في تحرك استثنائي يعكس تصاعد المخاوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي على النظام المالي العالمي، استدعت الإدارة الأميركية كبار قادة وول ستريت إلى اجتماع عاجل، لمناقشة التهديدات السيبرانية التي قد تفرضها نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة، وعلى رأسها نموذج «ميثوس» (Mythos) الذي طورته شركة «أنثروبيك» الأمريكية.
وجاء الاجتماع بقيادة وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، وبمشاركة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، في مقر وزارة الخزانة بالعاصمة واشنطن يوم 7 أبريل 2026، بهدف تحذير كبرى المؤسسات المصرفية من المخاطر المحتملة لهذه التكنولوجيا، والتأكد من استعدادها لحماية أنظمتها وشبكاتها الرقمية من الهجمات الإلكترونية المتطورة.
لماذا استدعت أميركا قادة وول ستريت؟
بحسب تقارير نقلتها وكالة بلومبرج، شارك في الاجتماع عدد من أبرز قيادات القطاع المصرفي الأمريكي، من بينهم جين فريزر الرئيسة التنفيذية لبنك «سيتي جروب»، وتيد بيك الرئيس التنفيذي لـ«مورجان ستانلي»، وبراين موينيهان رئيس «بنك أوف أميركا»، وتشارلي شارف رئيس «ويلز فارجو»، وديفيد سولومون رئيس «جولدمان ساكس».
كما تلقى جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورجان»، دعوة لحضور الاجتماع، لكنه لم يتمكن من المشاركة.
ولم يكن الاجتماع مجرد مناقشة تقليدية لمخاطر الأمن السيبراني، بل جاء في ظل مخاوف من أن تمنح النماذج الجديدة للذكاء الاصطناعي القراصنة قدرات غير مسبوقة على اكتشاف الثغرات الأمنية في الأنظمة الرقمية واستغلالها بسرعة وعلى نطاق واسع.
«ميثوس».. نموذج ذكاء اصطناعي يثير قلق المؤسسات المالية
يقع نموذج «ميثوس» في قلب هذه المخاوف، بعدما أعلنت شركة «أنثروبيك» امتلاكه قدرات متقدمة في اكتشاف الثغرات البرمجية والأمنية، بما يشمل أنظمة التشغيل الرئيسية ومتصفحات الإنترنت الأكثر استخداماً.
وتكمن خطورة هذه القدرات في إمكانية استخدامها لاكتشاف نقاط الضعف في البنية التكنولوجية للمؤسسات، ثم استغلالها للوصول إلى بيانات حساسة أو اختراق الأنظمة الرقمية، وهو ما قد يضع البنوك والمؤسسات المالية أمام تهديدات تتجاوز أساليب القرصنة التقليدية.
وأشارت تقارير إلى أن النموذج تمكن خلال الاختبارات من اكتشاف ثغرات أمنية لم تكن معروفة من قبل، كما أظهر قدرة على تطوير وسائل لاستغلال بعض هذه الثغرات بصورة آلية، الأمر الذي دفع الشركة المطورة إلى عدم إتاحته للجمهور على نطاق واسع.
وترى «أنثروبيك» أن انتشار مثل هذه القدرات دون ضوابط قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد والأمن العام والبنية التحتية الحيوية.
لماذا يمثل الذكاء الاصطناعي تهديداً للبنوك؟
تعتمد المؤسسات المصرفية الكبرى على أنظمة رقمية مترابطة لإدارة الحسابات والتحويلات والمدفوعات والبيانات المالية، وهو ما يجعل أي اختراق واسع النطاق تهديداً لا يقتصر على بنك واحد، بل قد يمتد تأثيره إلى مؤسسات أخرى مرتبطة به.
وتشمل المخاطر المحتملة:
اختراق الأنظمة المصرفية والوصول إلى بيانات العملاء والمعلومات المالية الحساسة.
اكتشاف واستغلال الثغرات الأمنية في شبكات البنوك بسرعة أكبر.
تعطيل الخدمات المصرفية وأنظمة المدفوعات والتحويلات.
زيادة مخاطر الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية المالية.
ارتفاع تكاليف الحماية والتأمين السيبراني على المؤسسات المالية.
وتزداد خطورة هذه التهديدات مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع عمليات البحث عن الثغرات وتحليل الأنظمة المعقدة، بما يقلص الوقت والموارد التي يحتاج إليها المهاجمون لتنفيذ هجماتهم.
«أنثروبيك» تقيد إتاحة النموذج وتطلق مشروعاً للحماية
وفي مواجهة هذه المخاطر، أعلنت «أنثروبيك» إطلاق مبادرة «Project Glasswing»، بالتعاون مع عدد من كبرى شركات التكنولوجيا والمؤسسات، بهدف الاستفادة من قدرات نموذج «ميثوس» في اكتشاف الثغرات الأمنية ومعالجتها قبل استغلالها من جانب القراصنة.
وتضم المبادرة شركات ومؤسسات تكنولوجية كبرى، من بينها «أمازون» و«أبل» و«إنفيديا» و«جيه بي مورجان»، مع إتاحة النموذج لعدد محدود من الجهات المختارة لاستخدامه في تعزيز أمن الأنظمة الرقمية.
وتراهن الشركة على توظيف القدرات المتقدمة للنموذج في الجانب الدفاعي، من خلال مساعدة المؤسسات على اكتشاف نقاط الضعف وإصلاحها، بدلاً من ترك المجال أمام الجهات الخبيثة لاستغلالها.
مخاوف تتجاوز وول ستريت
ولم تقتصر المخاوف المرتبطة بنموذج «ميثوس» على الولايات المتحدة، إذ امتدت المناقشات إلى مؤسسات مالية ورقابية في دول أخرى، مع تصاعد القلق من تأثير الذكاء الاصطناعي على أمن البنية التحتية المالية العالمية.
وفي هذا السياق، ناقشت مؤسسات مالية كندية المخاطر السيبرانية المرتبطة بالنموذج، كما اتجه بنك إنجلترا إلى بحث استعدادات البنوك وشركات التأمين لمواجهة التهديدات المحتملة.
وتعكس هذه التحركات تحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد الملفات الرئيسية على أجندة البنوك المركزية والجهات الرقابية، ليس فقط باعتباره أداة لتحسين الخدمات المالية، وإنما أيضاً باعتباره مصدراً محتملاً لمخاطر سيبرانية قد تهدد استقرار المؤسسات والأسواق.
وبينما تتيح النماذج الجديدة فرصاً واسعة لتطوير القطاع المالي، فإن قدرتها على اكتشاف الثغرات الأمنية واستغلالها تفرض تحدياً جديداً أمام الحكومات والبنوك، يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي وتأمين الأنظمة المالية من مخاطر الاستخدام الضار للذكاء الاصطناعي.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض