جونز لانج لاسال: السوق تنتقل من سباق البيع إلى معركة التنفيذ والتسليم والتشغيل والعائد


2026.. عام الفرز العقاري

الجريدة العقارية الاثنين 21 سبتمبر 2026 | 08:15 مساءً
جي ال ال - أيمن سامي
جي ال ال - أيمن سامي
العدد الورقي - صفاء لويس - مصطفى الخطيب

المخزون السكني بالقاهرة يقترب حسابيًا من 338 ألف وحدة بعد إضافة تسليمات الربع الثاني من 2026

29.5 ألف وحدة سكنية جديدة تنتظر التسليم حتى نهاية 2026 وتضع قـدرة السوق على الاستيعاب أمام اختبار حقيقي

4.5 آلاف وحدة سكنية اكتملت بالقاهرة خلال الربع الثاني من 2026 مقابل 8 آلاف ودة في الربـع الأول

أسعار بيع الوحدات بالقاهرة الجديدة ترتفع 2.4% خـلال ثلاثة أشهر رغم استمرار الضغوط على القدرة الشرائية للعملاء

السادس مـن أكتوبر تسجل ارتفاعًا ربع سنويً ا2.8% في أسعار السكن متفوقة على القاهرة الجديدة خلال 2026

289.3 ألف متر مربع مكاتب مرتقبة حتى نهاية 2026

96.2 ألف متر مربع مكاتب جديدة تدخل سوق القاهرة خلال الربع الثاني وترفع المخزون إلى 2.99 مليون متر

الإيجارات السكنية ترتفع 7% سنويًا بالقاهرة الجديدة وأكتوبر مع تحول جزء من الطلب من التملك إلى الإيجار

لم يعد السؤال الأهم في السوق العقارية المصرية هو: هل ترتفع الأسعار أم تنخفض؟ ولا حتى: كم باعت الشركات خلال العام؟ فالأرقام التي ترصدها «جونز لانج لاسال – JLL» في تقريرها عن أداء سوق القاهرة خلال الربع الثاني من 2026 تكشف أن السوق دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا ونضجًا؛ تتزامن فيها زيادة الأسعار مع ضغوط القدرة الشرائية، ويتوسع فيها المعروض بالتوازي مع اشتداد المنافسة، بينما تنتقل القيمة الحقيقية تدريجيًا من مجرد امتلاك الأرض وبيع الوحدات إلى القدرة على التمويل والبناء والتسليم والتشغيل وتحقيق العائد.

إنها ليست سوقًا تتجه إلى أزمة، لكنها في الوقت نفسه لم تعد سوقًا يستطيع فيها كل مشروع أن يبيع لمجرد أن العقار يرتفع سعره. فمع اتساع قاعدة المعروض، أصبحت السوق أقرب إلى مرحلة «الفرز» بين مطور يمتلك السيولة والملاءة وسجل التنفيذ، وآخر يعتمد بصورة أكبر على المبيعات المستقبلية، وبين أصل قادر على جذب المستخدم وتحقيق دخل، ومتر مكتمل لا يجد من يشغله.

وتبدأ الصورة من القطاع السكني؛ إذ شهد الربع الثاني استكمال نحو 4.5 آلاف وحدة جديدة، مقابل نحو 8 آلاف وحدة خلال الربع الأول، بينما ينتظر السوق نحو 29.5 ألف وحدة إضافية حتى نهاية 2026. وفي الوقت نفسه واصلت الأسعار ارتفاعها، مسجلة زيادة ربع سنوية بنحو 2.4 % في القاهرة الجديدة و2.8 % في السادس من أكتوبر، فيما دفعت ضغوط تكلفة التملك جزءًا من الطلب نحو الإيجار.

أما المكاتب، فأضافت القاهرة نحو 96.2 ألف متر مربع خلال الربع الثاني ليصل المخزون إلى 2.99 مليون متر مربع، فيما يوجد نحو 289.3 ألف متر مربع أخرى في خط التسليم حتى نهاية العام، بالتزامن مع ارتفاع الشواغر إلى 9.4 % مقابل 7.6 % قبل عام. وفي التجزئة، وصل المخزون إلى نحو 3.48 مليون متر مربع بعد إضافة 42.7 ألف متر خلال الربع الثاني، ليصبح التشغيل وحركة الزوار والمبيعات أكثر أهمية من مجرد بناء المزيد من المراكز التجارية.

وفي الفنادق، استقبلت مصر نحو 9 ملايين زائر دولي خلال النصف الأول من 2026 بنمو سنوي 4 %، بينما ارتفع مخزون القاهرة إلى نحو 29.2 ألف غرفة بعد إضافة 207 غرف خلال الربع الثاني، وتنتظر السوق 1,277 غرفة أخــرى خـــلال 2026 ونحو 3.5 آلاف غرفة في 2027.

وعند جمع هذه المؤشرات، تبدو الرسالة الرئيسية واضحة: النصف الثاني من 2026 لن يكون سباقًا على من يبيع أكثر بقدر ما سيكون اختبارًا لمن يستطيع بناء ما باعه، وتمويل ما يبنيه، وتسليمه، ثم تحويله إلى أصل مأهول

أو مشغول أو مؤجر قادر على إنتاج عائد.

العقار المصري إلى أين؟ نمو مستمر و«الفرز الحقيقي» يبدأ في النصف الثاني من 2026

يدخل السوق العقاري المصري النصف الثاني من العام بمعادلة مختلفة عن السنوات الأخيرة. النشاط لم يتوقف، والاستثمار طويل الأجل مستمر، والمدن الجديدة تستقبل المزيد من الوحدات والمساحات، لكن ارتفاع الأسعار والمبيعات لم يعد وحده دليلًا كافيًا على قوة السوق أو المطور. فمؤشرات JLL تكشف أن التنفيذ والسيولة والملاءة المالية وجودة الأصل وقدرته على الإشغال أصبحت عوامل أكثر تأثيرًا في تحديد الفائزين في الدورة الجديدة.

وتختلف طبيعة الاختبار بين القطاعات؛ ففي السكن تتمثل القضية الرئيسية في القدرة الشرائية وتمويل خطط السداد الطويلة، وفي المكاتب تكمن في استيعاب الزيادة الكبيرة في المعروض، وفي التجزئة تنتقل المنافسة إلى التشغيل وصناعة حركة الزوار والمبيعات، بينما يعتمد نجاح الفنادق على قدرة نمو السياحة على استيعاب الغرف الجديدة والمحافظة على مستويات الإشغال والعائد.

ومن هنا لا تعني زيادة المخزون في حد ذاتها أن السوق أصبحت أقوى أو أضعف؛ فالقيمة الاقتصادية تبدأ عندما ينتقل العقار من مرحلة التطوير إلى الاستخدام. الوحدة تحتاج إلى أسرة، والمكتب إلى شركة، والمحل إلى مستأجر وزائر، والغرفة الفندقية إلى نزيل. لذلك تصبح سرعة امتصاص المعروض الجديد أحد المؤشرات الأكثر أهمية في قراءة المرحلة المقبلة.

وهذا التحول يعيد ترتيب معايير القوة. فالمطور الذي يستطيع البيع فقط يختلف عن مطور يستطيع البيع والتمويل والتنفيذ والتسليم، كما أن المشروع الذي ينجح في تسليم أصوله لكنه يعجز عن تحقيق إشغال فعلي يختلف عن أصل يتحول سريعًا إلى مجتمع أو مركز أعمال أو وجهة تجارية تعمل وتولد دخلًا.

السكن: 4.5 آلاف وحدة جديدة والمخزون يقترب من 338 ألفًا.. و29.5 ألف وحدة تنتظر التسليم

يظل السكن المحرك الأكبر للسوق العقارية في القاهرة، وتكشف أرقام الربع الثاني حجم الاختبار المقبل. فقد تم استكمال نحو 4,500 وحدة خلال الفترة من أبريل إلى يونيو، مقابل نحو 8 آلاف وحدة خلال الربع الأول، بانخفاض يقارب 44 % على أساس ربع سنوي. وكان المخزون السكني قد بلغ نحو 333.5 ألف وحدة بنهاية مارس، ما يعني أن إضافة تسليمات الربع الثاني ترفع الرصيد حسابيًا إلى قرابة 338 ألف وحدة.

