أكد المهندس محمد الخطيب، استشاري التطوير المسؤول عن تطوير منطقة نزلة السمان والقاهرة التاريخية بصندوق التنمية الحضرية التابع لمجلس الوزراء، أن التعامل مع القاهرة التاريخية يختلف عن مفهوم التطوير التقليدي للمناطق العشوائية أو المتدهورة عمرانياً واجتماعياً، موضحاً أن المصطلح الأدق هو «الإحياء»، لأن التاريخ لا يتم تطويره وإنما يُستعاد ويُعاد إحياؤه والتذكير به ليعود حياً بين الأجيال.
وأوضح الخطيب في لقاء مع قناة إكسترا نيوز أن المدخل الرئيسي للتعامل مع المناطق التاريخية يقوم على إحياء ما هو قائم واستعادة قيمته، مشيراً إلى أن المصطلحات المستخدمة في هذا الإطار لا تتحدث عن «خطة» أو «تطوير»، وإنما عن «إحياء» المناطق التاريخية.
وأشار إلى أن أعمال إحياء القاهرة التاريخية بدأت عام 2021، وأن التعامل معها يتم على مراحل نظراً لامتدادها الكبير، باعتبارها أكبر ممتلك تراث عالمي معلن من جانب منظمة اليونسكو.
وقال إن المرحلة الأولى ركزت على أربع مناطق أساسية تمثل مداخل رئيسية للقاهرة التاريخية، وهي منطقة مسجد الحاكم، ومنطقة باب زويلة، وحارة الروم، ودرب اللبانة، موضحاً أن استعادة هذه المناطق باعتبارها بوابات رئيسية للقاهرة التاريخية من شأنها أن تعطي زخماً كبيراً للقاهرة وتاريخها.
ترميم المباني وإعادة توظيفها
وأوضح استشاري التطوير أن أعمال الإحياء تتم في إطار اشتراطات اليونسكو، التي تتضمن تدخلات محددة ودقيقة، وصفها بأنها تشبه «العمليات الجراحية»، مشيراً إلى أن أول تدخل يتمثل دائماً في الترميم وإعادة التوظيف.
وأضاف أن أعمال الترميم لا تقتصر على المباني الأثرية فقط، وإنما تشمل أيضاً المباني ذات القيمة والطراز المعماري المميز، وكذلك المباني غير المسجلة رسمياً التي يرى الاستشاري أنها تحمل قيمة تاريخية، أو التي ارتبطت بشخصية محورية عاشت فيها.
وأكد أن المبدأ الأساسي هو الترميم حتى في الحالات الصعبة، ثم إعادة توظيف المباني في أنشطة جديدة، مثل مراكز الحرف والمراكز الثقافية والفنادق الصغيرة «Boutique Hotels»، بما يمنح المباني قيمة اقتصادية جديدة ويسهم في إعادة إنتاج الأنشطة التي كانت موجودة في المدينة القديمة.
فنادق صغيرة لاستعادة النشاط الاقتصادي
وحول إمكانية دخول شركات فندقية عالمية لإدارة الفنادق الصغيرة في المناطق التاريخية، أوضح الخطيب أن اليونسكو تشترط ألا يزيد عدد الغرف عن 50 غرفة، بما يتناسب مع طبيعة وحجم المدينة القديمة، ويجعل الخدمة أقرب إلى نمط «الضيف المقيم في بيته».
وأشار إلى أنه تم بالفعل تخصيص أكثر من قطعة أرض للمستثمرين، إلا أن السلاسل الفندقية العالمية عادة لا تعمل في هذا النمط الصغير من الفنادق.
وأوضح أنه في البداية يتم الاعتماد على سلاسل محلية حققت نجاحات كبيرة في الغردقة وشرم الشيخ والقاهرة، بهدف تقديم «نموذج» ناجح، على أن تكون هناك إمكانية لدخول السلاسل العالمية في مراحل لاحقة.
السكان والحرف جزء أساسي من الإحياء
وأكد الخطيب أن الحفاظ على روح القاهرة التاريخية وهويتها لا يمكن أن يتحقق من خلال تحويلها إلى مقصد سياحي فقط، مشدداً على أن التعامل معها يقوم على ثلاثة أغراض رئيسية، هي أن تظل مكاناً لسكن الناس، ومكاناً للعمل وإنتاج الحرف، وفي النهاية أن تجذب السياحة والزيارة.
وقال إن روح القاهرة الحقيقية موجودة في سكانها وأنشطتها وحرفها، موضحاً أن اليونسكو أعلنت القاهرة التاريخية تراثاً عالمياً لثلاثة أسباب رئيسية، هي مبانيها الأيقونية، ونسيجها العمراني التاريخي المتمثل في الأزقة والدروب، ونمط الحياة الموجود بها.
إحياء قرافة المماليك
وفيما يتعلق بقرافة المماليك أو ما يعرف بمنطقة قرافة السيوطي، أوضح الخطيب أن قرافة السيوطي تقع مباشرة في مواجهة مسجد السيدة عائشة، أمام القلعة، على طريق صلاح سالم القديم.
وأشار إلى أن كلمة «قرافة» جاءت من قبيلة يمنية تُدعى «بنو قرافة»، التي جاءت مع عمرو بن العاص وأقامت في هذا المكان، موضحاً أن المصطلح أصبح مرتبطاً بالمقابر في مصر.
وأضاف أن الأعمال الجارية في المنطقة، عقب فك كوبري السيدة عائشة، أسفرت عن إخلاء المنطقة المحيطة، الأمر الذي كشف عن أضرحة شديدة الأهمية والتميز من الناحية المعمارية.
وأوضح أن هذه المواقع لم تكن مجرد أضرحة منفردة، وإنما كانت عبارة عن مجمعات جنائزية كاملة تضم خانقاه ومدرسة ومسجداً وأسبلة، لافتاً إلى أن الهدف هو استعادة الشكل الأصلي لهذه المجموعات لتصبح أشبه بـ«حديقة تذكارية» تحكي قصة قرافة المماليك.
التعامل مع السكان في مناطق الإحياء
وحول مصير السكان الذين قد يتضررون نتيجة أعمال الإحياء أو يتم إخلاء بعض المناطق التي يقيمون بها، أكد الخطيب أن مشروع القاهرة التاريخية داخل الأسوار بدأ بالحوار مع الناس وتحديد البدائل المتاحة لهم.
وأوضح أن نقل السكان أو تغيير النشاط يتم في «أضيق الحدود»، ولأسباب تتعلق بالخطورة الداهمة أو بسبب عدم صلاحية المكان للسكن.
وأشار إلى أن أجزاء كثيرة من القاهرة التاريخية تعرضت للتدهور، وأن بعض السكان كانوا يعيشون في مناطق تشبه الأطلال، مستشهداً بمنطقتي الشوربجي والمولى خلف مسجد الحاكم، حيث كانت توجد حظائر دواجن ومناطق خربة.
وأكد أن التعامل مع هذه المناطق جاء بهدف استعادة قيمة النسيج العمراني التاريخي وإعادة إحيائه.
مشروع سور مجرى العيون وربط مراحل القاهرة التاريخية
وحول منطقة سور مجرى العيون، أوضح الخطيب أن المنطقة كانت مخصصة للمدابغ، وكانت شديدة التلوث وتؤثر على صحة السكان، مشيراً إلى أنه تم نقل هذه الأنشطة إلى منطقة الروبيكي في مدينة بدر.
وأضاف أن هناك تصوراً لربط مراحل القاهرة التاريخية، وهي الفسطاط والعسكر والقطائع، بما يساهم في استعادة الترابط التاريخي بين هذه المناطق.
وأوضح أن هناك أعمالاً إنشائية خلف السور ضمن مشروع «أرابيسك» على مساحة 95 فداناً، مشيراً إلى أن المشروع السكني انتهى بالكامل.
كما كشف عن وجود مرحلة ثانية على مساحة 40 فداناً، مخصصة لأنشطة مختلطة تشمل المطاعم والمراكز الإدارية والفنادق، مع الالتزام بارتفاعات منخفضة تتيح إطلالة على السور، إلى جانب ممشى يربط بين مختلف الأنشطة، مشيرا إلى وجود فندق ضمن المشروع ستتولى إدارته «هليتون العالمية».
نزلة السمان والحفاظ على السكان والهوية
وتطرق الخطيب إلى مشروع إحياء منطقة نزلة السمان، موضحاً أن التحدي الرئيسي يتمثل في الحفاظ على القيمة الأثرية للمنطقة، خاصة الطريق الصاعد للهرم ومعابد الوادي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على السكان الموجودين بها.
وأشار إلى أنه تم بالفعل الكشف عن «الطريق الصاعد» بعد عمليات إزالة تمت في منطقة «سن العجوز»، التي وصفها بأنها كانت متهالكة للغاية وملاصقة للهرم الأكبر.
وأكد أن الاتجاه ليس إلى إبعاد سكان نزلة السمان عن المنطقة، موضحاً أن الأهالي قدموا أفكاراً مبتكرة للاستفادة من طبيعة المنطقة وموقعها، من بينها تحويل أسطح المنازل إلى كافيهات وبيوت ضيافة تطل على الأهرامات.
وأشار إلى أن هذه التجربة أثبتت نجاحاً كبيراً، خاصة أن السائح يرغب في الاحتكاك بالثقافة المحلية والتعرف إلى طبيعة الحياة الموجودة في المنطقة.
شراكة بين الدولة وأهالي نزلة السمان
وكشف الخطيب عن توجه الدولة للدخول في «شراكة» مع أهالي نزلة السمان، باعتبارها تجربة جديدة تقوم على مشاركة السكان في تطوير منطقتهم.
وأوضح أن هذه الشراكة ستتم من خلال مجلس إدارة يمثل الدولة والأهالي، بحيث تتولى الدولة أعمال البنية الأساسية، بينما يقوم الأهالي بتطوير بيوتهم وفق اشتراطات هندسية ورسوم محددة.
وأكد أن هذه الاشتراطات تستهدف الحفاظ على الطابع العام للمنطقة، والالتزام بالارتفاعات المطلوبة بما يحافظ على رؤية الأثر، وفي الوقت نفسه يتيح للسكان الاستفادة من الموقع والفرص الاقتصادية المرتبطة بالسياحة والأنشطة المحلية.
وشدد الخطيب على أن فلسفة إحياء القاهرة التاريخية ونزلة السمان تقوم في الأساس على استعادة القيمة التاريخية والعمرانية، مع الحفاظ على السكان والأنشطة والحرف، بما يضمن أن تظل المناطق التاريخية أماكن حية وليست مجرد مواقع سياحية أو متاحف مفتوحة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض