفي ضروري لتطوير السوق وتقليل اعتماد الشركات على البيع على الخريطة، وهناك نماذج مطبقة في الأسواق الخارجية تمول فيها البنوك المشروعات على مراحل، استنادًا إلى دراسات الجدوى ونسب الإنجاز الفعلية، فيمول البنك مرحلة محددة بعد تحقق نسبة من التنفيذ، ثم ينتقل إلى المرحلة التالية حتى اكتمال المشروع.

هذا النموذج أكثر استدامة من اعتماد المطور بصورة كاملة على مقدمات العملاء وأقساطهم لتمويل مشروعات تمتد فترات سداد وحداتها إلى سبع أو ثماني أو عشر سنوات أو أكثر، كما أن تطوير منظومة التمويل العقاري للوحدات القائمة والجاهزة والمشروعات المستوفية للشروط يمكن أن يخفف الضغوط عن المطورين والمشترين معًا.

هل تستطيع السوق العقارية المصرية تجاوز المرحلة الحالية؟

بالتأكيد، فالمرحلة الحالية مؤقتة، والسوق المصرية كبيرة وتتمتع بحجم طلب مرتفع، كما أنها تجاوزت أزمات سابقة واستعادت نشاطها، وتحسن الأوضاع الاقتصادية والدخول والمرتبات سينعكس مباشرة على القدرة الشرائية والطلب على العقارات.

أنا متفائل بمستقبل السوق، لكن تجاوز هذه المرحلة يتطلب تطوير آليات التمويل والتنظيم، وتحسين البيانات، وتنويع الاستثمارات، ومساعدة الشركات الجادة على استكمال مشروعاتها وتسليم الوحدات، وعندما تتحسن هذه العناصر، ستبدأ السوق دورة جديدة أكثر استقرارًا وانضباطًا.