لكن الرقم الأكثر أهمية يتعلق بما لم يدخل السوق بعد؛ إذ تشير البيانات إلى نحو 29.5 ألف وحدة إضافية متوقعة حتى نهاية 2026، تتركز نسبة مهمة منها في مناطق النمو العمراني الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية ومستقبل سيتي. وإذا اكتمل كامل هذا المعروض في المواعيد المستهدفة، فقد يقترب المخزون حسابيًا من 367.5 ألف وحدة.

وهنا يتجاوز الاختبار مجرد قدرة الشركات على التسليم. فالسؤال هو: كم وحدة من هذه الوحدات ستتحول بالفعل إلى سكن مأهول؟ لأن الإشغال هو الذي يحول المشروع إلى مجتمع، ويخلق الطلب على المدارس والصحة والتجزئة والمطاعم والترفيه والنقل والخدمات اليومية.

كما تؤدي زيادة الوحدات المكتملة إلى توسيع السوق الثانوية والإيجارية، وتضع العميل أمام خيارات أكبر بين شراء وحدة جديدة تحت الإنشاء أو أخرى جاهزة يستطيع معاينتها واستخدامها فورًا. وبذلك تدخل جودة التنفيذ ومستوى التشطيب والخدمات وإدارة المجتمع وسجل التسليم ضمن عناصر المنافسة بصورة أكبر.

ومن ثم فإن رقم 29.5 ألف وحدة ليس مجرد إضافة إلى المخزون، وإنما اختبار لقدرة المطورين والمدن والطلب والبنية الأساسية على تحويل موجة التسليمات إلى عمران حقيقي.

الأسعار تواصل الصعود والقدرة الشرائية تعيد رسم خريطة الطلب بين التملك والإيجار

رغم الضغوط التي يواجهها المشترون، لم تدخل الأسعار مسارًا هبوطيًا. فقد سجلت أسعار البيع في القاهرة الجديدة زيادة بنحو 2.4 % خلال الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، بينما بلغت الزيادة في السادس من أكتوبر نحو 2.8 %. لكن استمرار الصعود يضع قضية القدرة على تحمل تكلفة التملك – Affordability في قلب السوق.

فالمشكلة لم تعد غياب الرغبة في شراء العقار، وإنما اتساع الفارق بين سعر الوحدة وما يستطيع العميل تدبيره من مقدم وأقساط. ومع كل زيادة سعرية جديدة ترتفع قيمة الالتزام المالي، ما يدفع بعض المشترين إلى مساحات أصغر أو منتجات مختلفة، ويدفع شريحة أخرى نحو الإيجار.

وتؤكد حركة الإيجارات هذا الاتجاه؛ إذ سجلت القاهرة الجديدة والسادس من أكتوبر نموًا سنويًا بنحو 7 % خلال الربع الثاني. ولا تجوز المقارنة المباشرة بين هذه النسبة ومعدلات زيادة أسعار البيع الفصلية لاختلاف الفترة الزمنية للقياس، لكنها تكشف أن الطلب على السكن لم يختف تحت ضغط الأسعار، وإنما يعيد توزيع نفسه بين التملك والإيجار.

ومع زيادة الوحدات المسلمة، قد يكتسب العائد الإيجاري وزنًا أكبر في قرار المستثمر إلى جانب الزيادة الرأسمالية في سعر الوحدة. فالعقار المكتمل داخل مجتمع مأهول يمكن قياس قيمته ليس فقط بسعر إعادة البيع، وإنما كذلك بالدخل الذي يستطيع توليده.

التقسيط الطويل يبيع العقار لكنه يضع سيولة المطور والملاءة المالية أمام الاختبار

تحولت خطط السداد الطويلة من أداة تسويقية إلى جزء أساسي من الهيكل المالي للتطوير العقاري. فمع اتساع فجوة القدرة الشرائية، أصبح المطور مطالبًا بمنح العميل فترة أطول للسداد، لكنه في المقابل مطالب بتمويل الإنشاء في سنوات تسبق تحصيل كامل قيمة الوحدة.

وهنا يظهر الفارق بين المبيعات التعاقدية والسيولة الفعلية. فقد تعلن شركة مبيعات بمليارات الجنيهات، لكن هذه القيمة تمثل عقودًا سيتم تحصيلها على سنوات، بينما تحتاج أعمال الإنشاء والمقاولين والمرافق والتشطيبات إلى إنفاق حالي. لذلك لا تكفي أرقام المبيعات وحدها لتقييم القوة المالية.

كما ظهرت هياكل تسعير تشجع السداد المعجل عبر خصومات للعملاء القادرين على الدفع المبكر، بما يسمح للمطور بتحويل جزء من القيمة المستقبلية إلى سيولة حاضرة يمكن استخدامها في التنفيذ.

وتزداد أهمية تلك المعادلة مع وجود 29.5 ألف وحدة مرتقبة حتى نهاية العام؛ إذ ترتفع كثافة الإنفاق كلما اقتربت المشروعات من التسليم، بينما قد تظل أجزاء من قيمتها موزعة على أقساط مستقبلية. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: من يقدم أطول مدة تقسيط؟ وإنما من يستطيع تمويل هذه المدة من دون أن يؤخر البناء والتسليم؟

المكاتب تقترب من 3 ملايين متر..

زيادة المعروض تعيد القوة للمستأجر

وتضع الـA Grade أمام اختبار المنافسة

أضاف ســـوق القاهرة خلال الربع الثاني نحو 96.2 ألف متر مربع من المساحات المكتبية القابلة للتأجير، ليرتفــع إجمالـــي المخـــزون إلى نحــو 2.99 مليون متر مربع، أي على بعد نحو 10 آلاف متر فقط من حاجز الثلاثة ملايين.

لكن موجة المعروض لم تنته؛ فهناك نحو 289.3 ألف متر مربع إضافية متوقعة حتى نهاية 2026. وإذا دخل كامل هذا المعروض، فقد يصل المخزون حسابيًا إلى قرابة 3.28 مليون متر مربع، بما يرفع المنافسة بين المشروعات بصورة واضحة.

وقد ارتفع معدل الشواغر إلى نحو 9.4 % مقابل %7.6 قبل عام، بينما تعرضت الإيجارات المطلوبة في بعض مساحات الفئة A لضغوط، وسجلت تراجعًا بنحو 0.8 %، في حين أظهرت الأصول الـPremium قدرة أكبر على حماية قيمتها، مع نمو إيجاري محدود بنحو %0.4.

ولا يعني ارتفاع الشواغر انهيار الطلب، لكنه يعني امتلاك المستأجر خيارات أوسع. ومن ثم تصبح جودة التصميم والإدارة والتكنولوجيا والمواقف والخدمات وكفاءة التشغيل وتجربة الموظفين عناصر أكثر أهمية من مجرد توفير المساحة.

السوق الإدارية، إذن، لا تحتاج فقط إلى بناء المزيد من المكاتب؛ بل إلى مبانٍ تستطيع جذب الشركات والاحتفاظ بها.

3.48 مليون متر تجاري.. الـRetail ينتقل من سباق بناء المولات إلى معركة التشغيل والمبيعات

دخل نحو 42.7 ألف متر مربع من المساحات التجارية الجديدة إلى القاهرة خلال الربع الثاني، ليرتفع المخزون إلى نحو 3.48 مليون متر مربع. وكان الربع الأول قد شهد إضافة قرابة 89 ألف متر، ليصل إجمالي الإضافات خلال النصف الأول إلى نحو 131.7 ألف متر مربع.

لكن المتر التجاري لا يحقق قيمته بمجرد اكتمال بنائه؛ فهو يحتاج إلى مستأجر قادر على البيع، وزائر لديه سبب للحضور، وحركة مستمرة تخلق إيرادات. ولهذا يصبح Footfall، أو حركة الزوار، مؤشرًا جوهريًا لقياس قوة المركز التجاري.

وقد أظهرت السوق تحسنًا في حركة الزوار وحجم المعاملات مع نشاط الحملات الصيفية ومهرجانات التسوق والترفيه، بينما ظلت الإيجارات مستقرة ربع سنويًا. وعلى أساس سنوي سجلت المساحات الـPremium نموًا بنحو 1.4 %، فيما بلغت الزيادة في المراكز التجارية الكبرى والإقليمية نحو 3.6 %.

وتتطور كذلك العلاقة بين المالك والمستأجر من الإيجار الثابت إلى نماذج Revenue Sharing المرتبطة بالمبيعات، والتي تجاوزت حصة المالك فيها 15 % من إيرادات المستأجر في بعض الحالات. وهكذا يصبح نجاح المتجر جزءًا مباشرًا من نجاح الأصل العقاري نفسه.

الفنادق: 9 ملايين زائر يدعمون الطلب

و29.2 ألف غرفة بالقاهرة..

والسوق تستعد لموجة توسع جديدة

يقدم القطاع الفندقي معادلة مختلفة، لأن نجاحه مرتبط مباشرة بحركة السياحة والليالي الفندقية. وقد استقبلت مصر نحو 9 ملايين زائر دولي خلال النصف الأول من 2026، بزيادة سنوية 4 %، ما يوفر قاعدة طلب مهمة للاستثمار الفندقي.

وفي القاهرة، دخلت 207 غرف جديدة خلال الربع الثاني، ليصل المخزون إلى نحو 29.2 ألف غرفة، بينما يوجد نحو 1,277 غرفة أخرى في خط المعروض خلال 2026، يعقبها نحو 3.5 آلاف غرفة إضافية متوقعة خلال 2027.

وفي المقابل، تعرض التشغيل لضغط قصير الأجل؛ إذ انخفض معدل الإشغال بنحو 3.3 نقطة مئوية إلى 62.4 % خلال الربع الثاني، بينما ارتفع متوسط السعر اليومي للغرفة بنحو 6 %.

ولا ترى JLL أن تراجع الإشغال الفصلي يغير النظرة طويلة الأجل للقطاع، في ظل الاستثمارات في البنية الأساسية وتحسن الربط الجوي وتوسيع قنوات التمويل. لكن الزيادة المرتقبة في الغرف تجعل قدرة نمو الطلب السياحي على استيعاب الطاقة الجديدة عاملًا حاسمًا في تحديد مستويات الإشغال والعائد.

رأس المال لا يغادر العقار المصري:

الثقة المؤسسية تراهن على السوق بعد تجاوز ضغوط المدى القصير

رغم ضغوط القدرة الشرائية وارتفاع شواغر المكاتب وزيادة المنافسة التجارية وتذبذب إشغال الفنادق، لا تعكس قراءة JLL انسحابًا لرأس المال من السوق المصرية. بل تظل النظرة طويلة الأجل مدعومة بحجم السكان والتوسع العمراني والاستثمارات في البنية الأساسية ونمو السياحة واستمرار كبار المطورين.

ويظهر ذلك في الاستثمارات الإقليمية الجديدة، ومن أبرزها شراكة ماجد الفطيم وميدار لتطوير مشروع متكامل داخل مدينة «مدى» بالقاهرة الجديدة بقيمة تطويرية أولية تبلغ نحو 3.1 مليار دولار وعلى مساحة تتجاوز 550 فدانًا، بما يمثل أول دخول لماجد الفطيم إلى التطوير السكني في مصر.

لكن الثقة المؤسسية لا تعني استفادة جميع المشروعات بالقدر نفسه. فالمستثمر المحترف ينظر إلى الملاءة والحوكمة وسجل التسليم وجودة الأصل والإدارة والتدفقات النقدية والمخاطر. وكلما أصبحت السوق أكثر مؤسسية، زادت الانتقائية واتسعت الفجوة بين الشركات القادرة على إثبات قدرتها التنفيذية وتلك التي تعتمد أساسًا على ارتفاع الأسعار والمبيعات المستقبلية.

العقار ينتقل من «البيع» إلى «التشغيل»..

العائد يصبح الاختبار الحقيقي لقيمة الأصل

تكشف مؤشرات الربع الثاني تحولًا يتجاوز حركة الأسعار. فمع وصول المخزون السكني حسابيًا إلى قرابة 338 ألف وحدة، والمكاتب إلى 2.99 مليون متر مربع، والتجزئة إلى 3.48 مليون متر مربع، والفنادق إلى نحو 29.2 ألف غرفة، أصبح لدى القاهرة رصيد ضخم من الأصول التي تحتاج إلى مستخدم نهائي.

وهنا تنتقل القيمة من بناء المتر وبيعه إلى تشغيله. الوحدة السكنية المكتملة تكتسب قيمة أكبر عندما تصبح مأهولة أو مؤجرة؛ والمكتب عندما تجلس داخله شركة؛ والمول عندما تتحول حركة الزوار إلى مبيعات؛ والفندق عندما تتحول الغرفة إلى ليلة مدفوعة.

وتزداد أهمية مفهوم Absorption Rate – معدل امتصاص المعروض؛ أي قدرة الطلب على استيعاب الوحدات والمساحات الجديدة خلال فترة زمنية محددة. فكلما كان الانتقال من التسليم إلى الإشغال أسرع، ارتفعت كفاءة السوق، بينما يؤدي بطء الامتصاص إلى ارتفاع الشواغر والمنافسة والضغط على الإيجارات والعوائد.

وهذا هو الفارق بين أصل عقاري مكتمل وأصل اقتصادي منتج للدخل؛ فالأول انتهت أعمال بنائه، أما الثاني فقد بدأ بالفعل في إنتاج قيمة مستدامة.

إلى أين يتجه السوق؟ 2026 «عام الفرز العقاري» والمنافسة تنتقل من البيع إلى القدرة على التنفيذ والتشغيل

لا ترسم أرقام JLL صورة لسوق تتجه إلى التراجع، لكنها كذلك لا تصف دورة صعود سهلة يحقق فيها الجميع النتائج نفسها. السوق تنمو، والاستثمارات مستمرة، والمخزون يتوسع، لكن قواعد النجاح أصبحت أكثر صرامة.

في السكن، يوجد طلب لكن القدرة الشرائية تضغط على قرار الشراء، وهناك 29.5 ألف وحدة جديدة تحتاج إلى تسليم وإشغال. وفي المكاتب، يوجد نحو 289.3 ألف متر مربع إضافية تنتظر الدخول إلى سوق ارتفعت شواغرها بالفعل إلى 9.4 %. وفي التجزئة، لم يعد بناء المول كافيًا، لأن القيمة أصبحت في الزوار والمبيعات والتشغيل. وفي الفنادق، تستعد القاهرة لزيادة جديدة في الغرف، بينما يظل نمو السياحة والإشغال هو الحكم النهائي على جدوى هذه الطاقة.

لذلك يمكن وصف 2026 بأنه عام الفرز العقاري؛ ليس بمعنى خروج السوق من مسار النمو، وإنما انتقالها من مرحلة كانت تكافئ زيادة الأسعار وحجم المبيعات إلى مرحلة تختبر قوة الميزانيات، والسيولة، وسجل التنفيذ، والالتزام بالتسليم، وجودة الأصول، والقدرة على التشغيل.

ومع كل وحدة أو مكتب أو متجر أو غرفة جديدة تدخل السوق، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بحجم ما تم بناؤه وأكثر ارتباطًا بما إذا كان السوق قادرًا على استخدامه. وهذا يضع «امتصاص المعروض» في قلب قراءة النصف الثاني من 2026 وما بعده.

فالمرحلة الأولى من قصة العقار المصري كانت امتلاك الأرض وبناء المتر، والمرحلة الثانية كانت بيع هذا المتر وتحقيق الزيادة الرأسمالية، أما المرحلة التي تفرض نفسها الآن فهي تشغيل المتر وإنتاج العائد منه.

وهنا تتبلور الخلاصة التي تحملها أرقام جونز لانج لاسال: السوق العقارية المصرية لا تفقد قوتها، لكنها تغير تعريف القوة داخلها. لن تختفي أهمية المبيعات أو الأرض أو ارتفاع الأسعار، لكنها لن تبقى المعايير الوحيدة للحكم على النجاح. المطور الأقوى سيكون من يستطيع أن يبيع ويمول ويبني ويسلم، والأصل الأقوى سيكون ما يستطيع أن يجذب مستخدمًا ويحقق إشغالًا ودخلًا.

وبذلك يدخل العقار المصري مرحلة أكثر نضجًا؛ مرحلة لا يكون فيها الإعلان عن المبيعات هو نهاية القصة، بل بدايتها. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد البيع: هل بُني ما بيع؟ وهل سُلّم في موعده؟ وهل أصبح مأهولًا أو مشغولًا؟ وهل استطاع في النهاية أن ينتج عائدًا اقتصاديًا حقيقيًا ؟

وتلك هي المعركة التي سيحسمها النصف الثاني من 2026: معركة التنفيذ والتشغيل والعائد.اعتمدت هنا على المحاور العشرة نفسها الموجودة في الملف، بما فيها انتقال الـRetail إلى التشغيل، والفنادق، والثقة المؤسسية، ثم التشغيل والعائد وصولًا إلى «عام الفرز العقاري».