لم يعد تعليم الأطفال كيفية التعامل مع المال مقتصرًا على تشجيعهم على الادخار أو الحد من الإنفاق، ومع التغيرات التي يشهدها عالم المال والاستثمار، أصبح من المفيد أن يتعرف الطفل تدريجياً على مفاهيم مثل تنمية الأموال، والعائد على الاستثمار والمخاطر، وأهمية التخطيط للمستقبل.
ولا يعني ذلك أن يبدأ الطفل فعلياً في المضاربة بالأسواق، وإنما أن يفهم منذ الصغر كيف يمكن إدارة المال بطريقة أكثر وعياً، فالمفاهيم التي يتعلمها في سنواته الأولى قد تتحول لاحقاً إلى عادات تساعده على اتخاذ قرارات مالية أفضل.
ويرى سيث وندر، المدير المالي في شركة Acorns، أن سن الثامنة يمكن أن يمثل مرحلة مناسبة لبدء تعريف الأطفال بالمبادئ الأساسية للاستثمار، مستنداً إلى تجربته عندما تعرف على سوق الأسهم خلال مشاركته في نادٍ للاستثمار في المدرسة.
الاستثمار عادة تبدأ بمبلغ صغير
من أهم الأفكار التي يمكن تبسيطها للطفل أن الاستثمار لا يشترط امتلاك مبلغ كبير حتى يبدأ، الفكرة الأساسية هي تخصيص جزء صغير من المال بشكل منتظم، مع منحه الوقت الكافي للنمو.
ويمكن للآباء شرح ذلك للطفل من خلال أمثلة بسيطة من مصروفه أو مدخراته، بحيث يدرك أن بناء الثروة لا يعتمد على تحقيق مكسب سريع، وإنما على الاستمرار والانتظام لفترة طويلة.
كلما بدأ الشخص في وقت مبكر، أصبح أمام أمواله وقت أطول للنمو، ولذلك فإن قيمة البداية ليست هي العامل الوحيد المهم، بل إن الاستمرارية والصبر يمكن أن يصنعا فرقاً كبيراً على المدى البعيد.
العائد المركب.. عندما تبدأ الأرباح في إنتاج أرباح
يُعد العائد المركب من المفاهيم الاستثمارية المهمة التي يمكن تقديمها للأطفال بطريقة سهلة، فعندما يحقق الاستثمار عائداً ويتم الاحتفاظ بهذا العائد وإعادة استثماره، فإنه يصبح جزءاً من المبلغ الذي يمكن أن يحقق عوائد جديدة مستقبلاً.
ولتوضيح الفكرة، يمكن تصور استثمار مبلغ قدره 1000 دولار حقق عائداً قدره 100 دولار، بدلاً من إنفاق العائد، تتم إضافته إلى الاستثمار، ليصبح المبلغ الأكبر قادراً على تحقيق عوائد لاحقة.
ومع تكرار هذه العملية على مدى سنوات، يبدأ تأثير التراكم في الظهور بصورة أوضح، وهنا يتعلم الطفل درساً مهماً: الوقت والصبر يمكن أن يكونا عنصرين أساسيين في نمو الأموال.
الأسواق ترتفع وتنخفض.. والخوف ليس قراراً استثمارياً
من الضروري أيضاً أن يعرف الطفل أن قيمة الاستثمارات لا ترتفع طوال الوقت، فالأسواق تمر بفترات من الصعود، وأخرى تشهد تراجعاً في الأسعار، وهو أمر طبيعي في عالم الاستثمار.
ولهذا، فإن انخفاض قيمة أحد الاستثمارات لا يعني تلقائياً أن الاستثمار كان قراراً خاطئاً أو أن البيع هو الحل، الأهم هو فهم سبب التراجع والنظر إلى الاستثمار وفق الهدف والفترة الزمنية المحددة له.
ويشير الخبراء إلى أهمية تعليم الأطفال عدم اتخاذ القرارات المالية تحت تأثير الخوف أو الحماس، خصوصاً في ظل انتشار المحتوى المالي السريع وألعاب التداول عبر الإنترنت، والتي قد تعطي أحياناً صورة مبسطة أو مضللة عن طبيعة الاستثمار.
الهدف ليس صناعة مستثمر صغير
يوضح حسان حاطوم أن تعليم الاستثمار للأطفال ينبغي أن يكون جزءاً من بناء الثقافة المالية، وليس محاولة لإدخالهم في الأسواق وتحميلهم مخاطر مالية في سن مبكرة.
فالطفل الذي يتعلم الفرق بين الإنفاق والادخار والاستثمار، يصبح أكثر قدرة على فهم قيمة المال عندما يكبر، كما يتعلم أن الوصول إلى الأهداف المالية يحتاج إلى تخطيط وانضباط ووقت، وليس إلى البحث المستمر عن طرق لتحقيق أرباح سريعة.
من الادخار إلى تنمية المال
اعتاد كثير من الآباء تعليم أبنائهم الاحتفاظ بجزء من مصروفهم وعدم إنفاقه بالكامل، وهي عادة مهمة في إدارة الأموال، لكن يمكن توسيع هذا المفهوم لاحقاً ليشمل فكرة تنمية المال بدلاً من الاكتفاء بالاحتفاظ به.
ومن خلال تعريف الطفل بمبادئ الاستثمار المنتظم والعوائد المركبة وتقلبات الأسواق، يمكن مساعدته على فهم الطريقة التي يمكن أن تعمل بها الأموال على المدى الطويل، مع التأكيد على أن الاستثمار يرتبط دائماً بمستوى من المخاطر ولا يضمن تحقيق الأرباح.
الثقافة المالية.. إرث يستمر مع الطفل
يرى جو الخوري أن تأثير الثقافة المالية المبكرة قد يتجاوز قيمة الأموال التي يمتلكها الطفل نفسه، فالعادات التي يكتسبها في هذه المرحلة قد تظل معه عندما يبدأ في إدارة دخله وأمواله بصورة مستقلة.
ولهذا، فإن الدرس الأهم ليس أن يصبح الطفل خبيراً في الأسهم، وإنما أن يتعلم التفكير قبل اتخاذ القرار، وأن يوازن بين احتياجاته الحالية وأهدافه المستقبلية.
وفي النهاية، يمكن أن يساعد تعليم الأطفال مبادئ الاستثمار بصورة مبسطة على إعداد جيل أكثر وعياً بالمال، يعرف أن بناء الثروة عملية تدريجية، وأن القرارات المالية الجيدة تعتمد على المعرفة والصبر وإدارة المخاطر، وليس على مطاردة الأرباح السريعة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض