قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للإحصاء والتشريع، إن إصدار الهيئة العامة للرقابة المالية أول دليل شامل للقواعد والضوابط المنظمة لنشاط التمويل الاستهلاكي يمثل خطوة جيدة، لكنه يرى أن الأمر يحتاج إلى تعديلات إضافية لفرض مزيد من الانضباط على شركات التمويل الاستهلاكي في الممارسة العملية.
وأوضح في مداخلة مع قناة CNBC أن الدليل يجمع القواعد والقرارات والكتب الدورية والضوابط المنظمة للنشاط، معتبرًا أن وجود إطار تنظيمي واضح ومعلن ومتكامل يسهم في توحيد القواعد التي تعمل وفقها شركات التمويل الاستهلاكي الخاضعة لرقابة الهيئة.
وأضاف أن هذه القواعد التنظيمية تمثل في الأساس انعكاسًا لما هو قائم بالفعل في السوق، ولذلك فإن المطلوب، من وجهة نظره، هو إدخال تعديلات تفرض قدرًا أكبر من الانضباط على الممارسات الفعلية لهذه الشركات.
«الائتمان يساوي الجدارة الائتمانية»
وأكد أن جوهر أزمة التمويل الاستهلاكي يتمثل في ضرورة الالتزام بقاعدة أساسية، وهي أن «الائتمان يساوي جدارة ائتمانية»، موضحًا أن حصول العميل على قرض، سواء من بنك أو من خلال إحدى شركات التمويل غير المصرفي، يجب أن يكون مرتبطًا بامتلاكه الجدارة الائتمانية اللازمة.
وأشار إلى أن هذه القاعدة يجب أن تطبق على جميع العملاء دون تفرقة، سواء كان العميل من كبار رجال الأعمال أو مواطنًا بسيطًا، مؤكدًا أن القدرة على الحصول على التمويل يجب أن ترتبط في الأساس بقدرة العميل على السداد.
واقترح أن تعمل الهيئة العامة للرقابة المالية على إنشاء نظام إلكتروني يتضمن عقود التمويل الخاصة بالمتعاملين مع شركات التمويل الاستهلاكي، بحيث يكون الهدف الأساسي منه التأكد من الجدارة الائتمانية للعملاء.
وشدد على ضرورة أن تكون هذه العقود إلكترونية وغير قابلة للتلاعب من جانب شركات التمويل الاستهلاكي، وأن يتم تسليمها إلكترونيًا للشركات والتعامل معها وفق قواعد واضحة تضمن انضباط عملية منح التمويل.
تجاوزات وراء تشديد الرقابة
وحول ما إذا كانت الهيئة قد رصدت تجاوزات دفعتها إلى الإسراع في تطبيق الإطار التنظيمي الجديد، قال أنيس إن ما أعلنته الهيئة يمثل، في تقديره، تفاعلًا إيجابيًا مع مستجدات وتجاوزات بدأت تظهر على السطح من جانب مجموعة من شركات التمويل الاستهلاكي.
وأوضح أن عدد شركات التمويل الاستهلاكي أصبح كبيرًا خلال الفترة الماضية، بالتزامن مع التوسع في منح التراخيص، فضلًا عن النمو الكبير الذي شهده السوق.
وأشار إلى أن هذا التوسع يرتبط بطبيعة الاقتصاد المصري، موضحًا أن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك المحلي، إذ يمثل الاستهلاك المحلي أكثر من 80% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تقديره.
وأضاف أن المتغيرات الاقتصادية والمالية التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية أدت إلى تعرض المستهلك المصري لضغوط، ما دفعه إلى اللجوء إلى التمويل الاستهلاكي لتلبية احتياجاته ومشترياته والحفاظ على نمط الاستهلاك المعتاد.
وأكد مجددًا أن الحل، من وجهة نظره، يتمثل في وجود انضباط إلكتروني وليس ورقيًا للعقود المبرمة بين شركات التمويل الاستهلاكي والعملاء، بما يضمن التحقق من الجدارة الائتمانية للعميل.
«من لا يستطيع الالتزام يخرج من السوق»
وحول المخاوف من أن تؤدي الضوابط الجديدة إلى الحد من المنافسة بين شركات التمويل الاستهلاكي، قال أنيس إن الشركات التي لا تستطيع تلبية الالتزامات الجديدة يجب أن تخرج من السوق.
وأضاف: «اللي ما يقدرش يلبي هذه الالتزامات يخرج من السوق بمنتهى البساطة»، موضحًا أن خروج الشركة يمكن أن يتم من خلال إغلاقها أو بيعها لشركة أكبر، لكن الأهم، بحسب رؤيته، هو الحفاظ على انضباط السوق.
وأكد أن الحفاظ على انضباط سوق التمويل الاستهلاكي يجب أن يكون أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
المنافسة مع البنوك في مصلحة العميل
وفي المقابل، شدد أنيس على أهمية الحفاظ على المنافسة بين شركات التمويل الاستهلاكي والبنوك، معتبرًا أن هذه المنافسة تصب في النهاية في مصلحة العميل.
وأوضح أن شركات التمويل الاستهلاكي يمكنها تقديم نسب تمويل أكبر من تلك التي تقدمها البنوك، أو توفير تسهيلات أكبر في السداد وفترات أطول للسداد، معتبرًا أن ذلك لا يمثل مشكلة طالما لم يؤثر على الجدارة الائتمانية للعميل.
وضرب مثالًا بتمويل السيارات، موضحًا أن بعض الشروط التي تفرضها البنوك، مثل الحجز على السيارة ومنع بيعها، يمكن تجاوزها من خلال شركات التمويل الاستهلاكي، وهو ما يمكن أن يمثل ميزة للعميل.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن كل هذه المزايا يجب ألا تكون على حساب الجدارة الائتمانية، مشددًا على أنه لا يجوز منح عميل تمويلًا بقيمة مليون جنيه في الوقت الذي لا يستطيع فيه سداد أكثر من 100 ألف جنيه.
وقال إن الحفاظ على هذه القاعدة يمثل أمرًا أساسيًا لضمان سلامة السوق واستدامة نشاط التمويل الاستهلاكي.
النمو الاقتصادي.. الاستهلاك المحلي المحرك الأكبر
وفيما يتعلق بالنمو الاقتصادي المصري، قال أنيس إن الاقتصاد المصري يعتمد بأكثر من 80% على الاستهلاك المحلي، معتبرًا أن تسجيل نمو اقتصادي بنسبة 5.1% يعد رقمًا جيدًا، لكنه شدد على ضرورة النظر إلى مصادر هذا النمو.
وأوضح أن جزءًا كبيرًا من النمو جاء نتيجة نمو الاستهلاك المحلي، وليس نتيجة نمو قوي في الأنشطة التصديرية، مشيرًا إلى أن الصادرات شهدت نموًا، لكنه وصفه بأنه نمو محدود مقارنة بحجم الاعتماد على الاستهلاك المحلي.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض