أكد الدكتور محمود محيي الدين المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية، أن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية على المستوى العالمي، سواء في البلدان النامية أو المتقدمة، لا يعني بالضرورة أن شعور المواطن يتحسن بالمستوى نفسه، مشيرًا إلى أن ارتفاع معدلات النمو وانخفاض البطالة وتحسن معدلات التضخم تعد أمورًا ضرورية، لكنها ليست كافية وحدها للحكم على تحسن الأوضاع الاقتصادية للمواطنين.
وأوضح محيي الدين في مداخلة مع قناة العربية بيزنس، أن هذا الأمر يأتي في ضوء متابعة نتائج وتقارير قُدمت إلى مجموعة العشرين خلال الفترة الماضية، والتي تناولت عددًا من المؤشرات الاقتصادية، من بينها النمو والتضخم والبطالة على المستوى العالمي.
وقال إن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية «ضروري ولكن ليس كافيًا»، موضحًا أن ارتفاع معدل النمو يفترض أن ينعكس على تحسين مستوى المعيشة، إلا أن ذلك يرتبط بعدالة توزيع الدخل والثروة، وكذلك بمستوى الخدمات ومدى ملاءمة تقديمها في البلدان على قدر من العدالة.
وأضاف أن التضخم أيضًا يجب ألا يتم النظر إليه فقط من خلال التغيرات الشهرية أو الفصلية، لأن المواطن ينظر إليه بالمفهوم التراكمي، ويتساءل عما إذا كان تحسن دخله يتناسب مع الزيادة في معدلات التضخم والأسعار، أم أن هناك تحديات ما زالت قائمة في هذا الشأن.
محيي الدين يدعو إلى الاعتماد على مؤشرات شعور المستهلكين وتوقعات المستثمرين
ودعا إلى جانب الاعتماد على الأرقام المهمة الخاصة بالنمو والبطالة والتضخم، إلى الاستعانة بمؤشرات أخرى تقيس انطباعات المستهلكين وتوقعات المستثمرين.
وأوضح أن هذه المؤشرات معتمدة ومتعارف عليها، ومن بينها مؤشر PMI بالنسبة للمنتجين، وكذلك مؤشر ميشيجان بالنسبة للمستهلكين في الولايات المتحدة.
وأكد أن هذه المؤشرات يمكن أن تساعد في تكوين صورة أكثر اكتمالًا عن الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية الكلية التقليدية.
محيي الدين: تحسن سوق العمل الأمريكي قد يدفع الفيدرالي لتثبيت أو رفع الفائدة
وحول التطورات الأخيرة في الاقتصاد الأمريكي، أشار محيي الدين إلى صدور أرقام للوظائف جاءت أعلى بكثير من التوقعات، موضحًا أن ذلك يعيد المعادلة مرة أخرى في الأسواق، مع احتمال أن نرى رفعًا لأسعار الفائدة في سبتمبر.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن مستويات التضخم ما زالت مرتفعة، لافتًا إلى وصولها إلى 3.7%، رغم ذلك، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطالب مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة، معتبرًا أن الوضع الاقتصادي الأمريكي جيد وأنه يجب الدفع نحو أسعار فائدة أقل.
وتعليقًا على هذا التناقض، قال محيي الدين إن المستهلكين والأسواق هم من سيعانون من تداعياته، موضحًا أن هناك مشكلتين أساسيتين في هذا السياق.
وأضاف أن من «التناقض العجيب» في الوقت الحالي أنه كلما تحسنت أرقام الأسواق وأسواق العمل، نجد أن الأسواق المالية ترتعد خوفًا مما يمكن أن يترتب على هذا التحسن.
وأوضح أن تحسن سوق العمل قد يدفع الفيدرالي الأمريكي إلى تثبيت سعر الفائدة، وهو السيناريو المحتمل في اجتماع 16 سبتمبر المقبل، أو قد يدفعه إما إلى التثبيت أو الرفع.
الأسواق المالية تتأثر بتحسن الاقتصاد الحقيقي
وأشار محيي الدين إلى أن هناك أسواقًا مالية تعتمد على الرفع المالي أو Leveraging، أي الاقتراض من أجل الاستثمار في الأسواق المالية، موضحًا أن جودة الأنباء المتعلقة بالاقتصاد الحقيقي ليست بالضرورة جيدة بالنسبة للأسواق المالية.
وقال إن هناك ضغطًا سياسيًا يمارسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لأسباب مفهومة، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية، مشيرًا إلى أنه منذ البداية وحتى قبل الانتخابات يشدد على موضوع خفض أسعار الفائدة بهدف الترويج لأسواق العقار وتحريك النمو الاقتصادي.
وأضاف أن معدل التضخم الأخير تجاوز 3.5%، وهو أعلى بكثير من المستهدف الأمريكي البالغ 2%.
توقعات الأسواق لأسعار الفائدة تتحول نحو الرفع
وأوضح محيي الدين أن الأسواق سبقت البنك الفيدرالي، كما ظهر من خلال منحنيات العائد، حيث شهدت أسعار الفائدة ارتفاعًا بالفعل.
وأشار إلى أن توقعات الأسواق تحولت من احتمال تثبيت البنك الفيدرالي لأسعار الفائدة في الاجتماع المقبل إلى ارتفاع احتمالات الرفع، موضحًا أن توقعات الرفع ارتفعت من 48% إلى ما يقترب من 58%.
وقال إنه يتوقع، لتحقيق التوازن بين الأمرين، ألا تكون هناك زيادة في أسعار الفائدة، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه «حتماً لن يكون هناك تخفيض».
وأضاف أنه في حال حدوث زيادة في أسعار الفائدة، فإن الأسواق المالية ستتأثر سلبًا، معتبرًا أن ذلك سيكون اختبارًا لمصداقية البنك الفيدرالي في ظل التغيرات التي تشهدها الأسواق، سواء من ناحية سوق العمل أو التضخم.
استقلال الفيدرالي الأمريكي تحت الاختبار
وحول الضغوط التي يمارسها الرئيس الأمريكي على البنك الفيدرالي، وما إذا كان جيروم باول سيتمكن من إقناع الأسواق بأنه لن يرضخ لهذه الضغوط، أشار محيي الدين إلى أن باول أكد في حديثه في جاكسون هول على استقلال البنك الفيدرالي.
وأوضح أن البنك مؤسسة تتمتع باستقلال دستوري، كما أشار إلى أن باول تمرد على الطريقة القديمة في التوجيه المسبق للأسواق.
وأضاف أن البنك الفيدرالي كان بعد الأزمة المالية العالمية يشير إلى الأسواق بشأن توجهاته، إلا أن النهج الحالي أصبح مختلفًا.
وأوضح محيي الدين أن الفيدرالي لديه هدفان، أولهما السيطرة على الأسعار، والثاني مكافحة البطالة، لكنه يرى حاليًا أنه مع حدوث تحسن نسبي في سوق العمل، فإن التركيز أصبح على التضخم، وأن البنك سيقوم بإجراء وفقًا لذلك.
اجتماع سبتمبر اختبار لمصداقية الفيدرالي
وأكد محيي الدين أن الاجتماع المقبل يمثل مجالًا لاختبار مصداقية البنك الفيدرالي، خاصة في ظل التطورات التي يشهدها الاقتصاد الأمريكي.
وأشار إلى تقرير مهم صادر عن صندوق النقد الدولي وكذلك مجلس الاستقرار المالي، لافتًا إلى أن وضع أسواق المديونيات وتراجعاتها سيكون أيضًا من الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار عند النظر إلى تداعيات القرار.
وأوضح أن القرار قد يتم اتخاذه في الولايات المتحدة، لكن تداعياته على أسواق المديونية العامة، سواء داخل الولايات المتحدة أو في دول أخرى، ستكون في غاية الأهمية.
عوائد السندات ومخاوف من عودة الاضطرابات
وحول عوائد السندات الأمريكية، التي سجلت مستويات مرتفعة خلال عدة سنوات، أشار محيي الدين إلى أن عائد السندات لأجل 10 سنوات في الولايات المتحدة اقترب من 5%، موضحًا أن الصورة هدأت نسبيًا في نهاية الأسبوع الماضي.
وعن مدى إمكانية اعتبار هذا الهدوء مؤقتًا، وما إذا كان يتخوف من عودة الاضطرابات في سوق السندات الأمريكية والعالمية، قال محيي الدين إنه ليس وحده في هذا التخوف.
وأوضح أن المشكلات الأساسية التي أدت إلى رفع العائد لم تتم معالجتها، مشيرًا إلى أن ما حدث حتى الآن تمثل في تدخلات قصيرة الأجل لم تتعامل إلا مع الظواهر، وأدت إلى تأجيل المشكلة بسبب الظروف السياسية والانتخابية.
وأكد أن «الفندمنتلز» أو الأصول الأساسية لم يتم التعامل معها، مشيرًا إلى أن هناك إجراءات أكثر أهمية يجب اتخاذها، وفي مقدمتها خفض عجز الموازنة والسيطرة على الدين العام، إلى جانب تحقيق مزيد من التنسيق بين السياسات النقدية والمالية.
محيي الدين: تأجيل الإجراءات الصعبة كان متوقعًا
وعقب الإشارة إلى صعوبة اتخاذ هذه الإجراءات قبل الانتخابات النصفية، أكد محيي الدين أن إرجاء هذه الإجراءات كان متوقعًا.
وأوضح أن هذه الإجراءات الصعبة تم تأجيلها بالفعل، في ظل الظروف السياسية والانتخابية الحالية، مؤكدًا أن معالجة المشكلات الأساسية تظل ضرورية لتحقيق الاستقرار في الأسواق والاقتصاد.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض