غيّرت عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض الحسابات السياسية المرتبطة بعمليات الاندماج والاستحواذ، وأحيت رغبة الشركات في إبرام صفقات كبرى كانت قد أصبحت صعبة التنفيذ، أما الآن، فقد بدأ العد التنازلي أمام الشركات الأميركية.
أدى الانتصار الساحق للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي إلى خلق شعور مفاجئ بالإلحاح داخل مجالس إدارات الشركات، إذ يتساءل التنفيذيون عما إذا كانت أمامهم فرصة أخيرة لتنفيذ صفقات استراتيجية تُحدث تحولًا جذريًا في أعمالهم، ما دامت الجهات التنظيمية الداعمة لعمليات الاندماج والاستحواذ لا تزال في مواقعها خلال ولاية ترمب.
مستقبل غامض لصفقات أميركية كبرى
تشير محادثات مع كبار المستشارين إلى أن نتائج الانتخابات دفعت بالفعل شركات إلى التساؤل عما إذا كان ينبغي عليها التحرك سريعًا لطرح خطواتها الاستراتيجية الكبرى.
وهناك إدراك متزايد بأن عودة الحزب الديمقراطي بقوة قد تعرقل صفقات الاستحواذ العملاقة التي اكتسبت زخمًا خلال الولاية الثانية لترمب، وأسهمت في تحقيق إيرادات قياسية لوول ستريت.
وقال كيفن فولي، الرئيس المشارك للخدمات المصرفية الاستثمارية في «جيه بي مورغان تشيس آند كو»، إحدى أبرز شركات تقديم الاستشارات المالية في العالم، إن على الشركات الاستعداد لإبرام الصفقات في ظل بيئة تشغيلية معقدة مجددًا.
وأضاف فولي، المقيم في نيويورك: «قد يتمثل الخطر الأكبر في افتراض أن الأمور ستعود إلى طبيعتها عاجلًا أم آجلًا.
ويظل التوقف عن التحرك خيارًا متاحًا دائمًا، لكن عندما تشهد القطاعات تغيرات بهذه السرعة، يصبح ذلك الخيار خاطئًا».
أما فرناندو ريفاس، المصرفي البارز في «ويلز فارغو آند كو»، فقد صاغ الأمر بصورة أكثر وضوحًا خلال مؤتمر للقطاع في بوسطن يوم الخميس، عندما قال إن عقلية «الآن أو لن تتاح الفرصة أبدًا» ستعود لتكون المحرك لعمليات الاندماج والاستحواذ على المدى القريب.
وشجعت سنوات ترمب الشركات الأميركية على السعي وراء صفقات أكبر حجمًا، إذ استحوذت ولايتا ترمب الرئاسيتان على حصة كبيرة بصورة غير متناسبة من أضخم الصفقات. فوفقًا لتحليل بيانات جمعتها «بلومبرغ»، أُعلن عن أكثر من نصف إجمالي الصفقات التي لا تقل قيمتها عن 50 مليار دولار، وتضم شركة أميركية، خلال العقدين الماضيين، في أثناء وجود ترمب في الرئاسة.
وشهد العام الحالي وحده عمليات اندماج واستحواذ بارزة في قطاعات حيوية، مثل الطاقة والتكنولوجيا، من بينها استحواذ شركة «مارفيل تكنولوجي» هذا الشهر على شركة تصنيع الليزر «لومينتوم هولدينغز» في صفقة تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، لتصبح من أكبر الصفقات المسجلة على الإطلاق.
وفي سياق آخر، وافقت وزارة العدل الأميركية على استحواذ «باراماونت سكاي دانس» بقيمة 110 مليارات دولار على «وارنر براذرز ديسكفري»، من دون فرض تدابير علاجية تتعلق بمكافحة الاحتكار.
نتائج الانتخابات الأميركية تتحكم بمصير الشركات
ثمة ضرورة ملحة بصفة خاصة للبدء في هذه الصفقات الأكثر تعقيدًا، إذ قد تستغرق الصفقات العملاقة أشهرًا للتفاوض بشأنها، وفترات أطول لاجتياز المراجعات التنظيمية في مختلف أنحاء العالم. والشركات التي تنتظر حتى تدخل حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2028 مراحلها النشطة قبل المضي قدمًا في مثل هذه الصفقات، تخاطر بتحويلها إلى مادة للتجاذبات السياسية خلال الحملات الانتخابية.
وقال بول ناري، الأستاذ المساعد للإدارة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا: «إذا كانت لديك صفقة كبرى ستستغرق وقتًا للإعداد واجتياز الإجراءات، فعليك حقًا البدء في العمل عليها الآن، وربما الإعلان عنها بحلول منتصف عام 2027. لم يتبق الكثير من الوقت».
اندماج «تسلا» و«سبيس إكس».. أكبر اختبار
قد يمثل الاندماج المحتمل بين شركة «سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك وشركة «تسلا» أحد أبرز الاختبارات لصفقات الاندماج والاستحواذ العملاقة في المشهد السياسي الجديد. ومن شأن هذه الصفقة، إذا تمت، أن تكون من بين أكبر عمليات الارتباط بين الشركات وأكثرها حساسية سياسيًا على الإطلاق، كما ستكشف مدى نفوذ الملياردير لدى ترمب، بالتزامن مع بدء تحول موازين القوى في واشنطن.
وكانت «بلومبرغ نيوز» قد ذكرت أن ماسك، الذي أنفق نحو 500 مليون دولار لدعم مرشحين جمهوريين في سباقات انتخابية رئيسية خلال انتخابات التجديد النصفي، يدفع باتجاه الإعلان عن اندماج أكبر شركتين تابعتين له خلال النصف الأول من عام 2027.
لكن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا؛ إذ تراجعت أسهم كل من «سبيس إكس» و«تسلا» وسط مخاوف من أن يسعى الكونغرس، بقيادة الديمقراطيين، إلى التحقيق في أنشطة ماسك التجارية والسياسية، وأن يعمل، على نطاق أوسع، على إبطاء طفرة الذكاء الاصطناعي التي دأب على دعمها.
ما يعنيه فوز الديمقراطيين للقوانين والشركات
رغم أن الديمقراطيين لن يتولوا السيطرة على وزارة العدل أو لجنة التجارة الفيدرالية، ما يعني بقاء الجهات المسؤولة عن إنفاذ قوانين الاندماج في إدارة ترمب بمواقعها، فإن سيطرة الحزب على مجلسي الكونغرس ستمنحه أدوات جديدة لمساءلة عمليات الاندماج والاستحواذ الكبرى والحساسة، من خلال جلسات الاستماع والتحقيقات والاستدعاءات القانونية، فضلًا عن زيادة التدقيق العام في الشركات والجهات التنظيمية.
وقد تصبح عدة صفقات كبرى قيد الإعداد، بل وحتى بعض الصفقات التي اكتمل تنفيذها بالفعل، أهدافًا مبكرة للكونغرس بتشكيلته الجديدة اعتبارًا من يناير.
فقد أثارت صفقة استحواذ شركة «دورداش» بقيمة 17 مليار دولار على شركة «مابل بير»، المالكة لمنصة «إنستاكارت»، انتقادات من شخصيات ديمقراطية بارزة، من بينها عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي قال إن الصفقة ستؤدي إلى «ارتفاع الأسعار، وزيادة الاستغلال، واتساع فجوة عدم المساواة الاقتصادية».
وفي الوقت نفسه، استهدف مشرعون، من بينهم السيناتوران إد ماركي وريتشارد بلومنتال، صفقة شراء شركة «نكست إيرا إنرجي» لشركة «دومينيون إنرجي» بقيمة 67 مليار دولار، محذرين من أنها قد تقلص المنافسة وترفع التكاليف على المستهلكين.
كما تعهد السيناتور كوري بوكر بممارسة رقابة من جانب الكونغرس لتفكيك تفاصيل صفقة «باراماونت» و«وارنر براذرز»، التي اكتمل تنفيذها الشهر الماضي.
وقال بول همفريز، الرئيس المشارك العالمي لقطاع الصناعة في مكتب المحاماة «فريشفيلدز»: «لدى الكونغرس وقت وموارد محدودة، ولذلك لن يحقق في كل صفقة. أتوقع أن ينصب التركيز على موضوعات محددة، ولا سيما القدرة على تحمل التكاليف والمساءلة».
وأضاف همفريز: «يمتلك الكونغرس القدرة على استدعاء التنفيذيين، وإصدار مذكرات استدعاء قانونية، ووضع أي صفقة تحت الأضواء السياسية، حتى بعد حصولها على الموافقات التنظيمية».
تراجع زخم الذكاء الاصطناعي
يمثل تراجع جاذبية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تحديًا أكثر إلحاحًا أمام صانعي الصفقات، الذين اعتمدوا على التوسع في هذه التكنولوجيا لدفع بعض أكبر الصفقات خلال الولاية الثانية لترمب.
وكانت مراكز البيانات حاضرة على أجندة الانتخابات في ولايات أميركية عدة خلال انتخابات التجديد النصفي، إذ وجّه الناخبون في نهاية المطاف رفضًا واضحًا للتوسع السريع في إنشائها بمختلف أنحاء الولايات المتحدة.
وتواجه الأسواق، التي كانت تعاني بالفعل من مخاوف بشأن النفقات الرأسمالية الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تحديًا إضافيًا يتمثل في احتساب احتمال فرض قيود أكثر صرامة على البنية التحتية الرقمية الداعمة لهذه التكنولوجيا.
وسجل مؤشر بورصة فيلادلفيا لأشباه الموصلات، الذي يُعد مقياسًا لأداء شركات الرقائق الإلكترونية، الأسبوع الماضي أكبر تراجع يومي له منذ تفشي جائحة كوفيد-19 في مارس 2020.
وألقى هذا الهبوط الضوء بصورة أكبر على صفقة «مارفيل» و«لومينتوم». فقد تراجعت أسهم الشركتين منذ انتخابات التجديد النصفي، ما أضاف متغيرًا جديدًا إلى صفقة تعتمد على مبادلة الأسهم، وتستند مبرراتها الاستراتيجية بدرجة كبيرة إلى استمرار الاستثمار في مراكز البيانات وتقنيات الربط الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
انتخابات التجديد النصفي تتحكم في وول ستريت
عززت بعض شركات وول ستريت فرق عملها بكوادر تتمتع بعلاقات سياسية، في رهان على أن تحسين التواصل مع إدارة ترمب وفهم توجهاتها سيكون عاملًا حاسمًا في تمرير الصفقات الكبرى.
لكن نتائج انتخابات التجديد النصفي قد تقلب هذه المعادلة، وتجبر البنوك على البدء في بناء جسور التواصل مع الديمقراطيين في وقت أقرب مما كان متوقعًا.
وقال ناري من كلية وارتون: «بدأ صانعو الصفقات يفهمون كيفية التعامل مع البيت الأبيض في عهد ترمب ونهجه تجاه عمليات الاندماج والاستحواذ. لكن بعد الموجة الزرقاء، سيحتاجون الآن إلى استراتيجية للتعامل مع الكونغرس أيضًا».
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض