صدام الهيئات الاقتصادية الأمريكية.. كيف يهدد تدخل "الخزانة" في سوق السندات معركة "الفيدرالي" ضد التضخم؟


الجريدة العقارية الاربعاء 26 اغسطس 2026 | 03:24 مساءً
وزارة الخزانة الأمريكية
وزارة الخزانة الأمريكية
محمود علي

تواجه السياسة النقدية والمالية في الولايات المتحدة الأمريكية حالة من التنازع المثير للقلق بين وزارة الخزانة والبنك الاحتياطي الفيدرالي، فبينما يستعد رئيس الفيدرالي، كيفن وارش، لإلقاء خطابه المرتقب في ندوة جاكسون هول الاقتصادية، تصاعدت حدة التحذيرات من مستثمرين كبار بأن تدخلات وزير الخزانة، سكوت بيسنت، في سوق السندات تسير في اتجاه معاكس تماما لمعركة الفيدرالي لكبح جماح التضخم.

مناورة "الخزانة" وتصاعد الانتقادات

وأعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت الأسبوع الماضي عن تحرك مفاجئ يقضي بـ "مضاعفة" مشتريات الوزارة من السندات الحكومية الأمريكية طويلة الأجل بحد أدنى.

وتأتي هذه المناورة لدعم سوق السندات البالغة قيمته 32 تريليون دولار، بعدما بلغت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل أعلى مستوياتها منذ 19 عاما.

ويهدف هذا البرنامج إلى خفض تكاليف الاقتراض التي ارتفعت مؤخرا بسبب المخاوف المرتبطة بالتضخم، واتساع الاقتراض الحكومي، والاحتياجات التمويلية المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، واجهت هذه الخطوة انتقادات لاذعة من "وول ستريت" وكبار المستثمرين الذين اعتبروا أنها تقوض مصداقية الوزارة.

واعتبرت ليزا شاليت، كبيرة مسؤولي الاستثمار في "مورغان ستانلي لإدارة الثروات"، أن التدخل في سوق السندات لمجرد الاستياء من العوائد المرتفعة يمثل "تصرفا ارتجاليا" قد يفسر كاعتراف ضمني بقلق واشنطن بشأن استدامة دينها العام.

كما وصف الملياردير ومدير صناديق التحوط، ستانلي دروكنميلر، خطة زيادة إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار بأنها "خطأ كبير"، واصفا إياها بأنها إدارة للأسعار وليست إدارة للسيولة.

تباين الرؤى بين بيسنت ووارش

على الرغم من العلاقات الودية والاجتماعات المنتظمة التي تجمع بين وارش وبيسنت، فإن أولوياتهما باتت تتباعد بشكل ملحوظ، ففي حين يدافع وارش عن آلية التسعير الحر في السوق ويؤكد أن البنك المركزي يتجنب التدخل في إشارات السوق التي قد تستدعي مستويات اقتراض أعلى، يصر بيسنت على أن الارتفاع الحالي في تكاليف اقتراض الحكومة الأمريكية لا يعكس الأساسيات الاقتصادية الحقيقية ويتدخل لتعديلها.

وعلق كريشنا غوها، نائب رئيس شركة "إيفركور آي إس آي"، على هذا التعارض قائلا: "من الصعب التوفيق بين رؤية وارش الأساسية وما تقوم به وزارة الخزانة حاليا"، متسائلا عن كيفية تبرير رئيس الفيدرالي لآلية السوق بينما يتدخل وزير الخزانة لتغيير الأسعار بدعوى أنها خاطئة.

معركة التضخم ومخاوف التسييس

يأتي هذا التضارب في وقت حساس للغاية؛ حيث تشير البيانات إلى أن معدل التضخم في الولايات المتحدة بلغ 3.7%.

ويستعد وارش لشرح نهجه الجديد القائم على تقليص "التوجيهات المستقبلية" للأسواق، والاعتماد على البيانات الاقتصادية وأسعار السوق.

ويتزامن ذلك مع ضغوط من مستثمرين وأعضاء في الفيدرالي لتوضيح الشروط التي قد تدفعه إلى رفع أسعار الفائدة لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%، بعد أكثر من خمس سنوات من تجاوزه هذا الحد.

وفي هذا الصدد، تشهد اللجنة الفيدرالية انقساما داخليا؛ حيث أيد ثلاثة أعضاء رفع الفائدة في يوليو الماضي، في حين أبدى رؤساء بنوك إقليمية دعمهم لزيادة الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

ويرى خبراء، مثل سكوت بارنارد من "ويستوود"، أن تباين التوجهات يظهر وكأن المؤسستين "تسحبان الاقتصاد في اتجاهين متعاكسين"؛ فالخزانة تتدخل لخفض العوائد لدعم النشاط الاقتصادي، بينما يسعى الفيدرالي لكبح الاقتصاد للسيطرة على التضخم.

إضافة إلى ذلك، تثير رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في خفض تكاليف الاقتراض قبيل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر مخاوف واسعة من احتمال تعرض الاحتياطي الفيدرالي لضغوط سياسية للتدخل، لا سيما إذا فشلت جهود بيسنت الحالية في السيطرة على العوائد.

وتأتي هذه الضغوط في وقت يحاول فيه وارش تهدئة مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية والمالية للحرب التي تخوضها إدارة ترامب ضد إيران، والتي ساهمت في زيادة تكاليف المعيشة والأعمال.