نائب رئيس جمعية البترول المصرية: توجه لاستيراد شحنات غاز بزيادة 24% في العام المالي 2026-2027
خبيرة اقتصاد: استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير حقول الطاقة ضروري لتقليل الهدر
أظهرت بيانات نشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن شهر يونيو 2026، ارتفاع قيمة الواردات من الغاز الطبيعي لتسجل نحو مليار و432.7 مليون دولار مقابل 461.5 مليون دولار في شهر يونيو 2025، بنسبة ارتفاع بلغت 210.4%، مع ارتفاع واردات البترول الخام لتسجل 347.4 مليون دولار في شهر يونيو 2026، مقابل 144.2 مليون دولار في الشهر ذاته من العام الماضي، وبنسبة ارتفاع تقدر بـ141%.
وتأتي التكلفة المتزايدة في فاتورة الطاقة في ظل تراجع الإنتاج المحلي، ووجود فجوة يومية بين إنتاج واستهلاك الغاز تتراوح ما بين 2.4 مليار و3.7 مليار قدم مكعبة، بالتزامن مع زيادة معدل استهلاك محطات الكهرباء للطاقة في ذروة فصل الصيف، حيث سجل استهلاك الكهرباء رقماً قياسياً غير مسبوقا بتجاوز الحمل الأقصى للشبكة القومية 40.2 ألف ميجاوات خلال شهر أغسطس 2026.
فجوة الإنتاج والاستهلاك
من جانبه، قال النائب إبراهيم نظير، عضو لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، إن حجم الإنتاج المحلي سواء على مستوى الغاز الطبيعي أو البترول غير قادر على تغطية الاستهلاك، خاصة مع المشروعات الصناعية والزراعية الكبيرة التي دشنتها الدولة المصرية في السنوات الأخيرة، والتي تحتاج كميات كبيرة من الوقود للتشغيل والإنتاج.
وأضاف نظير في حديثه لـ"العقارية" أن نجاح الدولة في سداد كامل مستحقات الشركاء الأجانب والذين يمثلون أكبر الشركات العاملة بسوق الطاقة عالميا، يمثل دفعة قوية لمزيد من البحث والاستكشاف، موضحا أن الحكومة تعاقدت مؤخرا مع بعض الشركاء الأجانب على طروحات استكشافية بمناطق مختلفة سواء على سواحل المتوسط أو الصحراء الغربية.
وأعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية في شهر يونيو الماضي عن سداد كامل مستحقات الشركاء الأجانب العاملين في قطاع البترول والغاز لتصل إلى صفر دولار لأول مرة منذ سنوات، وذلك بعدما وصلت في وقت سابق لـ6.1 مليار دولار.
ولفت عضو لجنة الطاقة إلى أن هناك مشروعات قيد التشغيل والإنشاء، وتحتاج للوقت من أجل الوصول لمرحلة الإنتاج، خاصة وأن مشروعات الطاقة تستغرق فترات تصل لسنوات بداية من مرحلة الاستكشاف ووصولا لمرحلة الإنتاج.
استيراد متزايد
واعتبر إبراهيم نظير أن اللجوء لاستيراد الغاز من الخارج سواء عبر خطوط الأنابيب والبنية التحتية التي تمتلكها الدولة مع دول الجوار، أو سفن التغييز، يُمثل الحل الأمثل لسداد الفجوة الحالية بين الإنتاج والاستهلاك، خاصة مع تشابك الطاقة مع الصناعة والزراعة والنقل والبنية التحتية والمشروعات العمرانية، والحاجة لتوافرها بشكل دائم يغطي الاحتياج المحلي.
ويمثل الغاز الطبيعي عنصرًا أساسيًا في مزيج الطاقة المصري، خصوصًا في تشغيل محطات الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، إلا أن إنتاج الغاز المحلي واجه ضغوطًا خلال الفترة الماضية في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع معدلات الاستهلاك.
