قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في نحو شهرين، بينما تعرض الذهب والأسهم الأمريكية لضغوط قوية، بعد إعلان الولايات المتحدة تنفيذ ضربات جديدة استهدفت مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني، في تصعيد عسكري يهدد بتفاقم اضطرابات حركة الملاحة وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.
ضربات أمريكية جديدة داخل إيران
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» بدء تنفيذ ضربات على أهداف تابعة للحرس الثوري الإيراني داخل إيران، مساء الثلاثاء، موضحة أن العملية جاءت رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز، إلى جانب أفراد من القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وأشارت القيادة الأمريكية إلى أن إيران حاولت استخدام ألغام بحرية لتهديد حركة السفن في المضيق، مؤكدة أن واشنطن لن تسمح باستمرار هذه الممارسات في الممرات البحرية الدولية.
وجاء التصعيد الجديد في وقت كانت فيه أسعار النفط تشهد ارتفاعاً بالفعل، نتيجة تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما أضاف مزيداً من المخاوف بشأن مستقبل الإمدادات العالمية.
النفط يتجاوز 93 دولاراً
ارتفع خام برنت بنحو 4% خلال تعاملات الثلاثاء، متجاوزاً مستوى 93 دولاراً للبرميل، واقترب من 94 دولاراً، مسجلاً أعلى مستوياته منذ يوليو، وفق بيانات السوق.
كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بأكثر من 4%، ليقترب من مستوى 89 دولاراً للبرميل، وسط تصاعد المخاوف من استمرار الاضطرابات في أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية.
وتضاعفت المخاوف بعد تعرض ناقلتي نفط عملاقتين لهجمات أثناء مغادرتهما مضيق هرمز بالقرب من السواحل العُمانية، فيما كانت الناقلتان تحملان معاً نحو 4 ملايين برميل من الخام، وفقاً لشركات متخصصة في الاستخبارات الملاحية.
ويمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية ما يقرب من خمس إمدادات النفط العالمية، وهو ما يجعل استمرار تعطل حركة الملاحة عبره تهديداً مباشراً لاستقرار أسواق الطاقة.
تصعيد متبادل بين واشنطن وطهران
تأتي الضربات الأمريكية الأخيرة بعد أيام من استهداف القوات الأمريكية منصتي إطلاق صواريخ إيرانيتين في جزيرة لارك، في خطوة قالت واشنطن إنها تهدف إلى منع استخدام الصواريخ في عمليات زرع ألغام بحرية داخل المضيق.
وردت إيران في اليوم التالي بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة باتجاه قواعد في الأردن، حيث تتمركز قوات أمريكية، بينما أعلن الأردن اعتراض عدد من الصواريخ.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد توعد بالرد بقوة على الهجوم الإيراني، ما يزيد المخاوف من استمرار المواجهة العسكرية خلال الفترة المقبلة وتحولها إلى صراع أطول أمداً.
لماذا تراجع الذهب رغم تصاعد الحرب؟
على عكس النفط، لم يستفد الذهب من ارتفاع حدة التوترات الجيوسياسية، بل تعرض لموجة بيع قوية خلال تعاملات الثلاثاء، وانخفض بأكثر من 2% ليسجل أدنى مستوى له في نحو أسبوعين، قبل أن يقلص جانباً من خسائره.
ووصل سعر الذهب في المعاملات الفورية إلى نحو 4372 دولاراً للأوقية، وفق أحدث بيانات رويترز.
ويعود الضغط على المعدن الأصفر إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وصعود الدولار، في ظل تعامل المستثمرين مع ارتفاع أسعار النفط باعتباره عاملاً قد يؤدي إلى زيادة التضخم.
ويؤدي ارتفاع التضخم إلى تعزيز احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يقلل جاذبية الذهب الذي لا يدر عائداً، مقارنة بالأصول ذات العائد.
كما يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة إلى المستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
ارتفاع عوائد السندات عالمياً
امتدت تداعيات التصعيد العسكري إلى أسواق السندات، إذ ارتفعت عوائد السندات الحكومية الرئيسية حول العالم، وسط مخاوف من أن تؤدي قفزة أسعار الطاقة إلى إعادة إشعال التضخم وإجبار البنوك المركزية على مواصلة تشديد السياسة النقدية.
وتجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات مستوى 4.75%، بينما ارتفع عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3% للمرة الأولى منذ عام 1996.
كما صعد عائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ عام 2008.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب تصريحات متشددة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش، الذي أشار إلى إمكانية الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً إذا لم يتراجع التضخم بصورة واضحة نحو مستهدف البنك البالغ 2%.
وول ستريت تحت الضغط
ألقت التطورات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط وعوائد السندات بظلالها على الأسهم الأمريكية، التي تراجعت عند افتتاح تعاملات الثلاثاء.
وانخفض مؤشر «S&P 500» بنحو 0.66%، بينما تراجع مؤشر «ناسداك» بنسبة 1.29%، وهبط مؤشر «داو جونز» بنحو 0.19%.
ويواجه المستثمرون معادلة معقدة، إذ يؤدي تصاعد الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يزيد الضغوط التضخمية، ويرفع احتمالات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، الأمر الذي يدعم عوائد السندات ويضغط بدوره على الأسهم والذهب.
مضيق هرمز في صدارة مخاوف الأسواق
يظل مستقبل حركة الملاحة في مضيق هرمز العامل الأهم في تحديد اتجاه أسعار النفط خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار الهجمات على السفن وتراجع حركة الناقلات عبر الممر الحيوي.
وفي حال استمر تعطّل الملاحة لفترة طويلة، فقد ترتفع علاوة المخاطر على أسعار الخام، ما قد يدفع النفط إلى مستويات أعلى ويزيد الضغوط التضخمية في الاقتصادات الكبرى.
وفي المقابل، فإن أي تهدئة مفاجئة بين الولايات المتحدة وإيران أو تحسن واضح في حركة السفن عبر المضيق قد يؤدي إلى تراجع سريع في علاوة المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط.
وبذلك لم تعد الأسواق تتعامل مع المواجهة بين واشنطن وطهران باعتبارها أزمة جيوسياسية فقط، وإنما باعتبارها اختباراً جديداً لمسار التضخم وأسعار الفائدة والنمو العالمي، في وقت تظل فيه إمدادات الطاقة شديدة الحساسية لأي تطورات عسكرية في المنطقة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض