رئيس «التخطيط العمراني»: 160.9 ألف فدان توسعات جديدة تستوعب 21 مليون نسمة


الرقعة المعمورة تتجاوز %15.5 من مساحة مصر ومدن الجيل الرابع تعيد رسم خريطة التنمية والسكان والاستثمار

الجريدة العقارية الاحد 30 اغسطس 2026 | 09:58 مساءً
المهندس ياسر حلمي
المهندس ياسر حلمي
خالد الأسمر

226 مدينة تدخل مظلة المخططات الاستراتيجية المعتمدة ضمن خطة الدولة لضبط النمو وتوجيه التوسعات العمرانية الجديدة

4619 قرية تنتهي مخططاتها الاستراتيجية والدولة تستكمل المظلة التخطيطية لضبط التوسع العمراني وحماية الأراضي الزراعية

77 مدينة و968 قرية تدخل خطة تحديث المخططات الاستراتيجية لمواكبة النمو السكاني وتغير احتياجات العمران والخدمات

38 مدينة من الجيل الرابع تقود التوسع العمراني الجديد وتفتح مراكز تنموية خارج مناطق التركز السكاني التقليدية

21 مليون نسمة الطاقة الاستيعابية المتوقعة للمساحات المضافة للأحوزة العمرانية ضمن خطط استيعاب النمو السكاني مستقبلًا

حماية الرقعة الزراعية ورفع كفاءة المدن القائمة يتصدران تحديات التخطيط مع استمرار تحديث الأحوزة والمخططات العمرانية

الساحل الشمالي والبحر الأحمر والدلتا الجديدة والصعيد تتصدر محاور النمو المستهدفة لإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية

الطرق والمشروعات القومية تعيد توجيه حركة العمران والاستثمار وتفتح محاور تنمية جديدة خارج الوادي والدلتا المكتظين بالسكان

دخل ملف التخطيط العمراني في مصر مرحلة جديدة تتجاوز إعداد الأحوزة والمخططات إلى إدارة النمو العمراني وتوجيه السكان والاستثمارات نحو مناطق التنمية الجديدة، بالتزامن مع توسع الدولة في إنشاء مجتمعات عمرانية ومحاور تنموية خارج الوادي والدلتا، ومراجعة الأدوات التخطيطية والتشريعية المنظمة لاستخدامات الأراضي، بما يحقق معادلة تجمع بين استيعاب الزيادة السكانية وحماية الأراضي الزراعية والحد من النمو العشوائي.

وتكشف المؤشرات الرئيسية عن حجم التحول الذي شهدته الخريطة العمرانية؛ إذ تستهدف استراتيجية التنمية العمرانية زيادة مساحة المعمور المصري من نحو 7 % إلى أكثر من 15.5 % من مساحة الجمهورية، بالتوازي مع التوسع في إنشاء جيل جديد من المدن وفتح مناطق جديدة أمام السكان والاستثمار، بما يخفف الضغوط التاريخية على الكتل العمرانية شديدة الكثافة، ويعيد توزيع التنمية وفرص العمل والخدمات على نطاق جغرافي أوسع.

وفي قلب هذه الخريطة، تتقدم الدولة في استكمال المظلة التخطيطية للعمران القائم، بعدما وصلت المخططات الاستراتيجية المعتمــدة إلى 226 مدينــــة، إلــى جانــب 4619 قرية، بما يوفر إطارًا لتحديد اتجاهات النمو واستخدامات الأراضي ومواقع الخدمات والطرق والمرافق، ويضع حدودًا أكثر وضوحًا بين الامتداد العمراني المخطط والبناء غير المنظم، خاصة في المناطق التي تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة النمو السكاني.

وتتحرك الهيئة العامة للتخطيط العمراني بالتوازي على مسار تحديث المخططات والأحوزة القائمة، انطلاقًا من أن احتياجات المدن والقرى لا تتوقف عند اعتماد المخطط، وإنما تتغير مع زيادة السكان وظهور أنشطة اقتصادية واستثمارية جديدة، وهو ما يستدعي إعادة تقييم اتجاهات التوسع بصورة دورية وربطها بالبنية الأساسية وشبكات النقل والخدمات، حتى لا تتحول الزيادة السكانية إلى نمو عمراني يسبق قدرة الدولة على توفير المرافق.

ويظل التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين إتاحة مساحات كافية للنمو وحماية الرقعة الزراعية؛ فالتضييق غير المدروس على الامتدادات المطلوبة للسكان قد يدفع إلى البناء غير الرسمي، بينما يؤدي التوسع غير المنضبط إلى استنزاف الأراضي ورفع تكلفة المرافق والخدمات، ومن هنا تكتسب الأحوزة العمرانية والمخططات الاستراتيجية والتفصيلية أهمية مباشرة في تحديد أين يمتد العمران وكيف ينمو، وما الأنشطة التي يمكن استيعابها داخل كل منطقة.

وتفتح المرحلة المقبلة كذلك ملف التشريعات المنظمة للعمران ومدى قدرتها على مواكبة الخريطة الجديدة، خاصة مع ظهور أجيال جديدة من المدن وتنوع استخدامات الأراضي وتسارع حركة الاستثمار، بما يفرض تطوير أدوات تحقق الانضباط دون تعطيل التنمية.

وفي حوار خاص مع «العقارية»، يكشف نائب رئيس هيئة التخطيط والتنمية العمرانية والقائم بأعمال رئيس مجلس الإدارة بالأرقام خريطة الأحوزة والمخططات، والمساحات الجديدة المضافة للعمران وقدرتها الاستيعابية، ومستقبل مدن الجيل الرابع، وموقف التشريعات المنظمة، وكيف تخطط الدولة لضبط التوسع وحماية الأراضي الزراعية وإدارة النمو العمراني خلال المرحلة المقبلة.

بداية.. كيف تغيرت خريطة العمران في مصر خلال السنوات الأخيرة، وما أبرز المؤشرات التي تعكس حجم هذا التحول؟

شهدت خريطة العمران في مصر تحولًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، في إطار توجه الدولة نحو زيادة الرقعة المعمورة وإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية على نطاق جغرافي أوسع، بدلًا من استمرار تركز الكتلة السكانية داخل المساحة التقليدية في الوادي والدلتا. ونجحت الدولة في هذا الإطار في مضاعفة الرقعة المعمورة لتتجاوز 15.5 % من مساحة الجمهورية، بالتزامن مع التوسع في إنشاء تجمعات عمرانية جديدة وفتح محاور للتنمية تستوعب الزيادة السكانية وتوفر مساحات جديدة للاستثمار والعمل والخدمات.

ولم يعتمد هذا التوسع على زيادة المساحات العمرانية فقط، وإنما ارتبط بإعادة صياغة الخريطة التنموية للدولة، من خلال إنشاء جيل جديد من المدن يمثل امتدادًا لمراكز العمران القائمة ويخلق في الوقت نفسه أقطابًا جديدة للنمو. وفي هذا السياق، تم إنشاء 38 مدينة من مدن الجيل الرابع، بما يعكس حجم التحول الذي شهدته سياسة التنمية العمرانية، حيث تستهدف هذه المدن استيعاب جزء من النمو السكاني المستقبلي، إلى جانب جذب الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية والخدمية وتوفير فرص عمل داخل المجتمعات الجديدة، حتى لا تتحول إلى تجمعات سكنية فقط.

أين وصلت الدولة في ملف المخططات الاستراتيجية والأحوزة العمرانية للمدن والقرى؟

حقق ملف المخططات الاستراتيجية والأحوزة العمرانية معدلات إنجاز مرتفعة للغاية، حيث تم اعتماد المخططات الاستراتيجية لـ226 مدينة بنسبة 98.2 %، إلى جانب اعتماد المخططات الاستراتيجية لنحو 4619 قرية بنسبة 97 %، وهو ما يعني أن الجزء الأكبر من المدن والقرى أصبح لديه إطار تخطيطي يحدد اتجاهات التنمية والنمو المستقبلي واستخدامات الأراضي واحتياجات الخدمات والمرافق.

وعلى مستوى الأحوزة العمرانية، تم اعتماد الحيز العمراني لـ230 مدينة بنسبة 100 %، كما تم اعتمـاد الأحوزة العمرانيــــة لنحــو 4663 قرية بنسبة 98 %، وهي خطوة شديدة الأهمية في ضبط عملية النمو العمراني؛ لأن تحديد الحيز لا يقتصر على رسم خط حول الكتلة القائمة، وإنما يحدد المساحات التي يمكن أن تستوعب الامتدادات العمرانية المستقبلية وفقًا لمعدلات النمو السكاني واحتياجات كل تجمع، وفي الوقت نفسه يضع إطارًا واضحًا للفصل بين النمو العمراني المخطط والتعدي على الأراضي الزراعية.

وماذا أضاف تحديث الأحوزة العمرانية للمدن والقرى إلى قدرة الدولة على استيعاب الزيادة السكانية؟

منذ عام 2008 وحتى الآن، أسهمت عمليات إعداد وتحديث الأحوزة العمرانية في إضافة نحو 160.9 ألف فدان إلى الأحوزة العمرانية، وهي مساحة تتيح استيعاب نمو سكاني متوقع يصل إلى نحو 21 مليون نسمة. وهذه الإضافات لم تتم باعتبارها توسعًا مفتوحًا في العمران، وإنما جاءت وفق دراسات تتعامل مع الاحتياجات الفعلية للتجمعات السكانية واتجاهات النمو ومعدلات الزيادة السكانية والقدرة الاستيعابية للمناطق المختلفة.

وتكتسب هذه المساحات أهمية أكبر عند النظر إليها في إطار العلاقة بين استيعاب النمو السكاني والحفاظ على الرقعة الزراعية؛ فعدم توفير امتدادات عمرانية مخططة للمدن والقرى يؤدي بصورة طبيعية إلى نمو غير رسمي وضغوط متزايدة على الأراضي الزراعية، ولذلك فإن تحديث الأحوزة يمثل إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها الدولة لإتاحة مساحات للنمو الطبيعي للسكان داخل إطار منظم، بدلًا من ترك هذا النمو يتحرك بصورة عشوائية.

هل انتهت عملية إعداد المخططات والأحوزة أم أن هناك تحديثات جديدة يجري العمل عليها؟

التخطيط العمراني بطبيعته عملية مستمرة ولا يتوقف عند اعتماد مخطط أو حيز عمراني في توقيت معين، لأن المدن والقرى نفسها تتغير باستمرار من حيث أعداد السكان والأنشطة الاقتصادية واحتياجات الخدمات والبنية الأساسية واتجاهات النمو، وبالتالي تحتاج المخططات إلى المراجعة والتحديث بصورة دورية حتى تظل قادرة على التعامل مع الواقع الفعلي.

وفي هذا الإطار، تستهدف الهيئة خلال العام المالي الحالي استكمال تحديث المخططات الاستراتيجية لنحو 77 مدينة و968 قرية، بما يسمح بإعادة قراءة احتياجات هذه التجمعات في ضوء التطورات التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث النمو السكاني أو التغير في الأنشطة واستخدامات الأراضي أو احتياجات الطرق والمرافق والخدمات. والهدف في النهاية هو ألا تصبح المخططات وثائق ثابتة منفصلة عن الواقع، وإنما أدوات مرنة وقابلة للتحديث تستطيع توجيه التنمية قبل حدوثها ومعالجة الضغوط العمرانية في توقيت مبكر.

كيف تحقق الدولة التوازن بين التوسع العمراني والحفاظ على الرقعة الزراعية؟

الحفاظ على الرقعة الزراعية يمثل أحد الاعتبارات الأساسية عند إعداد المخططات العمرانية، خاصة في محافظات الوادي والدلتا التي تتعرض لضغوط سكانية وعمرانية كبيرة، ولذلك لا يمكن التعامل مع التوسع العمراني باعتباره مجرد إضافة مساحات جديدة للبناء، وإنما يجب أن يرتبط أولًا برفع كفاءة استخدام المدن والتجمعات القائمة، والاستفادة بصورة أفضل من الأراضي المتاحة داخلها، ثم توجيه الامتدادات الجديدة إلى المناطق الأكثر ملاءمة للتنمية.

ومن هنا تأتي أهمية الأحوزة العمرانية باعتبارها أداة لضبط العلاقة بين احتياجات السكان للنمو وبين ضرورة حماية الأراضي الزراعية، فإتاحة مساحات مدروسة للتوسع داخل الحيز تساعد على الحد من النمو العشوائي، وفي الوقت نفسه تعمل الدولة على فتح محاور ومناطق تنمية جديدة خارج الأراضي الزراعية، بما يسمح بإعادة توزيع جزء من السكان والأنشطة الاقتصادية على مناطق جديدة بدلًا من استمرار الضغط على الوادي والدلتا.

ما فلسفة الدولة في إعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية بعيدًا عن مناطق التركز التقليدية؟

ترتكز فلسفة التخطيط العمراني على تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف أقاليم الجمهورية، بحيث لا تظل فرص العمل والاستثمار والخدمات متركزة في نطاق جغرافي محدود، لأن إعادة توزيع السكان لا يمكن تحقيقها بإنشاء وحدات سكنية أو مدن جديدة فقط، وإنما تتطلب وجود نشاط اقتصادي وفرص عمل وخدمات وبنية أساسية قادرة على جذب السكان وضمان استقرارهم داخل المناطق الجديدة.

ولهذا تتحرك خريطة التنمية في أكثر من اتجاه، سواء عبر الساحل الشمالي والبحر الأحمر والدلتا والصعيد أو من خلال المدن والتجمعات العمرانية الجديدة ومحاور التنمية التي تربط بينها، والهدف هو خلق مراكز نمو قادرة على جذب السكان والاستثمارات معًا، بما يخفف الضغوط عن المناطق شديدة الكثافة، ويحقق استفادة أفضل من الموارد والإمكانات التي تمتلكها مختلف أقاليم الدولة.

ما الدور الذي يلعبه التحول الرقمي والبيانات المكانية في منظومة التخطيط العمراني الجديدة؟

أصبح التحول الرقمي والاعتماد على البيانات المكانية جزءًا رئيسيًا من عملية التخطيط العمراني، لأن اتخاذ القرار التخطيطي يحتاج إلى قاعدة معلومات دقيقة ومحدثة توضح استخدامات الأراضي والكثافات السكانية وشبكات الطرق والمرافق والخدمات واتجاهات النمو، وتسمح في الوقت نفسه بمتابعة التغيرات التي تحدث على الأرض ومقارنتها بالمخططات المعتمدة.

ويتيح استخدام قواعد البيانات ونظم المعلومات المكانية رفع كفاءة عملية إعداد المخططات ومتابعة تنفيذها، كما يساعد على الربط بين الجهات المختلفة وتقليل الفجوة بين التخطيط والتنفيذ، فكلما أصبحت البيانات أكثر دقة وتحديثًا أمكن اتخاذ قرارات أكثر كفاءة بشأن مواقع الخدمات ومحاور الحركة ومناطق التوسع والاستثمارات المطلوبة، وهو ما يجعل الرقمنة عنصرًا أساسيًا في إدارة العمران وليس مجرد تطوير تقني لأسلوب العمل.

وكيف غيّر قانون التخطيط العام رقم 18 لسنة 2022 منظومة التخطيط في مصر؟

يمثل قانون التخطيط العام للدولة رقــم 18 لسنة 2022 إطارًا مهمًا لتنظيم منظومة التخطيط وربط مستوياتها المختلفة، بما يحقق قدرًا أكبر من التكامل بين الخطط القومية والإقليمية والمحلية، ويضمن أن تتحرك المشروعات والاستثمارات في إطار أولويات واضحة ومترابطة بدلًا من العمل بصورة منفصلة بين الجهات المختلفة.

وتكمن أهمية هذا الإطار في أن التنمية العمرانية لا يمكن فصلها عن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي والاستثماري؛ فالمدينة تحتاج إلى طرق ومرافق وخدمات وفرص عمل واستثمارات، وبالتالي فإن التكامل بين التخطيط العمراني وخطط التنمية يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح المجتمعات الجديدة ورفع كفاءة المدن القائمة، كما يدعم تحقيق مســــتهدفات رؤيـــــة مصر 2030 المتعلقة بالتنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة وتحقيق تنمية أكثر توازنًا بين مختلف أقاليم الجمهورية.