وفيما يرى النائب البرلماني أن اللجوء للاستيراد الخارجي هو الحل الأمثل حاليا، فإن مسؤول كشف مؤخرا، عن تعاقد الحكومة مع شركات عالمية على استيراد نحو 230 شحنة من الغاز الطبيعي المسال، وذلك خلال السنة المالية الحالية 2026-2027، والتي تنتهي في شهر يونيو المقبل، لتلبية احتياجات السوق المحلي، وبزيادة عن العام المالي الماضي الذي وصل فيه عدد الشحنات لنحو 186 شحنة، مؤكدا وجود ارتفاع في أسعار الغاز العالمية بفعل التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وتعطل سلاسل الإمداد، حيث ارتفع متوسط تكلفة الشحنة بنحو 25%، ليصل لقرابة 50 مليون دولار للشحنة الواحدة.
زيادة التكلفة
في غضون ذلك، قال المهندس مدحت يوسف نائب رئيس مجلس الإدارة في جمعية البترول المصرية، إن هناك توجه لزيادة عدد شحنات الغاز المسال المستوردة من الخارج في العام المالي 2026/2027 بنحو 24% عن عدد الشحنات المستوردة في العام الماضي الذي انتهى في شهر يونيو الماضي، بالإضافة لزيادة التكلفة بمستوى يصل لـ10%.
وأضاف يوسف في تصريحات خاصة لـ"العقارية" أن معدل إنتاج الغاز المحلي حاليا هو 3.6 مليار متر مكعب يوميا، في حين يصل متوسط الاستهلاك لنحو 7 مليار متر مكعب يوميا، ويتم تجاوز هذه المتوسط في أشهر الصيف التي سجلت ارتفاعًا قياسيًا في الطلب على الكهرباء.
وأكد نائب رئيس هيئة البترول المصرية الأسبق، أن الاعتماد المتزايد على الاستيراد يظل تحديًا اقتصاديًا، خصوصًا عندما ترتفع أسعار الغاز العالمية أو تتعرض الأسواق الدولية لاضطرابات جيوسياسية؛ إذ تنتقل الزيادة في تكلفة الطاقة في النهاية إلى تكلفة تشغيل محطات الكهرباء وبعض الصناعات، في الوقت الذي تشهد أسواق الطاقة عالميا حالة من الاضطراب المتصاعد.
توترات إقليمية وسيطرة أمريكية
وأشار مدحت يوسف إلى أزمة الطاقة في مصر لم تعد مرتبطة فقط بعوامل الإنتاج والاستهلاك المحلي، وإنما أصبحت التطورات الإقليمية عاملًا مؤثرًا في أمن الإمدادات، خاصة وأن التصعيد المرتبط بالمواجهة الأمريكية الإيرانية تسبب في قفزة كبيرة في أسعار الطاقة عالميا، فضلا عن توجه أوروبي بالآونة الأخيرة لمزيد من التصعيد مع روسيا، إحدى أكبر منتجي الطاقة في العالم.
ولفت إلى أن الدول الأوروبية سعت مؤخرا لتخزين أكبر قدر ممكن من الغاز الطبيعي، تحسبا لمواجهة مفتوحة مع روسيا في الفترة المقبلة، فضلا عن وجود "سيطرة شبه كاملة" للولايات المتحدة على سوق النفط والغاز، موضحا أن واشنطن التي تُعد أكبر دولة منتجة للغاز الطبيعي في العالم وبفارق كبير، تستحوذ وحدها على نحو 26% من إجمالي الإنتاج العالمي، وتتحكم في التسعير وفقا لمصالحها، وتسعى لاستغلال التصعيد بين أوروبا وروسيا في اغتنام المزيد من حصص الطاقة، خاصة على مستوى الغاز الطبيعي.
الطاقة المتجددة مفتاح الحل
وعن الحلول المتاحة لأزمة الطاقة في مصر، أكد مدحت يوسف أن الطاقة المتجددة هي مفتاح الحل، لمواجهة تحديات الوقود الأحفوري، وذلك عبر مزيد من التوجه إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الكهرباء، مشيرا إلى أن العالم يتجه نحو الطاقة المتجددة بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
وأعلنت وزارة الكهرباء في يونيو 2026 خطة لإضافة نحو 2200 ميجاوات من قدرات الطاقة المتجددة، إلى جانب 1300 ميجاوات ساعة من قدرات تخزين البطاريات وربطها بالشبكة خلال العام، فيما تستهدف استراتيجية الطاقة التي أعلنتها الحكومة سابقا، رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 42% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030.
وتتفق الدكتورة وفاء على، أستاذة الاقتصاد والطاقة، مع سابقها، في أن الطاقة المتجددة هي جزء من الحل، مشيرة إلى أن الدولة المصرية تتبنى استراتيجية استكشافية بملف الطاقة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وتحليل البيانات ودراسة سلوك الخزانات.
وأضافت أستاذة الاقتصاد والطاقة في حديثها لـ"العقارية"، أن الدولة أعلنت منذ بداية العام عن عدد كبير من الاكتشافات الجديدة، وهو ما يمثل مؤشرًا إيجابيًا، مؤكدة أن القيمة الحقيقية لهذه الاكتشافات تظهر عند ربطها بالشبكة القومية وضخ إنتاجها في السوق.
وأشارت إلى أن وزارة البترول بدأت تطبيق نموذج للربط السريع، مستفيدة من البنية التحتية القائمة وخطوط الأنابيب والتسهيلات المتاحة، موضحة أن بعض الاكتشافات القريبة من البنية التحتية في منطقة شرق المتوسط دخلت الإنتاج خلال فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، بينما استغرق بعضها نحو ستة أشهر.
3 مسارات متوازية
واستطردت وفاء علي في الحديث عن الحلول لملف الطاقة بمصر، مؤكدة أن تنوع الاكتشافات بين النفط الخام والغاز الطبيعي يمنح الدولة مرونة أكبر في تأمين احتياجات قطاعات الكهرباء والصناعة والتكرير، مشيرة إلى أن مصر توسع عمليات البحث والاستكشاف لتشمل مناطق جديدة في غرب البحر المتوسط، التي لا تزال تتمتع بمناطق بكر وإمكانات واعدة.
ونوهت إلى أن استراتيجية قطاع البترول لا تقتصر على الاكتشافات الجديدة، بل تشمل أيضًا تطوير الحقول المتقدمة وإطالة عمرها الإنتاجي باستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات ودراسة سلوك الخزانات، بما يعظم الاستفادة من الاحتياطيات المؤكدة ويعزز استدامة الإنتاج وأمن الطاقة.
ولفتت إلى أن الحكومة تحاول معالجة هذه المعادلة من خلال ثلاثة مسارات متوازية، تتمثل في زيادة الإنتاج المحلي، وتأمين واردات الطاقة عند الحاجة، ورفع كفاءة استهلاك الوقود والتوسع في الطاقة المتجددة.
وتسعى الحكومة إلى جذب استثمارات جديدة في قطاع البحث والاستكشاف بهدف رفع الإنتاج المحلي وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وهو ما بدأ يؤتي ثماره، حيث سبق وأعلنت شركة إيني الإيطالية خلال 2026 عن اكتشاف غاز يقدر بنحو 2 تريليون قدم مكعبة و130 مليون برميل من المتكثفات، في بئر Denise West قبالة شواطئ بورسعيد.
في النهاية، تبدو معالجة أزمة الطاقة في مصر مرتبطة بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين ثلاثة أهداف رئيسية، تتمثل في توفير الطاقة بأسعار يمكن تحملها، وضمان استمرارية الإمدادات، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية على المدى الطويل، فيما يظل استيراد الغاز الطبيعي المسال أحد أدوات سد الفجوة على المدى القصير، بينما يمثل زيادة الإنتاج المحلي الحل الأكثر أهمية لتقليل فاتورة الاستيراد. أما على المدى الطويل، فإن التوسع في الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة يمكن أن يقلل الضغط على الغاز الطبيعي.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض