تتحول أزمة ارتفاع أسعار الطاقة في بريطانيا إلى مصدر قلق متزايد لبنك إنجلترا، بعدما أصبح التحدي يتجاوز التأثير المباشر لأسعار النفط والغاز على التضخم، ليصل إلى احتمال انتقال الصدمة إلى سلوك الشركات والعمال، بما قد يحول ارتفاع تكاليف الطاقة من عامل مؤقت إلى موجة تضخمية أكثر رسوخاً داخل الاقتصاد.
وفي هذا السياق، قالت نائبة محافظ بنك إنجلترا للسياسة النقدية، كلير لومبارديلي، إن احتمال تشديد السياسة النقدية يزداد إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، ما لم تظهر مؤشرات قوية على تباطؤ النشاط الاقتصادي أو تراجع الضغوط التضخمية.
وتعكس هذه التصريحات تحولاً في النقاش داخل البنك، من بحث الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة إلى تقييم التوقيت الذي قد تصبح فيه تكلفة الانتظار أعلى من تكلفة التدخل، بحسب «فايننشال تايمز».
التضخم يتجاوز 3%
وتأتي مخاوف البنك في ظل تسارع التضخم البريطاني إلى 3.1% خلال أغسطس، مقارنة بـ2.9% في يوليو، مع مساهمة قطاع النقل والوقود بصورة رئيسية في الارتفاع.
وقفزت أسعار وقود السيارات بنسبة 23% على أساس سنوي، بينما ارتفعت تكاليف الكهرباء والغاز والوقود المستخدم في المنازل بنحو 6% خلال الفترة نفسها.
وتتوقع السلطات النقدية أن تصبح ضغوط الطاقة أكثر حدة خلال الأشهر المقبلة، إذ أشارت لومبارديلي إلى ارتفاع سعر خام برنت بنحو 26% منذ صدور تقرير البنك في يوليو، ليقترب من 98 دولاراً للبرميل هذا الأسبوع، في حين صعدت أسعار الغاز الطبيعي بنحو 50%.
كما ارتفع سعر البنزين في السوق البريطانية من حوالي 132 بنساً للتر في فبراير إلى قرابة 172 بنساً في سبتمبر.
فواتير الطاقة تهدد بتفاقم الضغوط
ومن المنتظر أن يرتفع سقف فواتير الطاقة المنزلية في بريطانيا بنسبة تقارب 4% خلال أكتوبر، ليصل إلى 1,723 جنيهاً إسترلينياً سنوياً، فيما يتوقع بنك إنجلترا تجاوز الفواتير حاجز 2,000 جنيه خلال الربع الأول من عام 2027.
وبناءً على هذه التطورات، يتوقع البنك أن يرتفع التضخم إلى نحو 3.7% خلال الربع الأخير من 2026، قبل أن يصل إلى 4.2% في الربع الأول من 2027، وهو مستوى يزيد بأكثر من الضعف على مستهدف البنك البالغ 2%.
وكان معدل التضخم المتوقع في بداية العام المقبل سيقترب من 4.5% لولا الإجراءات الحكومية الرامية إلى الحد من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة.
الخطر الأكبر.. انتقال الصدمة إلى الاقتصاد المحلي
ويرى خبراء في القطاع المصرفي أن رفع أسعار الفائدة لا يمكنه التأثير مباشرة في أسعار النفط العالمية، ولذلك يستطيع بنك إنجلترا تجاهل التأثير التضخمي الأولي لصدمة الطاقة إذا كانت مؤقتة ومحدودة.
لكن المخاطر ترتفع عندما تبدأ الشركات في تمرير تكاليف الطاقة المرتفعة إلى أسعار السلع والخدمات، بالتزامن مع مطالبة الموظفين بزيادات في الأجور لتعويض تراجع قدرتهم الشرائية.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تتحول صدمة الطاقة الخارجية إلى حلقة تضخمية داخلية تستمر حتى بعد تراجع أسعار الوقود.
ومع ذلك، لا تشير البيانات المتاحة حتى الآن إلى ظهور هذه الآثار بصورة واضحة، إذ استقر التضخم الأساسي عند 2.6% في أغسطس، بينما بلغ تضخم قطاع الخدمات 3.4%.
كما تباطأ نمو الأجور العادية إلى 3.5%، فيما تشير اتصالات بنك إنجلترا مع الشركات إلى توقع تسجيل متوسط زيادات في الأجور يبلغ نحو 3.6% خلال 2026، مقارنة بـ4% في العام السابق.
سوق العمل تمنح البنك مساحة للانتظار
وتوفر هذه المؤشرات دعماً للتيار داخل لجنة السياسة النقدية الذي يفضل الانتظار قبل اتخاذ قرار جديد بشأن الفائدة، خاصة مع عدم ظهور سخونة كبيرة في سوق العمل كما حدث خلال موجة التضخم السابقة.
وبلغ معدل البطالة 4.9% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يوليو، في حين انخفض عدد الموظفين المسجلين على قوائم الأجور بنحو 145 ألف شخص على أساس سنوي، وفق التقدير الأولي لشهر أغسطس.
لكن لومبارديلي حذرت من أن عدم ظهور آثار الجولة الثانية من التضخم حتى الآن لا يعني استبعاد حدوثها لاحقاً.
فقد تكون بعض الشركات لا تزال تستفيد من عقود تحوط تحميها من تقلبات أسعار الطاقة، أو تتحمل جزءاً من الزيادة عبر خفض هوامش أرباحها، إلا أن هذه القدرة تظل محدودة.
ومع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة لفترة أطول، يزداد احتمال إعادة الشركات تسعير منتجاتها وخدماتها، بالتزامن مع تغير توقعات التضخم وارتفاع الضغوط خلال مفاوضات الأجور.
نوفمبر.. موعد حاسم لمسار الفائدة
أبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة عند 3.75% خلال اجتماع سبتمبر، بقرار صدر بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة.
لكن الأعضاء الثلاثة الذين عارضوا تثبيت الفائدة طالبوا برفعها فوراً بمقدار 25 نقطة أساس، فيما بدأ بعض الأعضاء الذين أيدوا الإبقاء على المعدلات الحالية في الاقتراب من موقف المطالبين بالتشديد.
وقالت نائبة المحافظ سارة بريدن إن رفع الفائدة يصبح خياراً «أكثر ملاءمة بصورة متزايدة» مع تصاعد مخاطر التضخم، محذرة من أن انتظار ظهور أدلة مؤكدة على الآثار الثانوية قد يعني التحرك بعد فوات الوقت المناسب.
الأسواق ترفع رهاناتها على زيادة الفائدة
وسرعان ما انعكست هذه الإشارات على الأسواق المالية، حيث أصبح المستثمرون يسعرون احتمالاً يقارب 75% لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع نوفمبر.
كما باتت الأسواق تتوقع بشكل شبه كامل زيادة أخرى في أسعار الفائدة بحلول فبراير، فيما عدلت بنوك استثمارية، من بينها «باركليز» و«يو بي إس»، توقعاتها لبدء دورة رفع جديدة في نوفمبر إذا استمرت ضغوط الطاقة، وفق «رويترز».
ومع ذلك، لا يعني استئناف رفع الفائدة بالضرورة دخول بريطانيا في دورة تشديد نقدي طويلة كتلك التي بدأت في 2021، إذ تختلف الظروف الحالية بشكل كبير.
فمعدل الفائدة الحالي يبلغ 3.75% بعد خفضه بمقدار 150 نقطة أساس من أعلى مستوى له، كما أصبحت أسعار الرهن العقاري لمدة عامين أعلى بأكثر من نقطة مئوية مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع الصراع، ما يعني أن الظروف المالية أصبحت أكثر تشدداً بالفعل حتى من دون رفع جديد للفائدة.
هل تتحول صدمة الطاقة إلى تضخم دائم؟
ويرتبط القرار المقبل لبنك إنجلترا بدرجة كبيرة بمدة استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وليس فقط بمستواها الحالي.
فإذا ظلت أسعار النفط مرتفعة لنحو بضعة أسابيع، فقد يتمكن البنك من التعامل معها باعتبارها صدمة مؤقتة، لكن استمرارها لفترة أطول قد يدفع الشركات والعمال إلى بناء قرارات التسعير والأجور على افتراض أن التضخم المرتفع سيستمر.
وفي حال بقي التضخم الأساسي وتضخم الخدمات ونمو الأجور تحت السيطرة، فقد يستطيع بنك إنجلترا استيعاب تأثير صدمة الطاقة دون العودة سريعاً إلى التشديد.
أما إذا بدأت هذه المؤشرات في الارتفاع بالتزامن مع استمرار الاقتصاد في إظهار قدر أكبر من الصمود مقارنة بالتوقعات، فقد يتحول رفع الفائدة المتوقع في نوفمبر من خطوة احترازية إلى بداية مرحلة جديدة من التشديد النقدي، في ظل تصاعد المخاوف من ترسخ التضخم داخل الاقتصاد البريطاني.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض